5325 ، 5326 حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، لِعَائِشَةَ : أَلَمْ تَرَيْنَ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ ، فَخَرَجَتْ ، فَقَالَتْ : بِئْسَ مَا صَنَعَتْ ، قَالَ : أَلَمْ تَسْمَعِي قَوْلِ فَاطِمَةَ ؟ قَالَتْ : أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَزَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ : عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ ، وَقَالَتْ : إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا ، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عُرْوَةُ ) أَيِ : ابْنُ الزُّبَيْرِ ( لِعَائِشَةَ : أَلَمْ تَرَيْ إِلَى فُلَانَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ ) نَسَبَهَا إِلَى جَدِّهَا ، وَهِيَ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ كَمَا فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى . قَوْلُهُ : ( فَقَالَتْ : بِئْسَ مَا صَنَعَتْ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : مَا صَنَعَ أَيْ : زَوْجُهَا فِي تَمْكِينِهَا مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ : أَبُوهَا فِي مُوَافَقَتِهَا ، وَلِهَذَا أَرْسَلَتْ عَائِشَةَ إِلَى مَرْوَانَ عَمِّهَا وَهُوَ الْأَمِيرُ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى مَنْزِلِ الطَّلَاقِ . قَوْلُهُ : ( أَلَمْ تَسْمَعِي قَوْلَ فَاطِمَةَ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ قَالَ هُوَ عُرْوَةُ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ : أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ : تَزَوَّجَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ فَطَلَّقَهَا وَأَخْرَجَهَا ، فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا ، فَقَالَتْ : مَا لِفَاطِمَةَ خَيْرٌ فِي أَنْ تَذْكُرَ هَذَا الْحَدِيثَ كَأَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَأَنَّ الشَّخْصَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَزَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ : عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ ، وَقَالَتْ : إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ ، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا ، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ : لَقَدْ عَابَتْ وَزَادَ : يَعْنِي فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَقَوْلُهُ : وَحْشٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ، أَيْ : خَالٍ لَا أَنِيسَ بِهِ ، وَلِرِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ هَذِهِ شَاهِدٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، لَكِنْ قَالَ : عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا ، فَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ ، فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ وَقَدْ أَخَذَ الْبُخَارِيُّ التَّرْجَمَةَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ ، فَرَتَّبَ الْجَوَازَ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ : إِمَّا خَشْيَةَ الِاقْتِحَامِ عَلَيْهَا ، وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ مِنْهَا عَلَى أَهْلِ مُطَلِّقِهَا فُحْشٌ مِنَ الْقَوْلِ ، وَلَمْ يَرَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ مُعَارَضَةً لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِمَا مَعًا فِي شَأْنِهَا . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرْجَمَةِ عِلَّتَيْنِ وَذَكَرَ فِي الْبَابِ وَاحِدَةً فَقَطْ ، وَكَأَنَّهُ أَوْمَأَ إِلَى الْأُخْرَى ، إِمَّا لِوُرُودِهَا عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَيْهَا إِذَا اقْتَضَى خُرُوجَهَا ، فَمِثْلُهُ الْخَوْفُ مِنْهَا ، بَلْ لَعَلَّهُ أَوْلَى فِي جَوَازِ إِخْرَاجِهَا ، فَلَمَّا صَحَّ عِنْدَهُ مَعْنَى الْعِلَّةِ الْأُخْرَى ضَمَّنَهَا التَّرْجَمَةَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاقْتِصَارَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضِهِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ بَعْضٍ آخَرَ إِذَا صَحَّ طَرِيقُهُ ، فَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ شَكْوَاهَا مَا تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِقْلَالِ النَّفَقَةِ ، وَأَنَّهُ اتَّفَقَ أَنَّهُ بَدَا مِنْهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ شَرٌّ لِأَصْهَارِهَا وَاطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِهِمْ وَخَشِيَ عَلَيْهَا إِنِ اسْتَمَرَّتْ هُنَاكَ أَنْ يَتْرُكُوهَا بِغَيْرِ أَنِيسٍ فَأُمِرَتْ بِالِانْتِقَالِ . قُلْتُ : وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالثَّانِي إِلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِ مَرْوَانَ ، لِعَائِشَةَ : إِنْ كَانَ بِكِ شَرٌّ فَإِنَّهُ يُومِئُ إِلَى أَنَّ السَّبَبَ فِي تَرْكِ أَمْرِهَا بِمُلَازَمَةِ السَّكَنِ مَا وَقَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَقَارِبِ زَوْجِهَا مِنَ الشَّرِّ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : سِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ سَبَبَ الْحُكْمِ أَنَّهَا اخْتَلَفَتْ مَعَ الْوَكِيلِ بِسَبَبِ اسْتِقْلَالِهَا مَا أَعْطَاهَا ، وَأَنَّهَا لَمَّا قَالَ لَهَا الْوَكِيلُ : لَا نَفَقَةَ لَكِ ، سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَجَابَهَا بِأَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى ، فَاقْتَضَى أَنَّ التَّعْلِيلَ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ مَا جَرَى مِنَ الِاخْتِلَافِ لَا بِسَبَبِ الِاقْتِحَامِ وَالْبَذَاءَةِ ، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ أَقْوَى مِنْ هَذَا الظَّاهِرِ عُمِلَ بِهِ . قُلْتُ : الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ كَانَ فِي النَّفَقَةِ ، ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ : فَفِي بَعْضِهَا : فَقَالَ : لَا نَفَقَةَ لَكِ وَلَا سُكْنَى وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهَا : لَا نَفَقَةَ لَكِ اسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَالِ فَأَذِنَ لَهَا ، وَكُلُّهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، فَإِذَا جَمَعَتْ أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ خَرَجَ مِنْهَا أَنَّ سَبَبَ اسْتِئْذَانِهَا فِي الِانْتِقَالِ مَا ذَكَرَ مِنَ الْخَوْفِ عَلَيْهَا وَمِنْهَا ، وَاسْتَقَامَ الِاسْتِدْلَالُ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ السُّكْنَى لَمْ تَسْقُطْ لِذَاتِهَا ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُورِ . نَعَمْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ تَجْزِمُ بِإِسْقَاطِ سُكْنَى الْبَائِنِ وَنَفَقَتِهَا ، وَتَسْتَدِلُّ لِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ ، وَلِهَذَا كَانَتْ عَائِشَةُ تُنْكِرُ عَلَيْهَا . تَنْبِيهٌ : طَعَنَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ الْمُعَلَّقَةِ فَقَالَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ضَعِيفٌ جِدًّا ، وَحَكَمَ عَلَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ بِالْبُطْلَانِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَمَنْ طَعَنَ فِيهِ لَمْ يَذْكُرْ مَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِهِ فَضْلًا عَنْ بُطْلَانِ رِوَايَتِهِ ، وَقَدْ جَزَمَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ بِأَنَّهُ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَهَذَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ هِشَامٍ ، فَلِلَّهِ دَرُّ الْبُخَارِيِّ مَا أَكْثَرَ اسْتِحْضَارَهُ وَأَحْسَنَ تَصَرُّفَهُ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي نَفَقَةِ الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ وَسُكْنَاهَا : فَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا نَفَقَةَ لَهَا . وَلَهَا السُّكْنَى ، وَاحْتَجُّوا لِإِثْبَاتِ السُّكْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلِإِسْقَاطِ النَّفَقَةِ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ غَيْرَ الْحَامِلِ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهَا بِالذِّكْرِ مَعْنًى ، وَالسِّيَاقُ يُفْهِمُ أَنَّهَا فِي غَيْرِ الرَّجْعِيَّةِ ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الرَّجْعِيَّةِ وَاجِبَةٌ لَوْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا . وَذَهَبَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، وَنَازَعُوا فِي تَنَاوُلِ الْآيَةِ الْأُولَى الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ ، وَقَدِ احْتَجَّتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ صَاحِبَةُ الْقِصَّةِ عَلَى مَرْوَانَ حِينَ بَلَغَهَا إِنْكَارُهُ بِقَوْلِهَا : بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ - إِلَى قَوْلِهِ : - يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا قَالَتْ : هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ ، فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ ؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ وَلَيْسَتْ حَامِلًا فَعَلَامَ يَحْبِسُونَهَا ؟ وَقَدْ وَافَقَ فَاطِمَةَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا الْمُرَاجَعَةُ قَتَادَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالضَّحَّاكُ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمْ وَلَمْ يَحْكِ عَنْ أَحَدٍ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُ ، وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ مَا يَأْتِي مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَسْخٍ أَوْ تَخْصِيصٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْحَصِرْ ذَلِكَ فِي الْمُرَاجَعَةِ ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ فِي آخِرِ حَدِيثِهَا مَرْفُوعًا : إِنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِمَنْ يَمْلِكُ الرَّجْعَةُ ، فَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا ، وَقَدْ بَيَّنَ الْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ أَنَّ مُجَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَمَنْ أَدْخَلَهُ فِي رِوَايَةٍ غَيْرِ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فَقَدْ أَدْرَجَهُ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقَدْ تَابَعَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي رَفْعِهِ مُجَالِدًا لَكِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْهُ . وَأَمَّا قَوْلُهَا : إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ فَعَلَامَ يَحْبِسُونَهَا ؟ ، فَأَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْهُ بِأَنَّ السُّكْنَى الَّتِي تَتْبَعُهَا النَّفَقَةُ هُوَ حَالُ الزَّوْجِيَّةِ الَّذِي يُمْكِنُ مَعَهُ الِاسْتِمْتَاعُ وَلَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً ، وَأَمَّا السُّكْنَى بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، بِدَلِيلِ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَوِ اتَّفَقَا عَلَى إِسْقَاطِ الْعِدَّةِ لَمْ تَسْقُطْ بِخِلَافِ الرَّجْعِيَّةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ . وَقَدْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِ فَاطِمَةَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُمْ . وَذَهَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ ، وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَنَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا قَيَّدَ النَّفَقَةَ بِحَالَةِ الْحَمْلِ ؛ لِيَدُلَّ عَلَى إِيجَابِهَا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحَمْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ تَطُولُ غَالِبًا . وَرَدَّهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ بِمَنْعِ الْعِلَّةِ فِي طُولِ مُدَّةِ الْحَمْلِ ، بَلْ تَكُونُ مُدَّةُ الْحَمْلِ أَقْصَرَ مِنْ غَيْرِهَا تَارَةً وَأَطْوَلَ أُخْرَى فَلَا أَوْلَوِيَّةَ ، وَبِأَنَّ قِيَاسَ الْحَائِلِ عَلَى الْحَامِلِ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِسْقَاطَ تَقْيِيدٍ وَرَدَ بِهِ النَّصُّ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ . وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ : إِنَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ أَنْكَرَهُ السَّلَفُ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ ، وَكَمَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ : كُنْتُ مَعَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَحَدَّثَ الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً ، فَأَخَذَ الْأَسْوَدُ كَفًّا مِنْ حَصَى فَحَصَبَهُ بِهِ وَقَالَ : وَيْلَكَ تُحَدِّثُ بِهَذَا ؟ قَالَ عُمَرُ : لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ ، لَا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ قَالَ : قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ : وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، وَالْمَحْفُوظُ : لَا نَدْعُ كِتَابَ رَبِّنَا ، وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ لَيْسَتْ فِيهَا هَـذِهِ الزِّيَادَةُ ، لَكِنْ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ رِوَايَةَ النَّفَقَةِ ، وَلَعَلَّ عُمَرَ أَرَادَ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ مِنِ اتِّبَاعِ كِتَابِ اللَّهِ ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ سُنَّةً مَخْصُوصَةً فِي هَذَا ، وَلَقَدْ كَانَ الْحَقُّ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ : لَا نَدْرِي حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ ، قَدْ ظَهَرَ مِصْدَاقُهُ فِي أَنَّهَا أَطْلَقَتْ فِي مَوْضِعِ التَّقْيِيدِ ، أَوْ عَمَّمَتْ فِي مَوْضِعِ التَّخْصِيصِ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي كَلَامِ عُمَرَ مَا يَقْتَضِي إِيجَابَ النَّفَقَةِ ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ إِسْقَاطَ السُّكْنَى . وَادَّعَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عُمَرَ : لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ ، وَرَدَّهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمُجَازِفِينَ فَلَا تَحِلُّ رِوَايَتُهُ ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ ثُبُوتَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ أَصْلًا ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ عُمَرَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَلْقَهُ ، وَقَدْ بَالَغَ الطَّحَاوِيُّ فِي تَقْرِيرِ مَذْهَبِهِ فَقَالَ : خَالَفَتْ فَاطِمَةُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَوَى خِلَافَ مَا رَوَتْ ، فَخَرَجَ الْمَعْنَى الَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهَا عُمَرُ خُرُوجًا صَحِيحًا ، وَبَطَلَ حَدِيثُ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِبِ الْعَمَلُ بِهِ أَصْلًا ، وَعُمْدَتُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنَ الْمُخَالَفَةِ مَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؛ فَإِنَّهُ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قِصَّةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ · ص 389 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قصة فاطمة بنت قيس · ص 310 67 - حدثنا عمرو بن عباس ، حدثنا ابن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه قال : قال عروة بن الزبير لعائشة : ألم ترين إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها ألبتة فخرجت ؟ فقالت : بئس ما صنعت ، قال : ألم تسمعي في قول فاطمة ؟ قالت : أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث . وزاد ابن أبي الزناد ، عن هشام ، عن أبيه : عابت عائشة أشد العيب وقالت : إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها ، فلذلك أرخص لها النبي صلى الله عليه وسلم . هذا طريق آخر في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ، أخرجه عن عمرو بن عباس أبي عثمان البصري ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان الثوري . قوله : عن أبيه هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . قوله : قال عروة بن الزبير وفي بعض النسخ : قال عروة بدون ذكر أبيه . قوله : ألم ترين ويروى على الأصل : ألم تري . قوله : إلى فلانة بنت الحكم نسبها إلى جدها وهي بنت عبد الرحمن بن الحكم كما ذكر في الطريق الأول . قوله : ألبتة همزتها للقطع لا للوصل ، والمقصود أنها بانت منه ولم يكن طلقها رجعيا . قوله : فخرجت أي : من مسكن الفراق . قوله : بئس ما صنعت وفي رواية الكشميهني بئس صنع أي : زوجها في تمكينها من ذلك ، أو بئس ما صنع أبوها في موافقتها . قوله : قال : ألم تسمعي يحتمل أن يكون فاعل قال هو عروة كذا قال بعضهم . ( قلت ) : فاعل قال هو عروة بلا احتمال فليتأمل . قوله : أما إنه بفتح همزة أما وتخفيف ميمها وهي حرف استفتاح بمنزلة ألا ، وكلمة إن بعدها تكسر بخلاف أما التي بمعنى حقا فإنها تفتح بعدها والضمير في إنه للشأن . قوله : ليس لها خير في ذكر هذا الحديث لأن الشخص لا ينبغي له أن يذكر شيئا عليه فيه غضاضة . قوله : وزاد ابن أبي الزناد أي : زاد عبد الرحمن بن أبي الزناد بالنون واسمه عبد الله أبو محمد المدني فيه مقال ، فقال النسائي : لا يحتج بحديثه ، وقال ابن عدي : بعض رواياته لا يتابع عليها ، وقال يعقوب بن شيبة : ثقة صدوق وفي بعض حديثه ضعف ، وعن يحيى بن معين : أثبت الناس في هشام بن عروة استشهد به البخاري في ( صحيحه ) وروى له في غيره ، وروى له مسلم في مقدمة كتابه ، وروى له الأربعة ، ووصل هذه الزيادة المعلقة أبو داود عن سليمان بن داود ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد فذكره . قوله : عابت عائشة يعني على فاطمة بنت قيس ، وقالت يعني : عائشة . قوله : وحش بفتح الواو وسكون الحاء المهملة وبالشين المعجمة أي : مكان خال لا أنيس به . قوله : فلذلك أي : فلأجل كونها في مكان وحش أرخص لها بالانتقال وقد احترق ابن حزم هنا فقال : هذا حديث باطل لأنه من رواية ابن أبي الزناد وهو ضعيف جدا ورد بما ذكرنا ولا سيما قول يحيى بن معين : هو أثبت الناس في هشام بن عروة . والحاصل من هذه الأحاديث بيان رد عائشة حديث فاطمة بنت قيس على الوجه الذي ذكرته من غير بيان العلة فيه ، وأن المطلقة المبانة لها النفقة والسكنى ، وقال صاحب ( الهداية ) : وحديث فاطمة رده عمر رضي الله تعالى عنه فإنه قال : لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم بقول امرأة ، لا ندري صدقت أم كذبت حفظت أم نسيت ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : للمطلقة الثلاث النفقة والسكنى ما دامت في العدة ، ورده أيضا زيد بن ثابت وأسامة بن زيد وجابر وعائشة رضي الله عنهم ، وقال بعضهم : ادعى بعض الحنفية أن في بعض طرق حديث عمر : للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة ، ورده ابن السمعاني بأنه من قول بعض المجازفين فلا تحل روايته ، وقد أنكر أحمد ثبوت ذلك عن عمر أصلا ولعله أراد ما ورد من طريق إبراهيم النخعي عن عمر رضي الله تعالى عنه لكونه لم يلقه . انتهى . ( قلت ) : ما المجازف إلا من ينسب المجازفة إلى العلماء من غير بيان ، فإن كان مستنده إنكار أحمد ثبوت ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه فلا يفيده ذلك لأن الذين قالوا بذلك يقولون بثبوت ذلك عن عمر ، فالمثبت أولى من النافي لأن معه زيادة علم ، وقد قال الطحاوي الذي هو إمام جهبذ في هذا الفن : لما جاءت فاطمة بنت قيس فروت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: إنما السكنى والنفقة لمن كانت عليها الرجعة ، خالفت بذلك كتاب الله تعالى نصا ؛ لأن كتاب الله تعالى قد جعل السكنى لمن لا رجعة عليها ، وخالفت سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأن عمر رضي الله تعالى عنه قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ما روت ، فخرج المعنى الذي منه أنكر عليها عمر ما أنكر خروجا صحيحا ، وبطل حديث فاطمة ، فلم يجب العمل به أصلا . انتهى . وأراد بقوله : قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ما روت . قوله : سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول : لها السكنى والنفقة أي : للمبتوتة ، وكذا روى جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة رواه الدارقطني من حديث حرب بن أبي العالية ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فذكره . فإن قلت : قال عبد الحق في ( أحكامه ) : وحرب بن أبي العالية لا يحتج به ضعفه يحيى بن معين في رواية الداروردي عنه ، وضعفه في رواية ابن أبي خيثمة والأشبه وقفه على جابر . انتهى . ( قلت ) : حديث حرب بن أبي العالية في ( صحيح مسلم ) ، وأخرج له أيضا الحاكم في ( مستدركه ) ويكفي توفيق مسلم إياه ، وروى الطحاوي أيضا من حديث الشعبي عن فاطمة أنها أخبرت عمر بن الخطاب بأن زوجها طلقها ثلاثا فأتت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : لا نفقة لك ولا سكنى ، فأخبرت بذلك النخعي فقال : أخبر عمر بذلك فقال : سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : لها السكنى والنفقة . ( فإن قلت ) لم يدرك إبراهيم عمر لأنه ولد بعده بسنتين . ( قلت ) : لا يضر ذلك لأن مرسل إبراهيم يحتج به ولا سيما على أصلنا ، فافهم .