حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب أحب الدين إلى الله أدومه

من حديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها امرأة ، فقال : من هذه فقالت : فلانة ، تذكر من صلاتها . فقال : مه ، عليكم بما تطيقون ، فوالله لا يمل الله حتى تملوا . وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه .

وقد ورد في رواية أخرى مخرجة في غير هذا الموضع أن هذه المرأة اسمها الحولاء بنت تويت ، وأن عائشة قالت عنها : زعموا أنها لا تنام الليل . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : مه - زجر لعائشة عن قولها عن هذه المرأة في كثرة صلاتها وأنها لا تنام الليل ، وأمر لها بالكف عما قالته في حقها ؛ فيحتمل أن ذلك كراهية للمدح في وجهها ؛ حيث كانت المرأة حاضرة . ويحتمل ، وهو الأظهر ، وعليه يدل سياق الحديث - أن النهي إنما لمدحها بعمل ليس بممدوح في الشرع .

وعلى هذا فكثيرا ما يذكر في مناقب العباد من الاجتهاد المخالف للشرع ، ينهى عن ذكره على وجه التمدح به ، والثناء به على فاعله . وقد سبق شرح هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم : الدين يسر . فإن المراد بهذا الحديث الاقتصاد في العمل ، والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه ، وأن أحب العمل إلى الله ما دام صاحبه عليه وإن قل .

وقد روي ذلك في حديث آخر . وكذلك كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ، كان عمله ديمة ، وكان إذا عمل عملا أثبته . وقد كان ينهى عن قطع العمل وتركه كما قال لعبد الله بن عمرو لا تكن مثل فلان ؛ كان يقوم الليل ، فترك قيام الليل .

وقوله : إن الله لا يمل حتى تملوا . وفي رواية : لا يسأم حتى تسأموا . الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه ، فإذا سأم العبد من العمل ومله قطعه وتركه ، فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل ؛ فإن العبد إنما يجازى بعمله .

فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم ، كما قال الحسن : إن دور الجنة تبنيها الملائكة بالذكر ، فإذا فتر العبد انقطع الملك عن البناء ، فتقول له الملائكة : ما شأنك يا فلان ؟ فيقول : إن صاحبي فتر ! قال الحسن : أمدوهم - رحمكم الله - بالنفقة . وأيضا فإن دوام العمل وإيصاله ربما حصل للعبد به في عمله الماضي ما لا يحصل له فيه عند قطعه ؛ فإن الله يحب مواصلة العمل ومداومته ، ويجزي على دوامه ما لا يجزي على المنقطع منه . وقد صح هذا المعنى في الدعاء ، وأن العبد يستجاب له ما لم يعجل ، فيقول : قد دعوت فلم يستجب لي ! فيدع الدعاء .

فدل هذا على أن العبد إذا أدام الدعاء وألح فيه أجيب ، وإن قطعه واستحسر منع إجابته . وسمى هذا المنع من الله مللا وسآمة مقابلة للعبد على ملله وسآمته ، كما قال تعالى : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ فسمي إهمالهم وتركهم نسيانا مقابلة لنسيانهم له ، هذا أظهر ما قيل في هذا . ويشهد له أنه قد روي من حديث عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : اكلفوا من العمل ما تطيقون ؛ فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل .

خرجه بقي بن مخلد ، وفي إسناده موسى بن عبيدة . وقد قيل : إن حتى هاهنا بمعنى واو العطف ، ولكن لا يصح دعوى كون حتى عاطفة ؛ لأنها إنما تعطف المفردات لا الجمل ، هذا هو المعروف عند النحويين ، وخالف فيه بعضهم . وقيل : إن حتى فيه بمعنى حين ، وهذا غير معروف .

وزعم ابن قتيبة أن المعنى لا يمل إذا مللتم ، وزعم أن هذا الاستعمال معروف في كلام العرب . وقد يقال : إن حتى بمعنى لام التعليل ، وإن المراد : إن الله لا يمل لكي تملوا أنتم من العمل . وفيه بعد أيضا .

ولو كان كذلك لقال : حتى لا تملوا ، ويكون التعليل حينئذ لإعلامهم بأن الله لا يمل من العطاء ، فيكون إخبارهم بذلك مقتضيا لمداومتهم على العمل وعدم مللهم وسآمتهم . وقد يقال : إنما يدل هذا الكلام على نسبة الملل والسآمة إلى الله بطريق مفهوم الغاية . ومن يقول : إنه لا مفهوم لها - فإنه يمنع من دلالة الكلام على ذلك بالكلية .

ومن يقول بالمفهوم فإنه يقول : متى دل الدليل على انتقائه لم يكن مرادا من الكلام ، وقد دلت الأدلة على انتفاء النقائص والعيوب عن الله تعالى ، ومن جملة ذلك لحوق السآمة والملل له . ولكن بعض أصحابنا ذكر أن دلالة مفهوم الغاية كالمنطوق ، بمعنى أنه لا يجوز أن يكون ما بعد الغاية موافقا لما قبلها بمفهوم الموافقة أو غيره . فعلى قوله يتعين في هذا الحديث أحد الأجوبة المتقدمة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث