12 - بَاب إِلَى مَنْ يَنْكِحُ وَأَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ وَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطَفِهِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ 5082 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ ، ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ . قَوْلُهُ ( بَابُ إِلَى مَنْ يَنْكِحُ ، وَأَيِّ النِّسَاءِ خَيْرٌ ؟ وَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطَفِهِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ ) اشْتَمَلَتِ التَّرْجَمَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ ، وَتَنَاوُلُ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ وَاضِحٌ ، وَأَنَّ الَّذِي يُرِيدُ التَّزْوِيجَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْكِحَ إِلَى قُرَيْشٍ لِأَنَّ نِسَاءَهُنَّ خَيْرُ النِّسَاءِ وَهُوَ الْحُكْمُ الثَّانِي ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَ أَنَّهُنَّ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِنَّ اسْتُحِبَّ تَخَيُّرُهُنَّ لِلْأَوْلَادِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحُكْمِ الثَّالِثِ حَدِيثٌ صَرِيحٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ . وَأَنْكِحُوا الْأَكْفَاءَ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ أَيْضًا وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ ، وَيَقْوَى أَحَدُ الْإِسْنَادَيْنِ بِالْآخَرِ . قَوْلُهُ ( خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي ذِكْرِ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخِرِهِ وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ إِخْرَاجَ مَرْيَمَ مِنْ هَذَا التَّفْضِيلِ لِأَنَّهَا لَمْ تَرْكَبْ بَعِيرًا قَطُّ ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَفْضِيلُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ عَلَيْهَا ، وَلَا يُشَكُّ أَنَّ لِمَرْيَمَ فَضْلًا وَأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا نَبِيَّةٌ أَوْ مِنْ أَكْثَرِهِنَّ إِنْ لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَنَاقِبِ فِي حَدِيثِ خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ وَأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَيْرُ نِسَاءِ الْأَرْضِ فِي عَصْرِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُحْتَاجَ فِي إِخْرَاجِ مَرْيَمَ مِنْ هَذَا التَّفْضِيلِ إِلَى الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ قَولِهِ رَكِبْنَ الْإِبِلَ لِأَنَّ تَفْضِيلَ الْجُمْلَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْهَا ، فَإِنَّ قَوْلَهُ رَكِبْنَ الْإِبِلَ إِشَارَةٌ إِلَى الْعَرَبِ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يَكْثُرُ مِنْهُمْ رُكُوبِ الْإِبِلِ ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْعَرَبَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِمْ مُطْلَقًا فِي الْجُمْلَةِ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَفْضِيلُهُنَّ مُطْلَقًا عَلَى نِسَاءِ غَيْرِهِنَّ مُطْلَقًا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَيْضًا : إِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَدِيثَ سِيقَ فِي مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ فِي نِكَاحِ الْقُرَشِيَّاتِ ، فَلَيْسَ فِيهِ التَّعَرُّضُ لِمَرْيَمَ وَلَا لِغَيْرِهَا مِمَّنِ انْقَضَى زَمَنُهُنَّ . قَوْلُهُ ( صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِفْرَادِ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ صُلَّحُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ النَّفَقَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ وَالْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ . فَالْمَحْكُومُ لَهُ بِالْخَيْرِيَّةِ الصَّالِحَاتُ مِنْ نِسَاءِ قُرَيْشٍ لَا عَلَى الْعُمُومِ ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاحِ هُنَا صَلَاحُ الدِّينِ ، وَحُسْنُ الْمُخَالَطَةِ مَعَ الزَّوْجِ وَنَحْوُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ ( أَحْنَاهُ ) بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ : أَكْثَرُهُ شَفَقَةً ، وَالْحَانِيَةُ عَلَى وَلَدِهَا هِـيَ الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ يُتْمِهِمْ فَلَا تَتَزَوَّجُ ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَتْ بِحَانِيَةٍ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ ; وَجَاءَ الضَّمِيرُ مُذَكَّرًا وَكَانَ الْقِيَاسُ أَحْنَاهُنَّ ، وَكَأَنَّهُ ذَكَّرَ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَالْجِنْسِ أَوِ الشَّخْصِ أَوِ الْإِنْسَانِ ، وَجَاءَ نَحْوُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خُلُقًا . بِالْإِفْرَادِ فِي الثَّانِي ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ أَبِي سُفْيَانَ عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةٍ بِالْإِفْرَادِ فِي الثَّانِي أَيْضًا ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ : لَا يَكَادُونَ يَتَكَلَّمُونَ بِهِ إِلَّا مُفْرَدًا . قَوْلُهُ ( عَلَى وَلَدِهِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَلَى وَلَدٍ بِلَا ضَمِيرٍ وَهُوَ أَوْجَهُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَلَى يَتِيمٍ وَفِي أُخْرَى عَلَى طِفْلٍ وَالتَّقْيِيدُ بِالْيُتْمِ وَالصِّغَرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا مِنْ ذِكْرِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ ، لِأَنَّ صِفَةِ الْحُنُوِّ عَلَى الْوَلَدِ ثَابِتَةٌ لَهَا ، لَكِنْ ذُكِرَتِ الْحَالَتَانِ لِكَوْنِهِمَا أَظْهَرَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ( وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ ) أَيْ أَحْفَظُ وَأَصْوَنُ لِمَالِهِ بِالْأَمَانَةِ فِيهِ وَالصِّيَانَةِ لَهُ وَتَرْكِ التَّبْذِيرِ فِي الْإِنْفَاقِ . قَوْلُهُ ( فِي ذَاتِ يَدِهِ ) أَيْ فِي مَالِهِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ قَلِيلُ ذَاتِ الْيَدِ أَيْ قَلِيلُ الْمَالِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى نِكَاحِ الْأَشْرَافِ خُصُوصًا الْقُرَشِيَّاتِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ نَسَبُهَا أَعْلَى تَأَكَّدَ الِاسْتِحْبَابِ . وَيُؤْخَذُ مِنْهُ اعْتِبَارُ الْكَفَاءَةِ فِي النَّسَبِ ، وَأَنَّ غَيْرَ الْقُرَشِيَّاتِ لَيْسَ كُفْأً لَهُنَّ ، وَفَضْلُ الْحُنُوِّ وَالشَّفَقَةِ وَحُسْنِ التَّرْبِيَةِ وَالْقِيَامِ عَلَى الْأَوْلَادِ وَحِفْظِ مَالِ الزَّوْجِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ فِيهِ . وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ إِنْفَاقِ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ النَّفَقَاتِ بَيَانُ سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِلَى مَنْ يَنْكِحُ وَأَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ وَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطَفِهِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ · ص 27 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إلى من ينكح وأي النساء خير وما يستحب أن يتخير لنطفه من غير إيجاب · ص 78 باب إلى من ينكح وأي النساء خير وما يستحب أن يتخير لنطفه من غير إيجاب . أي هذا باب في بيان من إذا أراد أن يتزوج ينتهي أمره إلى من يتزوج من النساء أو إلى من يعقد ، وقد ذكرنا أن النكاح يأتي بمعنى التزويج وبمعنى العقد ، وقد اشتملت هذه الترجمة على ثلاثة أنواع وحديث الباب واحد : الأول قوله : إلى من ينكح ، والثاني قوله : وأي النساء خير ، والثالث : وما يستحب أن يتخير لنطفه ، ومن الحديث تؤخذ المطابقة للأول والثاني ظاهرا ، والثالث لا تؤخذ إلا بطريق اللزوم ؛ بيانه أن الذي يريد النكاح ينبغي أن يتزوج من قريش ؛ لأن نساءهن خير النساء وهذان نوعان ظاهران في المطابقة . وأما النوع الثالث : فهو أنه لما ثبت أن نساء قريش خير النساء وأن الذي تزوج منهن قد تخير لنطفه لأجل أولاده ، وهذا لا يفهم من الحديث صريحا ولكن بطريق اللزوم على أنا نقول يحتمل أنه أشار إلى حديث أخرجه ابن ماجه من حديث عائشة مرفوعا : تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وأخرجه الحاكم أيضا وصححه . فإن قلت : كيف يكون نساء قريش أفضل من مريم أم عيسى عليهما السلام ولا سيما على قول من يقول : إنها نبية ؟ قلت : أجاب بعضهم بأن في الحديث خير نساء ركبن الإبل ومريم عليها السلام لم تركب بعيرا . قلت : هذا جواب لا يجدي ، وقد أطنب هذا القائل هنا وكله غير كاف ويمكن أن يجاب عن هذا بأنه صلى الله عليه وسلم قيد بقوله : صالحو نساء قريش ، ومريم عليها السلام ليست من قريش . وقال النووي : معنى خير أي من خير كما يقال : أحسنهم كذا أي من أحسنهم أي أحسن من هنالك ، وقد يقال : إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم : خير نساء ركبن الإبل صالحو نساء قريش ، يعني في زمانهن ، قوله : من غير إيجاب أراد به أن الذي ذكره في هذه الترجمة من الأنواع الثلاثة ليس من باب الإيجاب بل هو من باب الاستحباب . 19 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خير نساء ركبن الإبل صالحو نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده . قد مر بيان وجه المطابقة الآن وهذا الإسناد بعين هؤلاء الرواة قد مر غير مرة . وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة ، وأبو الزناد بالزاي والنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . والحديث مر في أحاديث الأنبياء في باب قوله تعالى : إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ بأتم منه ومر الكلام فيه هناك . قوله : صالحو أصله صالحون سقطت النون للإضافة ، ويروى : صالح نساء قريش بالإفراد ، ويروى : صلح نساء قريش بضم الصاد وتشديد اللام جمع صالح ، وهو رواية الكشميهني والمراد بالإصلاح هنا صلاح الدين وصلاح المخالطة للزوج وغيره . قوله : أحناه من الحنو وهو الشفقة والحانية هي التي تقوم على ولدها بعد يتمه فلا تتزوج ، فإن تزوجت فليست بحانية وكان القياس أن يقال : أحناهن وأن يقال صالحة نساء قريش ، ولكن ذكره إما باعتبار لفظ الخبر أو باعتبار الشخص ، أو هو من باب ذي كذا ، وإما الإفراد ، فهو بالنظر إلى لفظ الصالح ، وإما بقصد الجنس . قوله : على ولده في رواية الكشميهني : على ولد بلا ضمير ، ووقع في رواية مسلم : على يتيم وفي أخرى : على طفل ، قوله : وأرعاه على زوج أي أحفظه وأصون لما له بالأمانة فيه والصيانة له وترك التبذير في الإنفاق ، قوله : في ذات يده أي في ماله المضاف إليه .