73 - بَاب تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الْخَمْرِ فِي الْمَسْجِدِ 459 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا أُنْزِلَتْ الْآيَاتُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الْخَمْرِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الْخَمْرِ فِي الْمَسْجِدِ ) أَيْ : جَوَازِ ذِكْرِ ذَلِكَ وَتَبْيِينِ أَحْكَامِهِ ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ مَا يَقْتَضِيهِ مَفْهُومُهُ مِنْ أَنَّ تَحْرِيمَهَا مُخْتَصٌّ بِالْمَسْجِدِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ ، أَيْ بَابُ ذِكْرِ تَحْرِيمِ ، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي بَابِ ذِكْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ . وَمَوْقِعُ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْمَسْجِدَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْفَوَاحِشِ فِعْلًا وَقَوْلًا ، لَكِنْ يَجُوزُ ذِكْرُهَا فِيهِ لِلتَّحْذِيرِ مِنْهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ لَهَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ) هُوَ السُّكَّرِيُّ ، وَمُسْلِمٌ هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ أَبُو الضُّحَى . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : كَانَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الرِّبَا بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ بِتَحْرِيمِهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى تَأْكِيدًا . قُلْتُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ التِّجَارَةِ فِيهَا تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ تَحْرِيمِ عَيْنِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الْخَمْرِ فِي الْمَسْجِدِ · ص 659 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب تحريم تجارة الخمر في المسجد · ص 531 73 - باب تحريم تجارة الخمر في المسجد 459 - حدثنا عبدان ، عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : لما أنزلت الآيات من سورة البقرة في الربا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، فقرأهن على الناس ، ثم حرم تجارة الخمر ذكر الخمر بالتحريم - إما لشربه أو للتجارة فيه - : من جملة تبليغ دين الله وشرعه ؛ وذلك لأنه تصان عنه المساجد ؛ فإن الله ذكر في كتابه الذي يتلى في الصلوات في المساجد : الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، كما ذكر : الزنا والربا وسائر المحرمات من الشرك والفواحش ، ولم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يتلو ذلك في المسجد في الصلوات وغيرها ، ولم يزل يذكر تحريم ما حرمه الله في المساجد وفي خطبه على المنبر ، وهذا الباب مما لا تدعو الحاجة إليه ؛ لظهوره . ولكن يشكل في هذا الحديث أمران : أحدهما : أن تحريم التجارة في الخمر مما شرع من حين نزول تحريم الخمر ، ولم يتأخر إلى نزول آيات الربا ، فإن آيات الربا من آخر ما نزل من القرآن ، كما روى البخاري في التفسير من رواية الشعبي ، عن ابن عباس ، قال : آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا . وفي الصحيحين عن جابر ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول : إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام . وخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا أيها الناس ، إن الله يعرض بالخمر ، ولعل الله سينزل فيها أمرا ، فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به . قال : فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال : إن الله حرم الخمر ، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع . قال : فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها . وهذا نص في تحريم بيعها مع تحريم شربها . والثاني : أن آيات الربا ليس فيها ذكر الخمر ، فكيف ذكر تحريم التجارة في الخمر مع تحريم الربا ؟ ويجاب عن ذلك : بأن مراد عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بتحريم التجارة في الخمر مع الربا ، وإن كان قد سبق ذكر تحريم بيع الخمر . وقد روى حجاج بن أرطاة - حديث عائشة - عن الأعمش بإسناد البخاري ، ولفظه : لما نزلت الآيات التي في سورة البقرة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر والربا . وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم - والله أعلم - بتحريم التجارة في الخمر مع الربا ليعلم بذلك أن الربا الذي حرمه الله يشمل جميع أكل المال مما حرمه الله من المعاوضات ، كما قال : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ، فما كان بيعا فهو حلال ، وما لم يكن بيعا فهو ربا حرام - أي : هو زيادة على البيع الذي أحله الله . فدخل في تحريم الربا جميع أكل المال بالمعاوضات الباطلة المحرمة ، مثل ربا الفضل فيما حرم فيه التفاضل ، وربا النساء فيما حرم فيه النسأ ، ومثل أثمان الأعيان المحرمة ، كالخمر والميتة والخنزير والأصنام ، ومثل قبول الهدية على الشفاعة ، ومثل العقود الباطلة ، كبيع الملامسة والمنابذة ، وبيع حبل الحبلة ، وبيع الغرر ، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، والمخابرة ، والسلف فيما لا يجوز السلف فيه . وكلام الصحابة في تسمية ذلك ربا كثير ، وقد قالوا : القبالات ربا ، وفي النجش أنه ربا ، وفي الصفقتين في الصفقة أنه ربا ، وفي بيع الثمرة قبل صلاحها أنه ربا . وروي : أن غبن المسترسل ربا ، وأن كل قرض جر نفعا فهو ربا . وقال ابن مسعود : الربا ثلاثة وسبعون بابا . وخرجه ابن ماجه والحاكم عنه مرفوعا . وخرج الإمام أحمد وابن ماجه ، أن عمر قال : من آخر ما نزل آية الربا ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها لنا ، فدعوا الربا والريبة . يشير عمر إلى أن أنواع الربا كثيرة ، وأن من المشتبهات ما لا يتحقق دخوله في الربا الذي حرمه الله ، فما رابكم منه فدعوه . وفي صحيح مسلم عن عمر ، أنه قال : ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا عهدا ننتهي إليه : الجد ، والكلالة ، وأبواب من أبواب الربا . وبعض البيوع المنهي عنها نهي عنها سدا لذريعة الربا ، كالمحاقلة ، والمزابنة ، وكذلك قيل في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه ، وعن بيعتين في بيعة ، وعن ربح ما لم يضمن ، وبسط هذا موضعه البيوع . وإنما أشرنا هنا إلى ما يبين كثرة أنواع أبواب الربا ، وأنها تشمل جميع المعاوضات المحرمة ، فلذلك لما نزل تحريم الربا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الربا ، وعن بيع الخمر ؛ ليبين أن جميع ما نهى عن بيعه داخل في الربا المنهي عنه . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تحريم تجارة الخمر في المسجد · ص 231 ( باب تحريم تجارة الخمر في المسجد ) أي هذا باب في بيان تحريم تجارة الخمر، ولا بد فيه من تقدير مضاف لأن المراد بيان ذلك وتبين أحكامه، وليس المراد بأن تحريمها مختص بالمسجد لأنها حرام سواء كانت في المسجد أو في غيره، وقوله ( في المسجد ) يتعلق بالتحريم لا بالتجارة، وقال صاحب ( التوضيح ) أخذ من كلام ابن بطال، وغرض البخاري هنا في هذا الباب والله أعلم أن المسجد لما كان للصلاة ولذكر الله تعالى منزها من الفواحش والخمر ، والربا من أكبر الفواحش يمنع من ذلك ، فلما ذكر الشارع تحريمها في المسجد ذكر أنه لا بأس بذكر المحرمات، والأقذار في المسجد على وجه النهي عنها والمنع منها ، انتهى، وأخذ بعضهم من كلامه فقال : باب تحريم تجارة الخمر في المسجد أي جواز ذكر ذلك . قلت : كل هذا خارج عن المهيع أو تصرفات بغير تأمل لأنه لا فائدة في بيان جواز ذكر ذلك في المسجد إذ هو مبين من الخارج، وليس غرض البخاري ذلك، وإنما غرضه بيان أن تحريم تجارة الخمر وقع في المسجد لأن ظاهر حديث الباب مصرح بذلك لأن عائشة قالت : لما نزلت الآيات من سورة البقرة في الربا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد... إلى آخره ، فهذا ظاهره أن تحريم تجارة الخمر بعد نزول آيات الربا ، فإن قلت : كان تحريم الخمر قبل نزول آيات الربا بمدة طويلة كما صرحوا به ، فلما حرمت الخمر حرمت التجارة فيها أيضا قطعا فما الفائدة في ذكر تحريم تجارتها ههنا . قلت : يحتمل كون تحريم التجارة فيها قد تأخرت عن وقت تحريم عينها، ويحتمل أن يكون ذكره ههنا تأكيدا ومبالغة في إشاعة ذلك أو يكون قد حضر المجلس من لم يبلغه تحريم التجارة فيها قبل ذلك فأعاد صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك للإعلام لهم، وكان ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وهذا أيضا هو موقع الترجمة، وليس ذلك مثل ما قال بعضهم، وموقع الترجمة أن المسجد منزه عن الفواحش قولا وفعلا لكن يجوز ذكرها فيه للتحذير منها ، انتهى . قلت : إذا كان ذكر الفواحش جائزا في المسجد لأجل التحذير ، فما وجه تخصيص ذكر فاحشة تحريم الخمر في المسجد، وجواب هذا يلزم هذا القائل ، فعلى ما ذكرنا لا يرد سؤال فلا يحتاج إلى جواب . 118 - ( حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة قالت : لما أنزلت الآيات من سورة البقرة في الربا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقرأهن على الناس ثم حرم تجارة الخمر ) . مطابقة الحديث للترجمة قد ذكرناها الآن . ( ذكر رجاله )، وهم ستة : الأول : عبدان هو عبد الله بن عثمان المروزي، وعبدان بفتح العين وسكون الباء الموحدة لقب له ، قال البخاري : مات سنة إحدى وعشرين ومائتين وأصله من البصرة . الثاني : أبو حمزة بالحاء المهملة والزاي ، اسمه محمد بن ميمون السكري مر في باب نفض اليدين في الغسل . الثالث : سليمان الأعمش الرابع : مسلم بن صبيح بضم الصاد وفتح الباء الموحدة، وكنيته أبو الضحى الكوفي . الخامس : مسروق بن الأجدع الكوفي . السادس : عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه العنعنة في خمسة مواضع، وفيه أن رواته ما بين مروزي، وكوفي، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم الأعمش، ومسلم، ومسروق . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في البيوع عن مسلم بن إبراهيم، وفي التفسير عن بشر بن خالد، وفيه أيضا عن عمر بن حفص، وفي البيوع والتفسير أيضا عن محمد بن بشار، وأخرجه مسلم في البيوع عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، وعن زهير بن حرب، وأخرجه أبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم به، وعن عثمان عن أبي معاوية، وأخرجه النسائي فيه، وفي التفسير عن بشر بن خالد به، وعن محمود بن غيلان، وأخرجه ابن ماجه في الأشربة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن علي بن محمد كلاهما عن أبي معاوية الضرير به . ( ذكر معناه ) ؛ قوله ( لما نزلت الآيات ) هي من قوله تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ إلى قوله : لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن عباس أنه قال : " آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق " ، قال : وروي عن عوف بن مالك، وسعيد بن جبير، والسدي، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان نحو ذلك، وروى ابن جرير فقال : حدثني المثنى ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا ربيعة بن كلثوم حدثنا أبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : " يقال يوم القيامة لآكل الربا : خذ سلاحك للحرب " ، وقرأ : لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ قال : " وذلك حين يقوم من قبره " . قوله : ( من سورة البقرة ) ، وفي لفظ للبخاري : " لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس ثم حرم التجارة في الخمر " ، وقال ابن كثير في تفسيره قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة لما حرم الربا ووسائله حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك . قلت : ظاهر هذا يدل على أن تحريم الخمر كان مع تحريم الربا، ولكن قالوا : إن تحريم الخمر قبل تحريم الربا بمدة طويلة كما ذكرنا عن قريب، والربا مقصور من ربا يربو إذا زاد فيكتب بالألف، وأجاز الكوفيون كتبه بالياء بسبب الكسرة في أوله، وقد كتب في المصحف بالواو ، قال الفراء : إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة ولغتهم الربو فعلموهم صورة الخط على لغتهم ، قال: ويجوز كتبه بالألف وبالواو وبالياء ؛ قوله ( تجارة الخمر ) أي بيعها، وشراءها .