111 - بَاب لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا ذُو مَحْرَمٍ وَالدُّخُولُ عَلَى الْمُغِيبَةِ 5232 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ ؟ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ . قَوْلُهُ ( بَابُ لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا ذُو مَحْرَمٍ وَالدُّخُولُ عَلَى الْمُغِيبَةَ ) يَجُوزُ فِي لَامِ الدُّخُولِ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ . وَأَحَدُ رُكْنَيِ التَّرْجَمَةِ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ صَرِيحًا فِي الْبَابِ ، وَالثَّانِي يُؤْخَذُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ صَرِيحًا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ : لَا تَدْخُلُوا عَلَى الْمُغْيِبَاتِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ ، لَكِنَّ مُجَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا : لَا يَدْخُلُ رَجُلٌ عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَانِ ، ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ ، وَالْمُغْيِبَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ : مَنْ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، يُقَالُ : أَغَابَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا غَابَ زَوْجُهَا . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا . قَوْلُهُ ( عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، وَحَيْوَةَ ، وَغَيْرِهِمْ : أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ حَدَّثَهُمْ . قَوْلُهُ ( عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ) هُوَ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ . قَوْلُهُ ( عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ : سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ . قَوْلُهُ ( إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّحْذِيرِ ، وَهُوَ تَنْبِيهُ الْمُخَاطَبِ عَلَى مَحْذُورٍ لِيَحْتَرِزَ عَنْهُ كَمَا قِيلَ إِيَّاكَ وَالْأَسَدَ ، وَقَوْلُهُ إِيَّاكُمْ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ اتَّقُوا ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ اتَّقُوا أَنْفُسَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاءِ وَالنِّسَاءَ أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْكُمْ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ بِلَفْظِ : لَا تَدْخُلُوا عَلَى النِّسَاءِ ، وَتَضَمَّنَ مَنْعُ الدُّخُولِ مَنْعَ الْخَلْوَةِ بِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى . قَوْلُهُ ( فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ . قَوْلُهُ ( أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ ) زَادَ ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ : الْحَمْوُ أَخُو الزَّوْجِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِبِ الزَّوْجِ ابْنِ الْعَمِّ وَنَحْوِهِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ تَخْرِيجِ الْحَدِيثِ : قَالَ التِّرْمِذِيُّ : يُقَالُ هُوَ أَخُو الزَّوْجِ ، كُرِهَ لَهُ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا . قَالَ : وَمَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى نَحْوِ مَا رُوِيَ : لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثُهُمَا الشَّيْطَانَ . اهـ . وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْأَحْمَاءَ أَقَارِبُ زَوْجِ الْمَرْأَةِ كَأَبِيهِ وَعَمِّهِ وَأَخِيهِ وَابْنِ أَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ وَنَحْوِهِمْ ، وَأَنَّ الْأَخْتَان أَقَارِبُ زَوْجَةِ الرَّجُلِ ، وَأَنَّ الْأَصْهَارَ تَقَعُ عَلَى النَّوْعَيْنِ . اهـ . وَقَدِ اقْتَصَرَ أَبُو عُبَيْدٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ فَارِسٍ ، وَالدَّاوُدِيُّ عَلَى أَنَّ الْحَمْوَ أَبُو الزَّوْجَةِ ، زَادَ ابْنُ فَارِسٍ : وَأَبُو الزَّوْجِ ، يَعْنِي أَنَّ وَالِدَ الزَّوْجِ حَمُو الْمَرْأَةِ وَوَالِدِ الزَّوْجَةِ حَمُو الرَّجُلِ ، وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ عُرْفُ النَّاسِ الْيَوْمَ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَتَبِعَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَالْخَطَّابِيُّ مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ ، وَكَذَا نُقِلَ عَنِ الْخَلِيلِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ : مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَلِيٍّ إِلَّا مَا كَانَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأَحْمَائِهَا . وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ أَقَارِبُ الزَّوْجِ غَيْرُ آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ ، لِأَنَّهُمْ مَحَارِمُ لِلزَّوْجَةِ يَجُوزُ لَهُمُ الْخَلْوَةُ بِهَا وَلَا يُوصَفُونَ بِالْمَوْتِ . قَالَ : وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْأَخُ وَابْنُ الْأَخِ وَالْعَمُّ وَابْنُ الْعَمِّ وَابْنُ الْأُخْتِ وَنَحْوُهُمْ مِمَّا يَحِلُّ لَهَا تَزْوِيجُهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَزَوِّجَةً ، وَجَرَتِ الْعَادَةُ بِالتَّسَاهُلِ فِيهِ فَيَخْلُو الْأَخُ بِامْرَأَةِ أَخِيهِ فَشَبَّهَهُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ الْأَجْنَبِيِّ اهـ . وَقَدْ جَزَمَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَبِعَهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ الْحَمْوَ أَبُو الزَّوْجِ ، وَأَشَارَ الْمَازِرِيُّ إِلَى أَنَّهُ ذُكِرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَنْعِ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ : هَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ مَرْدُودٌ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ اهـ . وَسَيَظْهَرُ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي تَفْسِيرِ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ الْحَمْوُ الْمَوْتُ مَا تَبَيَّنَ مِنْهُ أَنَّ كَلَامَ الْمَازِرِيُّ لَيْسَ بِفَاسِدٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ الْحَمْوِ فَصَرَّحَ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَمْءٌ بِالْهَمْزِ ، وَأَمَّا الْخَطَّابِيُّ فَضَبَطَهُ بِوَاوٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ لِأَنَّهُ قَالَ : وَزْنَ دَلْوٍ ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ ، وَابْنُ الْأَثِيرِ وَغَيْرُهُمَا ، وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَنَا فِي رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ ، وَفِيهِ لُغَتَانِ أُخْرَيَانِ إِحْدَاهُمَا حَمٌ بِوَزْنِ أَخٍ ، وَالْأُخْرَى حَمَى بِوَزْنِ عَصَا ، وَيَخْرُجُ مِنْ ضَبْطِ الْمَهْمُوزِ بِتَحْرِيكِ الْمِيمِ لُغَةٌ أُخْرَى خَامِسَةٌ حَكَاهَا صَاحِبُ الْمُحْكَمِ . قَوْلُهُ ( الْحَمْوُ الْمَوْتُ ) قِيلَ : الْمُرَادُ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِالْحَمْوِ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى هَلَاكِ الدِّينِ إِنْ وَقَعَتِ الْمَعْصِيَةُ ، أَوْ إِلَى الْمَوْتِ إِنْ وَقَعَتِ الْمَعْصِيَةُ وَوَجَبَ الرَّجْمُ ، أَوْ إِلَى هَلَاكِ الْمَرْأَةِ بِفِرَاقِ زَوْجِهَا إِذَا حَمَلَتْهُ الْغَيْرَةُ عَلَى تَطْلِيقِهَا ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ الْقُرْطُبِيُّ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : الْمَعْنَى أَنَّ خَلْوَةَ الرَّجُلِ بِامْرَأَةِ أَخِيهِ أَوِ ابْنِ أَخِيهِ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمَوْتِ ، وَالْعَرَبُ تَصِفُ الشَّيْءَ الْمَكْرُوهَ بِالْمَوْتِ ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : هِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ مَثَلًا كَمَا تَقُولُ : الْأَسَدُ الْمَوْتُ ، أَيْ لِقَاؤُهُ فِيهِ الْمَوْتُ ، وَالْمَعْنَى احْذَرُوهُ كَمَا تَحْذَرُونَ الْمَوْتَ . وَقَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْغَرَائِبِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا خَلَتْ فَهِيَ مَحَلُّ الْآفَةِ وَلَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا أَحَدٌ فَلْيَكُنْ حَمْوُهَا الْمَوْتَ ، أَيْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا إِلَّا الْمَوْتُ كَمَا قِيلَ : نِعْمَ الصِّهْرُ الْقَبْرُ ، وَهَذَا لَائِقٌ بِكَمَالِ الْغَيْرَةِ وَالْحَمِيَّةِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : مَعْنَى قَوْلِهِ الْحَمْوُ الْمَوْتُ أَيْ فَلْيَمُتْ وَلَا يَفْعَلْ هَذَا . وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ : هَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِقَرِيبِ الزَّوْجِ أَكْثَرُ مِنَ الْخَلْوَةِ بِغَيْرِهِ ، وَالشَّرُّ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْفِتْنَةُ بِهِ أَمْكَنُ لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَرْأَةِ وَالْخَلْوَةِ بِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ . وَقَالَ عِيَاضٌ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِالْأَحْمَاءِ مُؤَدِّيَةٌ إِلَى الْفِتْنَةِ وَالْهَلَاكِ فِي الدِّينِ فَجَعَلَهُ كَهَلَاكِ الْمَوْتِ وَأَوْرَدَ الْكَلَامَ مَوْرِدَ التَّغْلِيظِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : الْمَعْنَى أَنَّ دُخُولَ قَرِيبِ الزَّوْجِ عَلَى امْرَأَةِ الزَّوْجِ يُشْبِهُ الْمَوْتَ فِي الِاسْتِقْبَاحِ وَالْمَفْسَدَةِ ، أَيْ فَهُوَ مُحَرَّمٌ مَعْلُومُ التَّحْرِيمِ ، وَإِنَّمَا بَالَغَ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ وَشَبَّهَهُ بِالْمَوْتِ لِتَسَامُحِ النَّاسِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ لِإِلْفِهِمْ بِذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُ لَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ مِنَ الْمَرْأَةِ فَخَرَّجَ هَذَا مَخْرَجَ قَوْلِ الْعَرَبِ : الْأَسَدُ الْمَوْتُ ، وَالْحَرْبُ الْمَوْتُ ، أَيْ لِقَاؤُهُ يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ ، وَكَذَلِكَ دُخُولُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ قَدْ يُفْضِي إِلَى مَوْتِ الدِّينِ أَوْ إِلَى مَوْتِهَا بِطَلَاقِهَا عِنْدَ غَيْرَةِ الزَّوْجِ أَوْ إِلَى الرَّجْمِ إِنْ وَقَعَتِ الْفَاحِشَةُ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : الْمَعْنَى أَنَّ خَلْوَةَ الْمَحْرَمِ بِهَا أَشَدُّ مِنْ خَلْوَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَجَانِبِ ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَسَّنَ لَهَا أَشْيَاءَ وَحَمَلَهَا عَلَى أُمُورٍ تَثْقُلُ عَلَى الزَّوْجِ مِنِ الْتِمَاسِ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ ، فَتَسُوءُ الْعِشْرَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ لَا يُؤْثِرُ أَنْ يَطَّلِعَ وَالِدُ زَوْجَتِهِ أَوْ أَخُوهَا عَلَى بَاطِنِ حَالِهِ وَلَا عَلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ اهـ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : الْحَمْوُ الْمَوْتُ ، أَيْ : لَابُدَّ مِنْهُ وَلَا يُمْكِنُ حَجْبُهُ عَنْهَا ، كَمَا أَنَّهُ لَابُدَّ مِنَ الْمَوْتِ ، وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْأَخِيرِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ . تَنْبِيهٌ : مَحْرَمُ الْمَرْأَةِ مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ إِلَّا أُمَّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَالْمُلَاعَنَةِ فَإِنَّهُمَا حَرَامَانِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَا مَحْرَمِيَّةَ هُنَاكَ ، وَكَذَا أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَخْرَجَهُنَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ فِي التَّعْرِيفِ : بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لَا لِحُرْمَتِهَا . وَخَرَجَ بِقَيْدِ التَّأْبِيدِ أُخْتُ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتُهَا وَخَالَتُهَا وَبِنْتُهَا إِذَا عَقَدَ عَلَى الْأُمِّ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا ذُو مَحْرَمٍ وَالدُّخُولُ عَلَى الْمُغِيبَةِ · ص 242 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة · ص 213 باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم ، والدخول على المغيبة أي : هذا باب يذكر فيه لا يخلون رجل بامرأة . . . إلخ ، وهذه الترجمة مشتملة على حكمين ؛ أحدهما : عدم جواز اختلاء الرجل بامرأة أجنبية . والثاني : عدم جواز الدخول على المغيبة . فحديث الباب يدل على الحكم الأول ، والحكم الثاني ليس فيه صريحا وإنما يؤخذ بطريق الاستنباط . قوله ( إلا ذو محرم ) وهو من لا يحل له نكاحها من الأقارب كالأب والابن والأخ والعم ومن يجري مجراهم . قوله ( والدخول ) بالجر والرفع ، قال بعضهم : ولم يبين وجههما . قلت : أما الجر فللعطف على بامرأة على تقدير : ولا بالدخول على المغيبة . وأما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : وكذا الدخول على المغيبة - وهو بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة ، وهي التي غاب عنها زوجها ، يقال أغابت المرأة إذا غاب زوجها فهي مغيبة ، وتجمع على مغيبات . وقد روى الترمذي حديث نصر بن علي : حدثنا عيسى بن يونس ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تلجوا على المغيبات ، فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم . . . الحديث ، وقال : هذا حديث غريب من هذا الوجه ، وقد تكلم بعضهم في مجالد بن سعيد من قبل حفظه . 161 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إياكم والدخول على النساء ! فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله ، أفرأيت الحمو ؟ قال : الحمو الموت . مطابقته للشطر الأول من الترجمة كما ذكرنا . وليث هو ابن سعد ، ويزيد - من الزيادة - ابن أبي حبيب المصري ، واسم أبي حبيب سويد ، أعتقته امرأة مولاة لبني حسان بن عامر بن لؤي القرشي ، وأم يزيد مولاة لنجيب . وأبو الخير - ضد الشر - اسمه مرثد - بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة وبالدال المهملة - ابن عبد الله اليزني المصري ، وعقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه . والحديث أخرجه مسلم في الاستئذان عن قتيبة وغيره ، وأخرجه الترمذي في النكاح عن قتيبة به ، وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن قتيبة - فهؤلاء الأربعة اشتركوا في إخراجه عن قتيبة ، ومسلم أخرجه عن غيره أيضا . قوله ( عن قتيبة ) ، وفي رواية أبي نعيم سمعت عقبة . قوله ( إياكم والدخول ) بالنصب على التحذير ، و ( إياكم ) مفعول بفعل مضمر تقديره : اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء . ويتضمن منع مجرد الدخول منع الخلوة بها بالطريق الأولى . قوله ( أفرأيت الحمو ؟ ) بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وبالواو ؛ يعني : أخبرني عن دخول الحمو ! فأجاب صلى الله عليه وسلم : الحمو الموت . وقال الترمذي : يقال الحمو أب الزوج ، كأنه كره له أن يخلو بها . وفي رواية ابن وهب عند مسلم : سمعت الليث يقول : الحمو أخو الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج ؛ ابن العم ونحوه . وقال النووي : المراد من الحمو في الحديث أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه ؛ لأنهم محارم للزوجة يجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت . قال : وإنما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابن العم وابن الأخت ونحوهم ممن يحل لها تزويجه لو لم تكن متزوجة ، وجرت العادة بالتساهل فيه فيخلو الأخ بامرأة أخيه فشبهه بالموت . وقال القاضي : الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الهلاك في الدين . وقيل : معناه احذروا الحمو كما يحذر الموت ، فهذا في أب الزوج ! فكيف في غيره ؟ وقال ابن الأعرابي : هي كلمة تقولها العرب كما يقال الأسد الموت ؛ أي لقاؤه مثل الموت ، وكما يقال السلطان نار . ويقال : معناه فليمت ولا يفعل ذلك . وقال القرطبي : معناه أنه يفضي إلى موت الدين أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج أو برجمها إن زنت معه . وفي مجمع الغرائب : يحتمل أن يراد بالحديث أن المرأة إذا خلت فهي محل الآفة ، فلا يؤمن عليها أحد ، فليكن حموها الموت أي لا يجوز أن يدخل عليها أحد إلا الموت ، كما قال الآخر : والقبر صهر ضامن . وهذا متجه لائق بكمال الغيرة والحمية ، والحمو مفرد الأحماء ، قال الأصمعي : الأحماء من قبل الزوج والأختان من قبل المرأة ، والأصهار يجمع الفريقين . وفي الإفصاح لابن بزي عن الأصمعي : الأحماء من قبل المرأة . وقال القرطبي : جاء الحمو هنا مهموزا ، والمهموز أحد لغاته ، ويقال فيه حمو بواو مضمومة متحركة كدلو ، وحمى مقصور كعصا . قال : والأشهر فيه أنه من الأسماء الستة المعتلة المضافة التي تعرب في حال إضافتها إلى غير ياء المتكلم بالواو رفعا وبالألف نصبا وبالياء خفضا ، ويكون على قول الأصمعي إنه مهموز مثل كَمْء ، وإعرابه بالحركات كسائر الأسماء الصحيحة ، ومن قصره لا يدخله سوى التنوين في الرفع والنصب والجر إذا لم يضف ، وحكى عياض : هذا حمؤك - بإسكان الميم وهمزة مرفوعة ، وحم كأب .