87- بَاب الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ وَصَلَّى ابْنُ عَوْنٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمْ الْبَابُ 477- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : صَلَاةُ الْجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ ، وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ ، وَتُصَلِّي - يَعْنِي عَلَيْهِ - الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ، مَا لَمْ يؤذ يُحْدِثْ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ ) وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ مَسَاجِدِ . مَوْقِعُ التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي أَنَّ الْأَسْوَاقَ شَرُّ الْبِقَاعِ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ خَيْرُ الْبِقَاعِ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَمْنَعْ وَضْعَ الْمَسْجِدِ فِي السُّوقِ ؛ لِأَنَّ بُقْعَةَ الْمَسْجِدِ حِينَئِذٍ تَكُونُ بُقْعَةَ خَيْرٍ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْمَسَاجِدِ فِي التَّرْجَمَةِ مَوَاضِعُ إِيقَاعِ الصَّلَاةِ لَا الْأَبْنِيَةُ الْمَوْضُوعَةُ لِذَلِكَ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : بَابُ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْأَسْوَاقِ ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ . قَوْلُهُ : ( وَصَلَّى ابْنُ عَوْنٍ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ ، وَصَحَّفَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ : وَجْهُ مُطَابَقَةِ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يُصَلِّ فِي سُوقٍ - أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ جَوَازَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ دَاخِلَ السُّوقِ لِئَلَّا يَتَخَيَّلَ مُتَخَيِّلٌ مِنْ كَوْنِهِ مَحْجُورًا مَنْعَ الصَّلَاةِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ ابْنِ عُمَرَ كَانْتْ فِي دَارٍ تُغْلَقُ عَلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَمْنَعِ التَّحْجِيرُ اتِّخَاذَ الْمَسْجِدِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَعَلَّ غَرَضَ الْبُخَارِيِّ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا بِامْتِنَاعِ اتِّخَاذِ الْمَسْجِدِ فِي الدَّارِ الْمَحْجُوبَةِ عَنِ النَّاسِ ا هـ . وَالَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ الْكَرَاهَةُ لَا التَّحْرِيمُ ، وَظَهَرَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي السُّوقِ مَشْرُوعَةٌ ، وَإِذَا جَازَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ فُرَادَى كَانَ أَوْلَى أَنْ يُتَّخَذَ فِيهِ مَسْجِدٌ لِلْجَمَاعَةِ ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ . وحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا أَخْرَجَهُ بَعْدُ فِي بَابِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَزَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : وَتُصَلِّي الْمَلَائِكَةُ . . . إِلَخْ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ الْحَدَثِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ( صَلَاةُ الْجَمِيعِ ) أَيِ : الْجَمَاعَةِ ، وَتَكَلَّفَ مَنْ قَالَ التَّقْدِيرُ فِي الْجَمِيعِ ، وَقَوْلُهُ : ( عَلَى صَلَاتِهِ ) أَيِ : الشَّخْصِ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ أَحَدَكُمْ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْفَاءِ ، وَلِلكُشْمِيهَنِيِّ بِالْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ سَبَبِيَّةٌ أَوْ لِلْمُصَاحَبَةِ . قَوْلُهُ : ( فَأَحْسِنْ ) أَيْ : أَسْبِغِ الْوُضُوءَ . قَوْلُهُ : ( مَا لَمْ يُؤْذِ يُحْدِثْ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْفِعْلِ الْمَجْزُومِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَيَجُوزُ بِالرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ، وَلِلكُشْمِيهَنِيِّ مَا لَمْ يُؤْذِ يُحْدِثُ فِيهِ بِلَفْظِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مُتَعَلِّقًا بِيُؤْذِ ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدَثِ النَّاقِضُ لِلْوُضُوءِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْأَوَّلِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ · ص 672 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاة في مسجد السوق · ص 580 87 - باب الصلاة في مسجد السوق وصلى ابن عون في مسجد في دار يغلق عليهم الباب قد سبق ذكر مساجد البيوت والصلاة فيها ، وما ذكره البخاري هناك أن البراء بن عازب صلى في مسجد بيته جماعة ، وذكرنا قول أحمد ، أنه لا يحصل بالصلاة فيها فضيلة الصلاة في المسجد ، إلا أن يكون يؤذن فيه ويقام ، كأنه يشير إلى أن يكون في حال الصلاة غير ممنوع ، وأن إسحاق قال : لا يحصل بالصلاة فيه جماعة فضل الجماعة في المسجد ، إلا أن يكون له عذر . وما حكاه البخاري هنا عن ابن عون ، ظاهره : يدل على حصول فضل الجماعة في المسجد بذلك ، وإن كان مغلقا ، وهو قياس قول من أجاز الاعتكاف فيه ، كما سبق ذكره ، ويحتمل أن يكون ابن عون لا يرى حضور المساجد في الجماعة واجبا ، أو أنه كان لهم عذر . والله أعلم . وأما مساجد الأسواق ، إذا كانت مسبلة ، فحكمها حكم سائر المساجد المسبلة . وقد كره طلحة اليامي الصلاة في مساجد السوق . خرجه حرب الكرماني من رواية ليث عنه . وكأنه يشير إلى أنه إنما يستحب الصلاة في المسجد الأعظم الذي يجمع فيه . وقد ورد التصريح بفضل الصلاة في مسجد الجامع على الصلاة في مساجد القبائل التي لا يجمع فيها . خرجه ابن ماجه : ثنا هشام بن عمار : ثنا أبو الخطاب الدمشقي : ثنا رزيق أبو عبد الله الألهاني ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاة الرجل في بيته بصلاة ، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة ، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة ، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة ، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة ، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة . رزيق الألهاني - بتقديم الراء على الزاي - قال أبو زرعة الرازي : لا بأس به . وذكره ابن حبان في ثقاته وذكره - أيضا في الضعفاء ، وقال : لا يحتج به . وأما أبو الخطاب الدمشقي ، فقيل : اسمه : حماد ، وقع كذلك مصرحا به في معجم الطبراني الأوسط ، وذكر ابن عدي أنه : معروف الخياط الذي رأى واثلة بن الأسقع ، وأن هشام بن عمار يروي عنه وفيه ضعف . وقال ابن ماكولا : اسمه : سلمة بن علي ، كان يسكن اللاذقية ، روى عنه هشام بن عمار والربيع بن نافع . قال : والحديث منكر ، ورجاله مجهولون . كذا قال ، وليس فيهم من يجهل حاله سوى أبي الخطاب هذا . وقد كان بالمدينة مساجد في قبائل الأنصار ، وهي دورهم ، يصلون فيها الجماعات سوى الجمع . وروى ابن لهيعة ، أن بكير بن الأشج حدثه ، أنه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، يسمع أهلها تأذين بلال على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيصلون في مساجدهم ، أقربها مسجد بني عمرو بن مبذول من بني النجار ، ومسجد بني ساعدة ، ومسجد بني عبيد ، ومسجد بني سلمة ، ومسجد بني رابح من بني عبد الأشهل ، ومسجد بني زريق ، ومسجد بني غفار ، ومسجد أسلم ، ومسجد جهينة . وشك في التاسع . خرجه أبو داود في المراسيل .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاة في مسجد السوق · ص 582 قال البخاري - رحمه الله - : 477 – حدثنا مسدد : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة ، فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة ، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة ، حتى يدخل المسجد ، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه ، وتصلي الملائكة عليه ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، ما لم يحدث فيه وقد خرجه البخاري - أيضا - في موضع آخر من كتابه بزيادة تصريح الأعمش بالسماع له من أبي صالح ، فزال ما كان يتوهم من تدليس الأعمش له . والحديث : نص في أن الصلاة في المسجد تزيد على صلاة المرء في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين درجة ، وهو أعم من أن تكون صلاته في بيته وفي سوقه في جماعة أو منفردا . ويدل على ذلك : أنه ذكر سبب المضاعفة ، وهو فضل مشيه إلى المسجد على طهارة ، وفضل انتظاره للصلاة حتى تقام ، وفضل قعوده في المسجد حتى يحدث ، وهذا كله لا يوجد شيء منه في صلاته في بيته وفي سوقه . لكن المراد - والله أعلم - : صلاته في سوقه في غير مسجد ، فإنه لو صلى في سوقه في مسجد لكان قد حصل له فضل المشي إلى المسجد ، وانتظار الصلاة فيه ، والجلوس فيه بعد الصلاة - أيضا - وإن كان المسجد الأعظم يمتاز بكثرة الخطا إليه ، وبكثرة الجماعة فيه ، وذلك يتضاعف به الفضل - أيضا - عند جمهور العلماء ، خلافا لمالك . وقد روي من حديث أبي بن كعب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ، وما كثر فهو أحب إلى الله . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم . وقال علي ابن المديني : ما أراه إلا صحيحا . ويفضل - أيضا - المسجد الأعظم بكونه عتيقا : قال أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا عمارة بن زاذان ، عن ثابت البناني ، قال : كنت أقبل مع أنس بن مالك من الزاوية ، فإذا مر بمسجد قال : أمحدث هذا ؟ فإن قلت : نعم مضى ، وإن قلت : عتيق صلى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلاة في مسجد السوق · ص 257 ( باب الصلاة في مسجد السوق ) أي هذا باب في بيان جواز الصلاة في مسجد السوق ، ويروى في مساجد السوق بلفظ الجمع ، وهي رواية الأكثرين ، ولفظ الإفراد رواية أبي ذر ، وقال الكرماني: المراد بالمساجد مواضع إيقاع الصلاة لا الأبنية الموضوعة للصلاة من المساجد ، فكأنه قال: باب الصلاة في مواضع الأسواق ، وقال ابن بطال: روي أن الأسواق شر البقاع فخشي البخاري أن يتوهم من رأى ذلك الحديث أنه لا تجوز الصلاة في الأسواق استدلالا به ، فجاء بحديث أبي هريرة ، إذ فيه إجازة الصلاة في السوق ، وإذا جازت الصلاة في السوق فرادى ، فكان أولى أن يتخذ فيه مسجد للجماعة ، وقال بعضهم: موقع الترجمة الإشارة إلى أن الحديث الوارد في الأسواق شر البقاع ، وأن المساجد خير البقاع كما أخرجه البزار ، وغيره لا يصح إسناده ، ولو صح لم يمنع وضع المسجد في السوق ؛ لأن بقعة المسجد حينئذ تكون بقعة خير . قلت: كل منهم قد تكلف ، أما الكرماني ، فإنه ارتكب المجاز من غير ضرورة ، وأما ابن بطال ، فإنه من أين تحقق خشية البخاري مما ذكره حتى وضع هذا الباب ، وأما القائل الثالث ، فإنه أبعد جدا ؛ لأنه من أين علم أن البخاري أشار به إلى ما ذكره ، والأوجه أن يقال: إن البخاري لما أراد أن يورد حديث أبي هريرة الذي فيه الإشارة إلى أن صلاة المصلي لا تخلو إما أن تكون في المسجد الذي بني لها ، أو في بيته الذي هو منزله ، أو السوق وضع بابا فيه جواز الصلاة في المسجد الذي في السوق ، وإنما خص هذا بالذكر من بين الثلاثة ؛ لأنه لما كان السوق موضع اللغط واشتغال الناس بالبيع والشراء ، والأيمان الكثيرة فيه بالحق والباطل ، وربما كان يتوهم عدم جواز الصلاة فيه من هذه الجهات خصه بالذكر . ( وصلى ابن عون في مسجد في دار يغلق عليهم الباب ) . ليس في الترجمة ما يطابق هذا الأثر ، وقال الكرماني : ولعل غرض البخاري منه الرد على الحنفية حيث قالوا بامتناع اتخاذ المساجد في الدار المحجوبة عن الناس ، ونقله بعضهم في شرحه معجبا به ، ( قلت ) : جازف الكرماني في هذا ؛ لأن الحنفية لم يقولوا هكذا ، بل المذهب فيه أن من اتخذ مسجدا في داره وأفرز طريقه يجوز ذلك ويصير مسجدا ، فإذا أغلق بابه وصلى فيه يجوز مع الكراهة ، وكذا الحكم في سائر المساجد . . وابن عون بفتح العين المهملة ، وسكون الواو ، وفي آخره نون هو عبد الله بن عون ، وقد تقدم في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: رب مبلغ ، وقال صاحب ( التلويح ) كذا في نسخة سماعنا ، يعني أنه ابن عون ، وقال ابن المنير : ابن عمر ، ( قلت ) : قالوا : إنه تصحيف ، والصحيح أنه ابن عون ، وكذا وقع في الأصول . 136 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته ، وصلاته في سوقه خمسا وعشرين درجة ، فإن أحدكم إذا توضأ ، فأحسن وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة ، أو حط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد ، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه ، وتصلي ، يعني عليه الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه: اللهم اغفر له اللهم ارحمه ، ما لم يؤذ يحدث فيه . مطابقته للترجمة في قوله: وصلاته في سوقه . ذكر رجاله وهم خمسة كلهم قد ذكروا ، وأبو معاوية محمد بن حازم الضرير ، والأعمش هو سليمان بن مهران ، وأبو صالح هو ذكوان . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه رواية التابعي عن التابعي ، وفيه أن رواته ما بين بصري وكوفي ومدني . ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ، أخرجه البخاري أيضا في باب فضل الجماعة عن موسى بن إسماعيل ، عن عبد الواحد ، عن الأعمش ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي كريب ، وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد ، وأخرجه الترمذي فيه عن هناد بن السري ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة . ( ذكرمعناه ) قوله : ( صلاة الجميع ) ، أي : صلاة الجماعة ، والجميع في اللغة ضد المتفرق ، والجيش أيضا ، والحي المجتمع ، ويؤكد به يقال : جاءوا جميعا ، أي : كلهم ، وقال الكرماني : صلاة الجميع ، أي : صلاة في الجميع ، يعني صلاة الجماعة ، ( قلت ) : هذا تصرف غير مرضي . قوله : ( على صلاته في بيته ) ، أي : على صلاة المنفرد . وقوله : ( في بيته ) قرينة على هذا ، إذ الغالب أن الرجل يصلي في بيته منفردا . قوله : ( خمسا ) نصب على أنه مفعول لقوله تزيد ، نحو قولك: زدت عليه عشرة ، ونحوها . قوله : ( فإن أحدكم ) بالفاء في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني بأن أحدكم بالباء الموحدة ، ووجهها أن تكون الباء للمصاحبة ، فكأنه قال: تزيد على صلاته بخمس وعشرين درجة مع فضائل أخر ، وهو رفع الدرجات ، وصلاة الملائكة ، ونحوها ، ويجوز أن تكون للسببية . قوله : ( فأحسن ) كذا هو بدون مفعوله ، والتقدير ، فأحسن الوضوء ، والإحسان في الوضوء إسباغه برعاية السنن والآداب . قوله : ( لا يريد إلا الصلاة ) جملة حالية ، والمضارع المنفي إذا وقع حالا يجوز فيه الواو وتركه . قوله : ( خطوة ) قال السفاقسي : رويناه بفتح الخاء ، وهي المرة الواحدة ، وقال القرطبي : الرواية بضم الخاء ، وهي واحدة الخطى ، وهي ما بين القدمين ، والتي بالفتح مصدر . قوله : ( أو حط ) ويروى وحط بالواو ، وهذا أشمل . قوله : ( ما كان يحبسه ) ، أي : ما كان المسجد يحبسه، وكلمة ما للمدة ، أي : مدة دوام حبس المسجد إياه . قوله : ( وتصلي الملائكة عليه ) ، أي : تدعو له بقولهم : اللهم اغفر له اللهم ارحمه . وقوله : ( اللهم اغفر له ) تقديره : وتدعو الملائكة قائلين : اللهم ، إذ لا يصح المعنى إلا به ، وقيل : إنه بيان للصلاة كذا هو بدون مفعوله ، والتقدير: فأحسن الوضوء . قوله : ( ما لم يؤذ ) بضم الياء آخر الحروف ، وبالذال المعجمة من الإيذاء ، والضمير المرفوع الذي فيه يرجع إلى المصلي، ومفعوله محذوف تقديره : ما لم يؤذ الملائكة ، وإيذاؤه إياهم بالحدث في المسجد ، وهو معنى قوله : ( يحدث ) بضم الياء من الإحداث بكسر الهمزة ، وهو مجزوم ، وفي رواية الأكثرين على أنه بدل من يؤذ ، ويجوز رفعه على طريق الاستئناف ، وفي رواية الكشميهني ( ما لم يؤذ بحدث فيه ) بلفظ الجار ، والمجرور متعلقا بيؤذ، قال الكرماني : وفي بعض النسخ ( ما لم يحدث ) بطرح لفظ يؤذ ، أي : ما لم ينقض الوضوء ، والذي ينقض الوضوء الحدث ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون أعم من ذلك ، ( قلت ) : الحديث رواه أبو داود في سننه ، ولفظه : ( ما لم يؤذ فيه ، أو يحدث فيه ) ، والأعمية التي قالها هذا القائل لا تمشي في رواية البخاري على ما لا يخفى، وتمشي في رواية أبي داود ؛ لأنه عطف أو يحدث على قوله : ( لم يؤذ فيه ) ، والمعنى ما لم يؤذ في مجلسه الذي صلى فيه أحدا بقوله ، أو فعله ، أو يحدث بالجزم من الإحداث بمعنى الحدث لا من التحديث فافهم ، فإنه موضع تأمل . ( ذكر تعدد الروايات في قوله : " خمسا وعشرين درجة " ) في رواية البخاري أيضا من حديث أبي سعيد ( صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته خمسا وعشرين درجة ) ، وعند ابن ماجه ( بضعا وعشرين درجة ) ، وفي لفظ : ( فضل الصلاة على صلاة أحدكم وحده خمسا وعشرين جزءا ) ، وعند السراج ( تعدل خمسة وعشرين صلاة من صلاة الفذ ) ، وفي لفظ : ( تزيد على صلاة الفذ خمسا وعشرين ) ، وفي لفظ : ( سبعة وعشرين جزءا ) ، وفي لفظ : ( خير من صلاة الفذ ) ، وفي لفظ : ( تزيد على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة ) ، وفي لفظ : ( صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين يصليها وحده ) ، وفي كتاب ابن حزم : صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد سبعا وعشرين درجة ، وفي ( سنن الكجي ) صلاة الجميع تفضل على صلاة الفذ ، وعند ابن حبان ( فإن صلاها بأرض فيء فأتم وضوءها وركوعها وسجودها تكتب صلاته بخمسين درجة ) ، وعند أبي داود ( بلغت خمسين صلاة ) ، وقال عبد الواحد بن زياد في هذا الحديث : ( صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة ) وعند البخاري من حديث نافع ، عن ابن عمر : ( صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة ) قال الترمذي : كذا رواه نافع وعامة من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال : ( خمسا وعشرين درجة ) وعند ابن حبان من حديث أبي بن كعب : ( أربعة وعشرين ، أو خمسة وعشرين درجة ، وصلاة الرجل أزكى من صلاته وحده ، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ، وصلاته مع الثلاثة أزكى من صلاته مع الرجلين ، وما أكثر ، فهو أحب إلى الله عز وجل ) ، وعند أبي نعيم، عن العمري، عن نافع بلفظ : ( سبعة ، أو خمسة وعشرين ) ، وعند أحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : ( صلاة الجميع تفضل على صلاة الرجل وحده خمسة وعشرين ضعفا كلها مثل صلاته ) ، وفي ( مسند ابن أبي شيبة ) : ( بضعا وعشرين درجة ) ، وعند السراج : ( بخمس وعشرين صلاة ) ، وفي لفظ : ( تزيد خمسا وعشرين ) ، وفي ( تاريخ البخاري ) من حديث الإفريقي عن قباث بن أشيم : ( صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من أربعة تترى ، وصلاة أربعة يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى ، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى ) ، وعند السراج من حديث أنس موقوفا بسند صحيح : ( تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل وحده بضعا وعشرين صلاة ) ، وعند الكجي من حديث أبان مرفوعا : ( تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل وحده بأربع وعشرين صلاة ) ، وعند السراج بسند صحيح عن عائشة : ( تفضل على صلاته وحده خمسا وعشرين درجة ) ، وكذا رواه معاذ عند الطبراني ، وعند ابن أبي شيبة عن عكرمة، عن ابن عباس : ( فضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة قال : فإن كانوا أكثر فعلى عدد من في المسجد ، فقال رجل : وإن كانوا عشرة آلاف قال : نعم ) ، وعند ابن زنجويه من حديث ابن الخطاب الدمشقي عن زريق بن عبد الله الأنصاري : ( صلاة الرجل في بيته بصلاة ، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة ، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة ) ، وفي فضائل القدس لأبي بكر محمد بن أحمد الواسطي من حديث أبي الخطاب : ( وصلاة في مسجد القبائل بست وعشرين ، وصلاة في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة ، وصلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة ، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ) ، ومن حديث عمار بن الحسن حدثنا إبراهيم بن هدبة عن أنس مرفوعا مثله ، وصلاته على الساحل بألفي ألف صلاة ، وصلاته بسواك بأربعمائة ألف صلاة . ( ذكر وجه هذه الروايات ) اختلفوا في وجه الجمع بين سبع وعشرين درجة ، وبين خمس وعشرين ، فقيل : السبع متأخرة عن الخمس ، فكأن الله أخبره بخمس ، ثم زاده، ورد هذا بتعذر التاريخ، ورد هذا الرد بأن الفضائل لا تنسخ، فتعين أنه متأخر ، وقيل : إن صلاة الجماعة في المسجد أفضل من صلاة الفذ في المسجد بسبع وعشرين درجة، ورد هذا بقوله : ( وصلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته ، وفي سوقه بخمس وعشرين ضعفا ) ، وقيل : إن الصلاة التي لم تكن فيها فضيلة الخطى إلى الصلاة ، ولا فضيلة انتظارها تفضل بخمس ، والتي فيها ذلك تفضل بسبع ، وقيل : إن ذلك يختلف باختلاف المصلين ، والصلاة ، فمن أكملها وحافظ عليها فوق من أخل بشيء من ذلك ، وقيل : إن الزيادة لصلاتي العشاء ، والصبح لاجتماع ملائكة الليل ، والنهار فيهما، ويؤيده حديث أبي هريرة : ( تفضل صلاة الجماعة صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا وتجتمع ملائكة الليل ، والنهار في صلاة الفجر ) فذكر اجتماع الملائكة بواو فاصلة واستأنف الكلام وقطعه من الجملة المتقدمة ، وقيل : لا منافاة بين الحديثين ؛ لأن ذكر القليل لا ينافي الكثير ، ومفهوم العدد باطل عند جماعة من الأصوليين ، وقال ابن الأثير : إنما قال درجة ، ولم يقل جزءا ، ولا نصيبا ، ولا حظا ، ولا شيئا من أمثال ذلك ؛ لأنه أراد الثواب من جهة العلو ، والارتفاع ، وأن تلك فوق هذه بكذا ، وكذا درجة ؛ لأن الدرجات إلى جهة فوق ، ( قلت ) : قد جاء فيه لفظ الجزء ، والضعف ، وقد تقدما عن قريب ، فكأنه لم يطلع عليهما ، وقد قيل : إن الدرجة أصغر من الجزء ، فكأن الخمسة والعشرين إذا جزئت درجات كانت سبعا وعشرين درجة ، ( قلت ) : هذا ليس بصحيح ؛ لأنه جاء في الصحيحين سبعا وعشرين درجة، وخمسا وعشرين درجة، فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة ، وقد قيل : يحتمل أن تكون الدرجة في الآخرة ، والجزاء في الدنيا ، ( فإن قلت ) : قد علم وجه الجمع بين هذين العددين ، ولكن ما الحكمة في التنصيص عليهما ، ( قلت ) : نقل الطيبي عن التوربشتي : وأما وجه قصر أبواب الفضيلة على خمس وعشرين تارة ، وعلى سبع وعشرين أخرى ، فإن المرجع في حقيقة ذلك إلى علوم النبوة التي قصرت عقول الألباء عن إدراك جملها وتفاصيلها ، ولعل الفائدة فيما كشف به حضرة النبوة هي اجتماع المسلمين مصطفين كصفوف الملائكة ، والاقتداء بالإمام وإظهار شعائر الإسلام ، وغيرها . انتهى ، ( قلت ) : هذا لا يشفي الغليل ، ولا يجدي العليل ، والذي ظهر لي في هذا المقام من الأنوار الإلهية ، والأسرار الربانية ، والعنايات المحمدية أن كل حسنة بعشر أمثالها بالنص ، وأنه لو صلى في بيته كان يحصل له ثواب عشر صلوات ، وكذا لو صلى في سوقه كان لكل صلاة عشر ، ثم إنه إذا صلى بالجماعة يضاعف له مثله ، فيصير ثواب عشرين صلاة ، وأما زيادة الخمس فلأنه أدى فرضا من الفروض الخمسة فأنعم الله عليه ثواب خمس صلوات أخرى نظير عدد الفروض الخمسة زيادة عشرين إنعاما وفضلا منه عليه، فتصير الجملة خمسة وعشرين. وجواب آخر ، وهو أن مراتب الأعداد آحاد وعشرات ومئات وألوف ، والمئات من الأوساط وخير الأمور أوسطها ، والخمسة والعشرون ربع المائة وللربع حكم الكل ، وأما زيادة السبع ، فقال الكرماني : يحتمل أن يكون ذلك لمناسبة أعداد ركعات اليوم ، والليلة ، إذ الفرائض سبعة عشر ، والرواتب المؤكدة عشرة . انتهى ، ( قلت ) : الرواتب المذكورة اثني عشر لحديث المثابرة ، فتصير تسعة وعشرين ، فلا يطابق الواقع ، فنقول : يمكن أن يقال : إن أيام العمر سبعة ، فإذا صلى بالجماعة يزاد له على العشرين ثواب سبع صلوات كل صلاة من صلوات كل يوم وليلة من الأيام السبعة ، وأما الوتر فلعله شرع بعد ذلك ، ثم العلماء اختلفوا : هل هذا الفضل لأجل الجماعة فقط حيث كانت ، أو أن ذلك إنما يكون ذلك في الجماعة التي تكون في المسجد لما يلزم ذلك من أفعال تختص بالمساجد ؟ قال القرطبي : والظاهر الأول ؛ لأن الجماعة هو الوصف الذي علق عليه الحكم والله أعلم . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال ابن بطال : فيه أن الصلاة فيه للمنفرد درجة من خمس وعشرين درجة ، وقال الكرماني : لم يقل يساوي صلاته منفردا خمسا وعشرين حتى يكون له درجة منها ، بل قال : تزيد ، فليس للمنفرد من الخمسة والعشرين شيء ، ( قلت ) : قال ذلك بالنظر في الرواية المذكورة في الباب ، فلو كان وقف على الروايات التي ذكرناها لما قال ذلك كذلك ، وفيه الدلالة على فضيلة الجماعة ، وفيه جواز اتخاذ المساجد في البيوت ، والأسواق ، وفيه ما استدل به بعض المالكية على أن صلاة الجماعة لا يفضل بعضها على بعض بكثرة الجماعة ، ورد هذا بما ذكرنا عن ابن حبان ، وما كثر ، فهو أحب إلى الله تعالى ، وإلى مطلوبية الكثرة ذهب الشافعي ، وابن حبيب المالكي .