106 - بَاب الْمُتَشَبِّعِ بمَا لَمْ يَنَلْ ، وَمَا يُنْهَى مِنْ افْتِخَارِ الضَّرَّةِ 5219 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ فَاطِمَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ح . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ هِشَامٍ ، حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ ، عَنْ أَسْمَاءَ : أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي ضَرَّةً ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ . قَوْلُهُ ( بَابُ الْمُتَشَبِّعِ بِمَا لَمْ يَنَلْ ، وَمَا يُنْهَى مِنِ افْتِخَارِ الضَّرَّةِ ) أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي تَفْسِيرِ الْخَبَرِ قَالَ : قَوْلُهُ : الْمُتَشَبِّعُ أَيِ الْمُتَزَيِّنُ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ يَتَكَثَّرُ بِذَلِكَ وَيَتَزَيَّنُ بِالْبَاطِلِ ؛ كَالْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَلَهَا ضَرَّةٌ فَتَدَّعِي مِنَ الْحَظْوَةِ عِنْدَ زَوْجِهَا أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَهُ تُرِيدُ بِذَلِكَ غَيْظَ ضَرَّتِهَا ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الرِّجَالِ ، قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَلْبِسُ الثِّيَابَ الْمُشْبِهَةَ لِثِيَابِ الزُّهَّادِ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْهُمْ ، وَيَظْهَرُ مِنَ التَّخَشُّعِ وَالتَّقَشُّفِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي قَلْبِهِ مِنْهُ ، قَالَ : وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ : أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالثِّيَابِ الْأَنْفَسَ ، كَقَوْلِهِمْ : فُلَانٌ نَقِيُّ الثَّوْبِ إِذَا كَانَ بَرِيئًا مِنَ الدَّنَسِ ، وَفُلَانٌ دَنِسُ الثَّوْبِ إِذَا كَانَ مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي دِينِهِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الثَّوْبُ مَثَلٌ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ صَاحِبُ زُورٍ وَكَذِبٍ ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ وُصِفَ بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الْأَدْنَاسِ : طَاهِرُ الثَّوْبِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْسُ الرَّجُلِ ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ : الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ شَاهِدَ الزُّورِ قَدْ يَسْتَعِيرُ ثَوْبَيْنِ يَتَجَمَّلُ بِهِمَا لِيُوهِمَ أَنَّهُ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ اهـ . وَهَذَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ قَالَ : كَانَ يَكُونُ فِي الْحَيِّ الرَّجُلُ لَهُ هَيْئَةٌ وَشَارَةٌ ، فَإِذَا احْتِيجَ إِلَى شَهَادَةِ زُورٍ لَبِسَ ثَوْبَيْهِ وَأَقْبَلَ فَشَهِدَ فَقُبِلَ لِنُبْلِ هَيْئَتِهِ وَحُسْنِ ثَوْبَيْهِ ، فَيُقَالُ أَمْضَاهَا بِثَوْبَيْهِ ، يَعْنِي : الشَّهَادَةَ ، فَأُضِيفَ الزُّورُ إِلَيْهِمَا فَقِيلَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ . وَأَمَّا حُكْمُ التَّثْنِيَةِ فِي قَوْلِهِ : ثَوْبَيْ زُورٍ ، فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ كَذِبَ الْمُتَحَلِّي مَثْنًى ؛ لِأَنَّهُ كَذَبَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَمْ يَأْخُذْ وَعَلَى غَيْرِهِ بِمَا لَمْ يُعْطِ ، وَكَذَلِكَ شَاهِدُ الزُّورِ يَظْلِمُ نَفْسَهُ وَيَظْلِمُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : فِي التَّثْنِيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَالَّذِي قَالَ الزُّورَ مَرَّتَيْنِ مُبَالَغَةً فِي التَّحْذِيرِ مِنْ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : إِنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَجْعَلُ فِي الْكُمِّ كُمًّا آخَرَ يُوهِمُ أَنَّ الثَّوْبَ ثَوْبَانِ ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ . قُلْتُ : وَنَحْوُ ذَلِكَ مَا فِي زَمَانِنَا هَـذَا فِيمَا يُعْمَلُ فِي الْأَطْوَاقِ وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَلْيَقُ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : هُوَ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبَيْ وَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّهُمَا لَهُ وَلِبَاسُهُمَا لَا يَدُومُ وَيَفْتَضِحُ بِكَذِبِهِ . وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَنْفِيرَ الْمَرْأَةِ عَمَّا ذَكَرْتُ خَوْفًا مِنَ الْفَسَادِ بَيْنَ زَوْجِهَا وَضَرَّتِهَا وَيُورِثُ بَيْنَهُمَا الْبَغْضَاءَ فَيَصِيرُ كَالسِّحْرِ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ : الْمُتَشَبِّعُ أَيِ الْمُتَشَبِّهُ بِالشَّبْعَانِ وَلَيْسَ بِهِ ، وَاسْتُعِيرَ لِلتَّحَلِّي بِفَضِيلَةٍ لَمْ يُرْزَقْهَا ، وَشُبِّهَ بِلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ أَيْ ذِي زُورٍ ، وَهُوَ الَّذِي يَتَزَيَّا بِزِيِّ أَهْلِ الصَّلَاحِ رِيَاءً ، وَأَضَافَ الثَّوْبَيْنِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُمَا كَالْمَلْبُوسَيْنِ ، وَأَرَادَ بِالتَّثْنِيَةِ أَنَّ الْمُتَحَلِّيَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ كَمَنْ لَبِسَ ثَوْبَيِ الزُّورِ ارْتَدَى بِأَحَدِهِمَا وَاتَّزَرَ بِالْآخَرِ ، كَمَا قِيلَ : إِذَا هُـوَ بِالْمَجْدِ ارْتَدَى وَتَأَزَّرَا ، فَالْإِشَارَةُ بِالْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ إِلَى أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالزُّورِ مِنْ رَأْسِهِ إِلَى قَدَمِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ حَصَلَ بِالتَّشَبُّعِ حَالَتَانِ مَذْمُومَتَانِ : فِقْدَانُ مَا يُتَشَبَّعُ بِهِ وَإِظْهَارُ الْبَاطِلِ . وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ : هُوَ الَّذِي يُرَى أَنَّهُ شَبْعَانُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ ( عَنْ هِشَامٍ ) هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَيَحْيَى فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَأَفَادَ تَصْرِيحُ هِشَامٍ بِتَحْدِيثِ فَاطِمَةَ وَهِيَ بِنْتُ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهِيَ بِنْتُ عَمِّهِ وَزَوْجَتُهُ ، وَأَسْمَاءُ هِيَ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ جَدَّتُهُمَا مَعًا . وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَكْثَرُ مِنْ أَصْحَابِ هِشَامٍ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَانْفَرَدَ مَعْمَرٌ ، وَالْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ بِرِوَايَتِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فَقَالَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَقَالَ : إِنَّهُ أَخْطَأَ وَالصَّوَابُ حَدِيثُ أَسْمَاءَ . وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي التَّتَبُّعِ أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، وَوَكِيعٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِثْلُ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، قَالَ : وَهَذَا لَا يَصِحُّ ، وَأَحْتَاجُ أَنْ أَنْظُرَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ فَإِنِّي وَجَدْتُهُ فِي رُقْعَةٍ ، وَالصَّوَابُ عَنْ عَبْدَةَ ، وَوَكِيعٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ لَا عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَكَذَا قَالَ سَائِرُ أَصْحَابِ هِشَامٍ . قُلْتُ : هُوَ ثَابِتٌ فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ مِنْ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ ، أَوْرَدَهُ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ عَبْدَةَ ، وَوَكِيعٍ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ عَبْدَةَ وَحْدَهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ ، فَاقْتَضَى أَنَّهُ عِنْدَ عَبْدَةَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَعِنْدَ وَكِيعٍ بِطَرِيقِ عَائِشَةَ فَقَطْ ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ ، وَكَذَا أَوْرَدَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ آدَمَ ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَكَذَا هُـوَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ضَمْرَةَ وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيِّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ مُرَجَّى بْنِ رَجَاءٍ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ عَبْدَةَ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ ، وَأَمَّا وَكِيعٌ فَقَدْ أَخْرَجَ رِوَايَتَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَاشِمٍ الطُّوسِيِّ عَنْهُ مِثْلَ مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، فَلْيُضَمَّ إِلَى مَعْمَرٍ ، وَمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ وَيُسْتَدْرَكُ عَلَى الدَّارَقُطْنِيِّ . قَوْلُهُ ( إِنَّ امْرَأَةً قَالَتْ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَلَا عَلَى تَعْيِينِ زَوْجِهَا . قَوْلُهُ ( إِنَّ لِي ضَرَّةً ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ إِنَّ لِي جَارَةً وَهِيَ الضَّرَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ ( إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقُولُ إِنَّ زَوْجِي أَعْطَانِي مَا لَمْ يُعْطِنِي ؟ قَوْلُهُ ( الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَهُ ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ بِمَا لَمْ يُعْطَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمُتَشَبِّعِ بِمَا لَمْ يَنَلْ وَمَا يُنْهَى مِنْ افْتِخَارِ الضَّرَّةِ · ص 228 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المتشبع بما لم ينل وما ينهى من إضجار الضرة · ص 203 باب المتشبع بما لم ينل وما ينهى من إضجار الضرة أي : هذا باب في بيان ذم المتشبع بما لم ينل ، ولفظ الباب معرب لأنه أضيف إلى المتشبع ، وسنذكر تفسيره في الحديث . قوله ( وما ينهى ) ؛ أي وفي بيان ما ينهى ، وكلمة ما مصدرية ؛ أي وفي بيان النهي عن إضجار الضرة أي إلحاق الغم والقلق إياها ، وفي المغرب : الضجر قلق من غم وضيق نفس مع الكلام . قال الجوهري : ضرة المرأة امرأة زوجها . وقال صاحب المحكم : الضرتان امرأتا الرجل ، كل واحدة منهما ضرة لصاحبتها ، وهن الضرائر . 148 - حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن هشام ، عن فاطمة ، عن أسماء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وحدثني محمد بن المثنى ، حدثنا يحيى ، عن هشام ، حدثتني فاطمة ، عن أسماء أن امرأة قالت : يا رسول الله ، إن لي ضرة ، فهل علي جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وقوله المتشبع يشمل شطري الترجمة . وهشام هو ابن عروة بن الزبير ، وفاطمة هي بنت المنذر بن الزبير ، وأسماء هي بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . والحديث أخرجه مسلم : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا وكيع وعبدة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن امرأة قالت : يا رسول الله ، أقول إن زوجي أعطاني ما لم يعط ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور . وقال الدارقطني في العلل : عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، إنما يرويه هكذا معمر والمبارك بن فضالة ، والصحيح عن فاطمة عن أسماء ، وإخراج مسلم حديث هشام عن أبيه عن عائشة لا يصح ، والصواب حديث عبدة ووكيع وغيرهما عن هشام عن فاطمة عن أسماء ، ولما رواه النسائي في سننه من حديث معمر عن هشام عن أبيه عن عائشة قال : هذا خطأ ، والصواب حديث أسماء . قلت : ومسلم أخرجه أيضا من حديث هشام عن فاطمة عن أسماء ، فيحتمل أن يكون كلاهما صحيحين عنده ، ثم إن البخاري أخرج هذا الحديث من طريقين ؛ أحدهما عن سليمان بن حرب عن هشام عن حماد بن زيد عن فاطمة عن أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والآخر عن محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن عروة . . . إلى آخره . قوله ( إن لي ضرة ) ، وفي رواية الإسماعيلي : إن لي جارة - وهي الضرة أيضا . قوله ( جناح ) ؛ أي إثم . قوله ( إن تشبعت من زوجي ) ؛ أي قالت أسماء الراوية إن تشبعت من زوجي الزبير بن العوام ، كذا سميت المرأة وضرتها ، وبعضهم قال لم أقف على تعيين هذه المرأة وزوجها . قوله ( المتشبع ) ، قال أبو عبيدة : المتشبع المتزين بأكثر مما عنده يتكثر بذلك ويتزين بالباطل ، كالمرأة تكون لها ضرة فتشبع عندها بما تدعيه من الحظوة عند زوجها بأكثر مما عنده لها تريد بذلك غيظ صاحبتها وإدخال الأذى عليها ، وكذلك هذا في الرجل . وقال النووي : المتكثر بما ليس عنده مذموم مثل من لبس ثوبي زور . وقيل : هو من يلبس قميصا واحدا ويصل بكميه كمين آخرين فيظهران عليه قميصين . وقال الزمخشري في الفائق : المتشبع أي المتشبه بالشبعان وليس به ، واستعير للتحلي بفضيلة لم يرزقها ، وشبه بلابس ثوبي زور - أي ذي زور - وهو الذي يزور على الناس بأن يتزيا بزي أهل الصلاح رياء ، وأضاف الثوبين إليه لأنهما كانا ملبوسين لأجله وهو المسوغ للإضافة ، وأراد أن المتجلي كمن لبس ثوبين من الزور وقد ارتدى بأحدهما واتزر بالآخر ، كقوله : إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا وقال الكرماني : معناه المظهر للشبع وهو جائع كالمزور الكاذب الملتبس بالباطل ، وشبه الشبع بلبس الثوب بجامع أنهما يغشيان الشخص تشبيها تحقيقيا أو تخييليا كما قرر السكاكي في قوله تعالى : فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ثم قال : وفائدة التشبيه المبالغة إشعارا بأن الإزار والرداء زور من رأسه إلى قدمه ، أو الإعلام بأن في التشبع حالتين مكروهتين : فقدان ما تشبع به ، وإظهار الباطل . وقال الخطابي : هذا متأول على وجهين ؛ أحدهما : أن الثوب مثل ، ومعناه المتشبع بما لم يعط صاحب زور وكذب ، كما يقال للرجل إذا وصف بالبراءة من العيوب إنه طاهر الثوب نقي الجيب ونحوه من الكلام ، فالثوب في ذلك مثل والمراد به نفسه وطهارتها . والثاني : أن يراد به نفس الثوب ، قالوا : كان في الحي رجل له جبة حسنة ، فإذا احتاجوا إلى شهادة الزور فيشهد لهم فيقبل لنبله وحسن ثوبه . وقال ابن التين : معناه أن المرأة تلبس ثوب وديعة أو عارية ليظن الناس أنهما لها ، فلباسها لا يدوم وتفتضح بكذبها . وقال الداودي : إنما كره ذلك لأنها تدخل بين المرأة الأخرى وزوجها البغضاء فيصير كالسحر الذي يفرق بين المرء وزوجه . قوله ( بما لم يعط ) على صيغة المجهول ، وفي رواية معمر : بما لم يعطه . وفي الترجمة : بما لم ينل . وقال ابن الأثير : المتشبع بما لا يملك . والكل متقارب في المعنى .