32 - بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمُهُ 43 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ هِشَامٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ ، قَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَتْ : فُلَانَةُ - تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا - قَالَ : مَهْ ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا . وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ أَحَبِّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ ) مُرَادُ الْمُصَنِّفِ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَعْمَالِ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدِّينِ هُنَا الْعَمَلُ ، وَالدِّينُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْإِسْلَامُ ، وَالْإِسْلَامُ الْحَقِيقِيُّ مُرَادِفٌ لِلْإِيمَانِ ، فَيَصِحُّ بِهَذَا مَقْصُودُهُ . وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ : عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ لِأَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَحْسُنُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ جِهَادَ النَّفْسِ فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِّ الْمُغَالَبَةِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ الدِّينُ يُسْرٌ وَفِي هَذَا مَا لَيْسَ فِي ذَاكَ عَلَى مَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ مَنْ هَذِهِ ) لِلْأَصِيلِيِّ قَالَ مَنْ هَذِهِ بِغَيْرِ فَاءٍ ، وَيُوَجَّهُ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ ، كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ : مَاذَا قَالَ حِينَ دَخَلَ ؟ قَالَتْ : قَالَ مَنْ هَذِهِ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ فُلَانَةُ ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ كِنَايَةٌ عَنْ كُلِّ عَلَمٍ مُؤَنَّثٍ فَلَا يَنْصَرِفُ ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَسَنَةُ الْهَيْئَةِ . قَوْلُهُ : ( تَذْكُرُ ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ ، وَالْفَاعِلُ عَائِشَةُ . وَرُوِيَ بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، أَيْ : يَذْكُرُونَ أَنَّ صَلَاتَهَا كَثِيرَةٌ . وَلِأَحْمَدَ ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ لَا تَنَامُ ، تُصَلِّي وَلِلْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ مُعَلَّقًا عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الْمُوَطَّأِ لِلْقَعْنَبِيِّ وَحْدَهُ فِي آخِرِهِ لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا مِنْ بَنِي أَسَدٍ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا الْحَوْلَاءُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ وَهُوَ اسْمُهَا بِنْتُ تُوَيْتٍ بِمُثَنَّاتَيْنِ مُصَغَّرًا ابْنِ حَبِيبٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ابْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مِنْ رَهْطِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَفِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ وَهَذَا يُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ فِي أَنَّهَا نُقِلَتْ عَنْ غَيْرِهَا . فَإِنْ قِيلَ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ هِشَامٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ عِنْدَهَا ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْحَوْلَاءَ مَرَّتْ بِهَا فَظَاهِرُهُ التَّغَايُرُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمَارَّةُ امْرَأَةً غَيْرَهَا مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَيْضًا أَوْ أَنَّ قِصَّتَهَا تَعَدَّدَتْ . وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظُهُ مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ لَهُ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ أَوَّلًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَمَّا دَخَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَائِشَةَ قَامَتِ الْمَرْأَةُ كَمَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ الْآتِيَةِ ، فَلَمَّا قَامَتْ لِتَخْرُجَ مَرَّتْ بِهِ فِي خِلَالِ ذَهَابِهَا فَسَأَلَ عَنْهَا ، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَعَلَّهَا أَمِنَتْ عَلَيْهَا الْفِتْنَةَ فَلِذَلِكَ مَدَحَتْهَا فِي وَجْهِهَا . قُلْتُ : لَكِنَّ رِوَايَةَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ ، أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ : كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ ، فَلَمَّا قَامَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ هَذِهِ يَا عَائِشَةُ ؟ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذِهِ فُلَانَةُ ، وَهِيَ أَعْبَدُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( مَهْ ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هِيَ كَلِمَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكُونِ ، وَهِيَ اسْمٌ سُمِّيَ بِهِ الْفِعْلُ ، وَالْمَعْنَى اكْفُفْ ، يُقَالُ مَهْمَهْتُهُ إِذَا زَجَرْتُهُ ، فَإِنْ وَصَلْتَ نَوَّنْتَ فَقُلْتَ مَهٍ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَا هَذَا كَالْإِنْكَارِ فَطَرَحُوا بَعْضَ اللَّفْظَةِ فَقَالُوا مَهْ فَصَيَّرُوا الْكَلِمَتَيْنِ كَلِمَةً ، وَهَذَا الزَّجْرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِعَائِشَةَ ، وَالْمُرَادُ نَهْيُهَا عَنْ مَدْحِ الْمَرْأَةِ بِمَا ذَكَرَتْ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ ، وَقَدْ أَخَذَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، فَقَالُوا : يُكْرَهُ صَلَاةُ جَمِيعِ اللَّيْلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ . قَوْلُهُ : ( عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ ) أَيِ : اشْتَغِلُوا مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا تَسْتَطِيعُونَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ ، فَمَنْطُوقُهُ يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا يُطَاقُ مِنَ الْعِبَادَةِ ، وَمَفْهُومُهُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ تَكَلُّفِ مَا لَا يُطَاقُ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَاصًّا بِصَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ . قُلْتُ : سَبَبُ وُرُودِهِ خَاصٌّ بِالصَّلَاةِ ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ . وَقَدْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ عَلَيْكُمْ مَعَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ النِّسَاءُ طَلَبًا لِتَعْمِيمِ الْحُكْمِ ، فَغُلِّبَتِ الذُّكُورُ عَلَى الْإِنَاثِ . قَوْلُهُ : ( فَوَاللَّهِ ) فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ . وَقَدْ يُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ فِي تَفْخِيمِ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أَوْ حَثٍّ عَلَيْهِ أَوْ تَنْفِيرٍ مِنْ مَحْذُورٍ . قَوْلُهُ : ( لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا ) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَالْمَلَالُ اسْتِثْقَالُ الشَّيْءِ وَنُفُورُ النَّفْسِ عَنْهُ بَعْدَ مَحَبَّتِهِ ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاتِّفَاقٍ . قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ : إِنَّمَا أُطْلِقَ هَذَا عَلَى جِهَةِ الْمُقَابَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ مَجَازًا كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وَأَنْظَارُهُ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَجْهُ مَجَازِهِ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يَقْطَعُ ثَوَابَهُ عَمَّنْ يَقْطَعُ الْعَمَلَ مَلَالًا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْمَلَالِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يَقْطَعُ عَنْكُمْ فَضْلَهُ حَتَّى تَمَلُّوا سُؤَالَهُ فَتَزْهَدُوا فِي الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَاهُ لَا يَتَنَاهَى حَقُّهُ عَلَيْكُمْ فِي الطَّاعَةِ حَتَّى يَتَنَاهَى جُهْدُكُمْ ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَتَّى عَلَى بَابِهَا فِي انْتِهَاءِ الْغَايَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَفْهُومِ . وَجَنَحَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَأْوِيلِهَا فَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يَمَلُّ اللَّهُ إِذَا مَلَلْتُمْ ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَقُولُونَ : لَا أَفْعَلُ كَذَا حَتَّى يَبْيَضَّ الْقَارُ أَوْ حَتَّى يَشِيبَ الْغُرَابُ . وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الْبَلِيغِ : لَا يَنْقَطِعُ حَتَّى يَنْقَطِعَ خُصُومُهُ ; لِأَنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ حِينَ يَنْقَطِعُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ مَزِيَّةٌ . وَهَذَا الْمِثَالُ أَشْبَهُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ شَيْبَ الْغُرَابِ لَيْسَ مُمْكِنًا عَادَةً ، بِخِلَافِ الْمَلَلِ مِنَ الْعَابِدِ . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : قِيلَ إِنَّ حَتَّى هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لَا يَمَلُّ وَتَمَلُّونَ ، فَنَفَى عَنْهُ الْمَلَلَ وَأَثْبَتَهُ لَهُمْ . قَالَ : وَقِيلَ حَتَّى بِمَعْنَى حِينَ . وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ وَأَجْرَى عَلَى الْقَوَاعِدِ ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ الْعَمَلِ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ : هَذَا مِنَ أَلْفَاظِ التَّعَارُفِ الَّتِي لَا يَتَهَيَّأُ لِلْمُخَاطَبِ أَنْ يَعْرِفَ الْقَصْدَ مِمَّا يُخَاطَبُ بِهِ إِلَّا بِهَا ، وَهَذَا رَأْيُهُ فِي جَمِيعِ الْمُتَشَابِهِ . قَوْلُهُ : ( أَحَبُّ ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : مَعْنَى الْمَحَبَّةِ مِنَ اللَّهِ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ بِالثَّوَابِ أَيْ : أَكْثَرُ الْأَعْمَالِ ثَوَابًا أَدْوَمُهَا . قَوْلُهُ : ( إِلَيْهِ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ إِلَى اللَّهِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدَةَ ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ ، وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ ، وَلِمُسْلِمٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِتَرْجَمَةِ الْبَابِ ، وَقَالَ بَاقِي الرُّوَاةُ عَنْ هِشَامٍ : وَكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ أَيْ : إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّقَاقِ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَلَيْسَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ تَخَالُفٌ ; لِأَنَّ مَا كَانَ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : بِدَوَامِ الْقَلِيلِ تَسْتَمِرُّ الطَّاعَةُ بِالذِّكْرِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ الشَّاقِّ حَتَّى يَنْمُوَ الْقَلِيلُ الدَّائِمُ بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى الْكَثِيرِ الْمُنْقَطِعِ أَضْعَافًا كَثِيرَةً . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : إِنَّمَا أَحَبَّ الدَّائِمَ لِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ التَّارِكَ لِلْعَمَلِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ كَالْمُعْرِضِ بَعْدَ الْوَصْلِ ، فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِلذَّمِّ ، وَلِهَذَا وَرَدَ الْوَعِيدُ فِي حَقِّ مَنْ حَفِظَ آيَةً ثُمَّ نَسِيَهَا وَإِنْ كَانَ قَبْلَ حِفْظِهَا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ . ثَانِيهُمَا : أَنَّ مُدَاوِمَ الْخَيْرِ مُلَازِمٌ لِلْخِدْمَةِ ، وَلَيْسَ مَنْ لَازَمَ الْبَابَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَقْتًا مَا كَمَنْ لَازَمَ يَوْمًا كَامِلًا ثُمَّ انْقَطَعَ . وَزَادَ الْمُصَنِّفُ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَدْوَمُهُ · ص 124 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب أحب الدين إلى الله أدومه · ص 149 فصل خرج البخاري ومسلم : 43 - من حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها امرأة ، فقال : من هذه فقالت : فلانة ، تذكر من صلاتها . فقال : مه ، عليكم بما تطيقون ، فوالله لا يمل الله حتى تملوا . وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه . وقد ورد في رواية أخرى مخرجة في غير هذا الموضع أن هذه المرأة اسمها الحولاء بنت تويت ، وأن عائشة قالت عنها : زعموا أنها لا تنام الليل . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : مه - زجر لعائشة عن قولها عن هذه المرأة في كثرة صلاتها وأنها لا تنام الليل ، وأمر لها بالكف عما قالته في حقها ؛ فيحتمل أن ذلك كراهية للمدح في وجهها ؛ حيث كانت المرأة حاضرة . ويحتمل ، وهو الأظهر ، وعليه يدل سياق الحديث - أن النهي إنما لمدحها بعمل ليس بممدوح في الشرع . وعلى هذا فكثيرا ما يذكر في مناقب العباد من الاجتهاد المخالف للشرع ، ينهى عن ذكره على وجه التمدح به ، والثناء به على فاعله . وقد سبق شرح هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم : الدين يسر . فإن المراد بهذا الحديث الاقتصاد في العمل ، والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه ، وأن أحب العمل إلى الله ما دام صاحبه عليه وإن قل . وقد روي ذلك في حديث آخر . وكذلك كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ، كان عمله ديمة ، وكان إذا عمل عملا أثبته . وقد كان ينهى عن قطع العمل وتركه كما قال لعبد الله بن عمرو لا تكن مثل فلان ؛ كان يقوم الليل ، فترك قيام الليل . وقوله : إن الله لا يمل حتى تملوا . وفي رواية : لا يسأم حتى تسأموا . الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه ، فإذا سأم العبد من العمل ومله قطعه وتركه ، فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل ؛ فإن العبد إنما يجازى بعمله . فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم ، كما قال الحسن : إن دور الجنة تبنيها الملائكة بالذكر ، فإذا فتر العبد انقطع الملك عن البناء ، فتقول له الملائكة : ما شأنك يا فلان ؟ فيقول : إن صاحبي فتر ! قال الحسن : أمدوهم - رحمكم الله - بالنفقة . وأيضا فإن دوام العمل وإيصاله ربما حصل للعبد به في عمله الماضي ما لا يحصل له فيه عند قطعه ؛ فإن الله يحب مواصلة العمل ومداومته ، ويجزي على دوامه ما لا يجزي على المنقطع منه . وقد صح هذا المعنى في الدعاء ، وأن العبد يستجاب له ما لم يعجل ، فيقول : قد دعوت فلم يستجب لي ! فيدع الدعاء . فدل هذا على أن العبد إذا أدام الدعاء وألح فيه أجيب ، وإن قطعه واستحسر منع إجابته . وسمى هذا المنع من الله مللا وسآمة مقابلة للعبد على ملله وسآمته ، كما قال تعالى : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ فسمي إهمالهم وتركهم نسيانا مقابلة لنسيانهم له ، هذا أظهر ما قيل في هذا . ويشهد له أنه قد روي من حديث عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : اكلفوا من العمل ما تطيقون ؛ فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل . خرجه بقي بن مخلد ، وفي إسناده موسى بن عبيدة . وقد قيل : إن حتى هاهنا بمعنى واو العطف ، ولكن لا يصح دعوى كون حتى عاطفة ؛ لأنها إنما تعطف المفردات لا الجمل ، هذا هو المعروف عند النحويين ، وخالف فيه بعضهم . وقيل : إن حتى فيه بمعنى حين ، وهذا غير معروف . وزعم ابن قتيبة أن المعنى لا يمل إذا مللتم ، وزعم أن هذا الاستعمال معروف في كلام العرب . وقد يقال : إن حتى بمعنى لام التعليل ، وإن المراد : إن الله لا يمل لكي تملوا أنتم من العمل . وفيه بعد أيضا . ولو كان كذلك لقال : حتى لا تملوا ، ويكون التعليل حينئذ لإعلامهم بأن الله لا يمل من العطاء ، فيكون إخبارهم بذلك مقتضيا لمداومتهم على العمل وعدم مللهم وسآمتهم . وقد يقال : إنما يدل هذا الكلام على نسبة الملل والسآمة إلى الله بطريق مفهوم الغاية . ومن يقول : إنه لا مفهوم لها - فإنه يمنع من دلالة الكلام على ذلك بالكلية . ومن يقول بالمفهوم فإنه يقول : متى دل الدليل على انتقائه لم يكن مرادا من الكلام ، وقد دلت الأدلة على انتفاء النقائص والعيوب عن الله تعالى ، ومن جملة ذلك لحوق السآمة والملل له . ولكن بعض أصحابنا ذكر أن دلالة مفهوم الغاية كالمنطوق ، بمعنى أنه لا يجوز أن يكون ما بعد الغاية موافقا لما قبلها بمفهوم الموافقة أو غيره . فعلى قوله يتعين في هذا الحديث أحد الأجوبة المتقدمة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب أحب الدين إلى الله أدومه · ص 255 ( باب أحب الدين إلى الله أدومه ) الكلام فيه من وجوه : الأول : قوله " باب " خبر مبتدأ محذوف غير منون إن اعتبرت إضافته إلى الجملة ، وقوله " أحب الدين " كلام إضافي مبتدأ وخبره قوله " أدومه " . الثاني : وجه المناسبة بين البابين أن المذكور في الباب الأول حسن إسلام المرء وهو الامتثال بالأوامر والانتهاء عن النواهي والشفقة على خلق الله تعالى ، والمطلوب في هذا المداومة والمواظبة ، وكلما واظب العبد عليه وداوم زاد من الله محبة لأن الله تعالى يحب مداومة العبد على العمل الصالح ، وقال الكرماني : أحب الدين أي أحب العلم إذ الدين هو الطاعة ومناسبته لكتاب الإيمان من جهة أن الدين والإيمان والإسلام واحد . قلت : العجب منه كيف رضي بهذا الكلام ، فالمناسبة لا تطلب إلا بين البابين المتواليين ولا تطلب بين بابين أو بين كتاب وباب بينهما أبواب عديدة ، وكذلك دعواه باتحاد الدين والإيمان والإسلام ، والفرق بينها ظاهر ، وقد حققناه فيما مضى ، وقال بعضهم : مراد المصنف الاستدلال على أن الإيمان يطلق على الأعمال لأن المراد بالدين هنا العمل ، والدين الحقيقي هو الإسلام ، والإسلام الحقيقي مرادف للإيمان فيصح بهذا مقصوده ومناسبته لما قبله من قوله " عليكم بما تطيقون لأنه لما قدم " أن الإسلام يحسن بالأعمال الصالحة أراد أن ينبه على أن جهاد النفس في ذلك إلى حد المغالبة غير المطلوب . قلت : فيه نظر من وجوه . الأول : إن قوله مراد المصنف الاستدلال على أن الإيمان يطلق على الأعمال غير صحيح ؛ لأن الحديث ليس فيه ما يدل على هذا ، والاستدلال بالترجمة ليس باستدلال يقوم به المدعي . فإن قلت : في الحديث ما يدل عليه وهو قوله " أحب الدين إليه " ، فإن المراد ههنا من الدين العمل ، وقد أطلق عليه الدين . قلت : هذا إنما يمشي إذا أطلق الدين المعهود المصطلح على العمل وليس كذلك ، فإن المراد بالدين ههنا الطاعة بالوضع الأصلي ، فإن لفظ الدين مشترك بين معاني كثيرة مختلفة ؛ الدين بمعنى العبادة ، وبمعنى الجزاء ، وبمعنى الطاعة ، وبمعنى الحساب ، وبمعنى السلطان ، وبمعنى الملة ، وبمعنى الورع ، وبمعنى القهر ، وبمعنى الحال ، وبمعنى ما يتدين به الرجل ، وبمعنى العبودية ، وبمعنى الإسلام ، وفي ( المحكم ) : الدين الإسلام . الثاني أنه قال : الإسلام الحقيقي مرادف للإيمان يعني كلاهما واحد ، وقال : إن الإيمان يطلق على الأعمال يشير به إلى أن الأعمال من الإيمان ، ثم قال : إن الإسلام يحسن بالأعمال الصالحة ، فكلامه يشير إلى أن الأعمال ليست من الإيمان لأن الحسن من الأوصاف الزائدة على الذات ، وهي غير الذات ، فينتج من كلامه أن الإسلام يحسن بالإسلام ، وهذا فاسد . الثالث : قوله " فيصح بهذا مقصوده ومناسبته لما قبله " غير مستقيم ؛ لأنه لا يظهر وجه المناسبة لما قبله مما قاله أصلا ، وكيف يوجد وجه المناسبة من قوله " عليكم بما تطيقون " والترجمة ليست عليه ، وإنما وجه المناسبة لما قبله ما ذكرته لك آنفا ، فافهم ، الوجه الثالث : قوله " أحب الدين " أحب ههنا أفعل لتفضيل المفعول ومحبة الله تعالى للدين إرادة إيصال الثواب عليه ؛ قوله " أدومه " هو أفعل من الدوام وهو شمول جميع الأزمنة أي التأبيد ، فإن قيل شمول الأزمنة لا يقبل التفضيل فما معنى الأدوم ؟ أجيب بأن المراد بالدوام هو الدوام العرفي وذلك قابل للكثرة والقلة ، فافهم . 1 - ( حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا يحيى عن هشام قال : أخبرني أبي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة ، قال : من هذه ؟ قالت : فلانة تذكر من صلاتها ، قال : مه ، عليكم بما تطيقون ، فوالله لا يمل الله حتى تملوا ، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة وهي قوله " وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه " غير أنه غير لفظ ما داوم عليه ، ولكنه في المعنى مثله ؛ ولهذا قال في الترجمة إلى الله بدل إليه ، وهي رواية المستملي وحده ، وكذا في رواية عبدة عن هشام ، وعند إسحاق بن راهويه في مسنده ، وكذا للبخاري ومسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها ، وهذه الروايات توافق الترجمة ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : أبو موسى محمد بن المثنى البصري المعروف بالزمن ، وقد مر في باب حلاوة الإيمان . الثاني : يحيى بن سعيد القطان الأحول ، وقد مر في باب من الإيمان أن يحب لأخيه . الثالث : هشام بن عروة . الرابع : أبوه عروة بن الزبير بن العوام ، وقد مر ذكرهما في الحديث الثاني من الصحيح . الخامس : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها ، وقد مر ذكرها أيضا غير مرة . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في كتاب الصلاة ، وقال فيه : ( كانت عندي امرأة من بني أسد ) ، وسماها مسلم لكن قال فيه : ( إن الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرت بها ، وعندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : هذه الحولاء بنت تويت ، وزعموا أنها لا تنام الليل ، فقال عليه الصلاة والسلام : خذوا من العمل ما تطيقون ، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا ) ، وذكره مالك في الموطأ وفيه : ( فقيل له هذه الحولاء لا تنام الليل فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرفت الكراهية في وجهه ) ، وذكره مسلم من رواية الزهري عن عروة ثم ذكر حديث هشام عن أبيه عروة كما أورده البخاري هنا ، وفي الصلاة وفيه : ( أنه عليه السلام دخل عليها ، وعندها امرأة ) ، وأخرجه النسائي في الإيمان والصلاة عن شعيب بن يوسف النسائي عن يحيى بن سعيد به ، فإن قلت : قوله " وعندها امرأة " هي الحولاء أو غيرها . قلت : يحتمل أن تكون هذه واقعة أخرى إحداهما أنها مرت بها والأخرى كانت عندها ، ويحتمل أن تكون غيرها لكن قول البخاري ، وعندي امرأة من بني أسد يدل على أنها الحولاء بنت تويت ، ولكن الظاهر أن القصة واحدة دلت عليها رواية محمد بن إسحاق عن هشام في هذا الحديث : ( مرت برسول الله عليه السلام الحولاء ) ، أخرجه محمد بن نصر في كتاب ( قيام الليل ) . وجه التوفيق أن يحمل على أنها كانت أولا عند عائشة رضي الله عنها فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم قامت المرأة لتخرج فمرت به في خلال ذهابها فسأل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبهذا اتفقت الروايات ، والحولاء بالحاء المهملة تأنيث الأحول و " تويت " بضم التاء المثناة من فوق وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره تاء مثناة من فوق أيضا وكانت الحولاء امرأة صالحة عابدة مهاجرة رضي الله عنها . ( بيان اللغات ) ؛ قوله " فلانة " أي الحولاء الأسدية وهي غير منصرفة لأن حكمها حكم أعلام الحقائق كأسامة لأنها كناية عن كل علم مؤنث للأناس المؤنثة ، ففيها العلمية والتأنيث ؛ قوله " مه " بفتح الميم وسكون الهاء ، وهي اسم سمي به الفعل وبنيت على السكون ومعناه اكفف ، فإن وصلت نونته فقلت " مه مه " ، ويقال مهمهت به أي زجرته ، وقال التيمي : إذا دخله التنوين كان نكرة وإذا حذف كان معرفة ، وهذا القسم من أقسام التنوين الذي يختص بالدخول على النكرة ليفصل بينها وبين المعرفة ، فالمعرفة غير منون والنكرة منون ؛ قوله " عليكم " أيضا من أسماء الأفعال أي الزموا من الأعمال ما تطيقون الدوام عليه ؛ قوله " لا يمل الله " من الملالة وهي السآمة والضجر ، وفي ( الفصيح ) في باب فعلت : مللت من الشي أمل ، وفي ( المحكم ) : مللت الشيء مللا وملالا وملالة وأملني وأمل علي أبرمني ، ورجل ملول وملالة وملولة وذو ملة ، والأنثى ملول وملولة ، وملول على المبالغة ، وفي ( الجامع ) فأنت مال ؛ قوله " أحب الدين " أي أحب الطاعة ، ومنه في الحديث في صفة الخوارج : ( يمرقون من الدين ) أي من طاعة الأئمة ، ويجوز أن يكون فيه حذف تقديره أحب أعمال الدين ، وقال التيمي : فإن قلت : المراد بيمرقون من الدين من الإيمان لأنه ورد في رواية أخرى : ( يمرقون من الإسلام ) ، قلت : الخوارج غير خارجين من الدائرة بالاتفاق فيحمل الإسلام على الاستسلام الذي هو الانقياد والطاعة ؛ قوله " داوم " من المداومة وهي المواظبة ، قال الجوهري : المداومة على الأمر المواظبة عليه ، وثلاثيه " دام " الشيء يدوم ويدام دوما ودواما وديمومة ، وأدامه غيره ، ودام الشيء سكن . ( بيان الإعراب ) ؛ قوله " دخل عليها " جملة في محل الرفع على أنها خبر أن ؛ قوله " وعندها امرأة " جملة اسمية وقعت حالا ؛ قوله " قال " هكذا بغير فاء رواية الأصيلي ، وفي رواية غيره " فقال " بالفاء العاطفة ، ووجه الأول أن تكون جملة استثنائية أعني جواب سؤال مقدر ، فكأن قائلا يقول : ماذا قال حين دخل ؟ قالت : قال : من هذه ، فقوله من مبتدأ وهذه خبره ، والجملة مقول القول ، قوله : "قالت" أي عائشة فعل وفاعل ، قوله : "فلانة" مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف أي هي فلانة أي الحولاء الأسدية ، "تذكر" بفتح التاء المثناة من فوق فعل مضارع للمؤنث ، وفاعله عائشة رضي الله عنها ، ويروى : "يذكر" بالياء آخر الحروف المضمومة على فعل ما لم يسم فاعله ، وقوله : "من صلاتها" في محل الرفع مفعول ناب عن الفاعل والمعنى : يذكرون أن صلاتها كثيرة ، وفي رواية أحمد عن يحيى القطان : "لا تنام تصلي" وعلى الوجه الأول هي في محل النصب على المفعولية ، قوله : "مه" مقول القول ، قوله : "بما تطيقون" ، وفي رواية : "ما تطيقون" بغير الباء ومعناه : ما تطيقون الدوام عليه وإنما قدرنا دوام الفعل لا أصل الفعل لدلالة السياق عليه ، قوله : "فوالله" مجرور بواو القسم ، قوله : "لا يمل الله" فعل وفاعل ، قوله : "حتى تملوا" أي حتى أن تملوا فأن مقدرة ولهذا نصبت تملوا ، قوله : "أحب الدين" كلام إضافي مرفوع لأنه اسم كان ، قوله : "إليه" أي إلى الله ، قوله : "ما داوم عليه صاحبه" في محل النصب لأنه خبر كان وصاحبه مرفوع بداوم ، أو كلمة "ما" للمدة والتقدير : مدة دوام صاحبه عليه . "بيان المعاني" قوله : "مه" زجر كما ذكرنا ولكن يحتمل أن يكون لعائشة والمراد نهيها عن مدح المرأة ويحتمل أن يكون المراد النهي عن تكلف عمل لا يطاق به ، ولهذا قال بعده : "عليكم من العمل ما تطيقون" ، وقال ابن التين : لعل عائشة أمنت عليها الفتنة ، فلذلك مدحتها في وجهها ، قلت : جاء في رواية حماد بن سلمة عن هشام في هذا الحديث ما يدل على أنها إنما ذكرت ذلك بعد أن خرجت المرأة أخرجها الحسن بن سفيان في مسنده من طريقه ولفظه : "كانت عندي امرأة فلما قامت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من هذه يا عائشة ؟ قلت : يا رسول الله ، هذه فلانة ، وهي أعبد أهل المدينة" ، قوله : "من العمل" يحتمل أن يريد به صلاة الليل لوروده على سببه ، ويحتمل أن يحمل على جميع الأعمال قاله الباجي ، قوله : "بما تطيقون" قال القاضي : يحتمل الندب إلى تكلف ما لنا به طاقة ، ويحتمل النهي عن تكلف ما لا نطيق والأمر بالاقتصار على ما نطيق قال : وهو أنسب للسياق ، قوله : "عليكم من العمل بما تطيقون" فيه عدول عن خطاب النساء إلى خطاب الرجال وكان الخطاب للنساء فيقتضي أن يقال : عليكن ، ولكن لما طلب تعميم الحكم لجميع الأمة غلب الذكور على الإناث في الذكر ، قوله : "فوالله لا يمل الله حتى تملوا" فيه المشاكلة والازدواج وهو أن يكون إحدى اللفظتين موافقة للأخرى وإن خالفت معناها كما قال تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ معناه : فجازوه على اعتدائه ، فسماه اعتداء ، وهو عدل لتزدوج اللفظة الثانية مع الأولى ، ومنه قوله تعالى : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وقال الشاعر وهو عمرو بن كلثوم : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا أراد : فنجازيه على فعله ، فسماه جهلا ، والجهل لا يفخر به ذو عقل ، ولكنه على الوجه الذي ذكرناه ، والحاصل أن الملال ، لا يجوز على الله تعالى ولا يدخل تحت صفاته لأنه ترك الشيء استثقالا وكراهية له بعد حرص ومحبة فيه ، وهو من صفات المخلوق فلا بد من تأويل ، واختلف العلماء فيه فقال الخطابي : معناه أنه لا يترك الثواب على العمل ما لم يذكر العمل وذلك أن من مل شيئا تركه ، فكنى عن الترك بالملال الذي هو سبب الترك ، وقال ابن قتيبة : معناه أنه لا يمل إذا مللتم ، قال : ومثاله قولهم في البليغ : فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه معناه : لا ينقطع إذا انقطعت خصومه ، ولو كان لم يكن له فضل على غيره ، وقال بعضهم : ومعناه أن الله لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم قبل ذلك فلا تكلفوا ما لا تطيقون من العمل ، كنى بالملال عنه لأن من تناهت قوته عن أمر وعجز عن فعله مله وتركه ، وقال التيمي : معناه أن الله لا يمل أبدا مللتم أنتم أو لم تملوا نحو قولهم : لا أكلمك حتى يشيب الغراب ، ولا يصح التشبيه لأن شيب الغراب ليس ممكنا عادة بخلاف ملل العباد ، وحكى الماوردي أن حتى هاهنا بمعنى حين أو بمعنى الواو ، وهذا ضعيف جدا . "بيان استنباط الأحكام" الأول : فيه دلالة على استعمال المجاز وهو إطلاق الملل على الله تعالى ، الثاني : فيه جواز الحلف من غير استحلاف ، وأنه لا كراهة فيه إذا كان فيه تفخيم أمر أو حث على طاعة أو تنفير عن محذور ونحوه ، وقال أصحاب الشافعي : يكره اليمين إلا في مواضع منها ما ذكرنا ، ومنها إذا كانت في دعوى فلا تكره إذا كان صادقا ، الثالث : فيه فضيلة الدوام على العمل والحث على العمل الذي يدوم ، والعمل القليل الدائم خير من الكثير المنقطع لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص ، والإقبال على الله سبحانه وتعالى ، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة ، الرابع : فيه بيان شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ورأفته بأمته لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة لأن النفس تكون فيه أنشط ، ويحصل منه مقصود الأعمال وهو الحضور فيها والدوام عليها بخلاف ما يشق عليه ، فإنه تعرض لأن يترك كله أو بعضه أو يفعله بكلفة ، فيفوته الخير العظيم ، وقال أبو الزناد والمهلب : إنما قاله عليه السلام خشية الملال اللاحق ، وقد ذم الله من التزم فعل البر ثم قطعه بقوله : وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ألا ترى أن عبد الله بن عمرو ندم على مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف عنه لما ضعف ومع ذلك لم يقطع الذي التزمه ، الخامس : فيه دليل للجمهور على أن صلاة جميع الليل مكروهة ، وعن جماعة من السلف : لا بأس به ، قال النووي ، وقال القاضي : كرهه مالك مرة ، وقال : لعله يصح مغلوبا ، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ثم قال : لا بأس به ما لم يضر ذلك بصلاة الصبح ، وإن كان يأتيه الصبح وهو نائم فلا ، وإن كان به فتور وكسل فلا بأس به .