46 - بَاب تُحِدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا أَرَى أَنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ الطِّيبَ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ 5334 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أَبِي سَلَمَةَ ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ : 5334 - قَالَتْ زَيْنَبُ : دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ - خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ - فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا ، ثُمَّ قَالَتْ : وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . 5335 - قَالَتْ زَيْنَبُ : فَدَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ ابنة جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا ، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَتْ : أَمَا وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ تُحِدُّ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ ، وَيَجُوزُ بِفَتْحه ثُمَّ ضَمَّة مِنَ الثُّلَاثِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي : بَابِ إِحْدَادِ الْمَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : أَصْلُ الْإِحْدَادِ الْمَنْعُ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ إحدادا لِمَنْعِهِ الدَّاخِلَ ، وَسُمِّيَتِ الْعُقُوبَةُ حَدًّا ؛ لِأَنَّهَا تَرْدَعُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ . وَقَالَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ : مَعْنَى الْإِحْدَادِ : مَنْعُ الْمُعْتَدَّةِ نَفْسَهَا الزِّينَةَ ، وَبَدَنَهَا الطِّيبَ ، وَمَنْعُ الْخُطَّابِ خِطْبَتَهَا وَالطَّمَعَ فِيهَا كَمَا مَنَعَ الْحَدُّ الْمَعْصِيَةَ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : سُمِّيَ الْحَدِيدُ حَدِيدًا ؛ لِلِامْتِنَاعِ بِهِ أَوْ لِامْتِنَاعِهِ عَلَى مُحَاوِلِهِ ، وَمِنْهُ تَحْدِيدُ النَّظَرِ بِمَعْنَى امْتِنَاعِ تَقَلُّبِهِ فِي الْجِهَاتِ ، وَيُرْوَى بِالْجِيمِ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ ، قَالَ : يُرْوَى بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ ، وَبِالْحَاءِ أَشْهَرُ ، وَالْجِيمُ مَأْخُوذٌ مِنْ جَدَدْتُ الشَّيْءَ إِذَا قَطَعْتُهُ ، فَكَأَنَّ الْمَرْأَةَ انْقَطَعَتْ عَنِ الزِّينَةِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : أَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ : حَدَّتْ وَلَمْ يَعْرِفْ إِلَّا أَحَدَّتْ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : كَانَ الْقُدَمَاءُ يُؤْثِرُونَ أَحَدَّتْ وَالْأُخْرَى أَكْثَرُ مَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا أَرَى أَنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ الطِّيبَ ) أَيْ : إِذَا كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ فَمَاتَ عَنْهَا . وَقَوْلُهُ : ( لِأَنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ ) أَظُنُّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ ؛ فَإِنَّ أَثَرَ الزُّهْرِيِّ وَصَلَهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ يُونُسَ عَنْهُ بِدُونِهَا ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ بِاخْتِصَارٍ . وَفِي التَّعْلِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سَبَبَ إِلْحَاقِ الصَّبِيَّةِ بِالْبَالِغِ فِي الْإِحْدَادِ وُجُوبُ الْعِدَّةِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا ، وَبَذْلِكَ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا ، وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ يَحْرُمُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بَلْ خِطْبَتُهَا فِي الْعِدَّةِ ، وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةِ فِي الْبَابِ : أَفَنَكْحُلُهَا ؟ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ صَغِيرَةً ، إِذْ لَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَقَالَتْ : أَفَتَكْتَحِلُ هِيَ ؟ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهَا : أَفَنَكْحُلُهَا ؟ أَيْ : أَفَنُمَكِّنُهَا مِنَ الِاكْتِحَالِ ؟ . قَوْلُهُ : ( عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ) أَيِ : ابْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ . وَهِيَ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ رَبِيبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهَا لَا رِوَايَةَ لَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَذَا قَالَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهَا مُسْلِمٌ حَدِيثَهَا : كَانَ اسْمِي بَرَّةَ فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَبُ الْحَدِيثَ ، وَأَخْرَجَ لَهَا الْبُخَارِيُّ حَدِيثًا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ ) تَقَدَّمَ مِنْهَا الْحَدِيثَانِ الْأَوَّلَانِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ شَرْحِهِمَا ، وَالْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْأَوَّلِ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا ، وَفِي الثَّانِي حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا ، وَأَنَّهُ سُمِّيَ فِي بَعْضِ الْمُوَطَّآتِ : عَبْدُ اللَّهِ . وَكَذَا هُـوَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ ، وَأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ قُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ يَوْمَئِذٍ طِفْلَةٌ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ دَخَلَتْ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْمُصَغَّرَ ؛ فَإِنَّ دُخُولَ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِوَفَاتِهِ كَانَ وَهِيَ مُمَيِّزَةٌ ، وَأَنْ يَكُونَ أَبَا أَحْمَدَ بْنَ جَحْشٍ فَإِنَّ اسْمَهُ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَاتَ قَبْلَ زَيْنَبَ ، لَكِنْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَضَرَ دَفْنَهَا . وَيَلْزَمُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ فِي الِاسْمِ تَغْيِيرٌ ، أَوِ الْمَيِّتُ كَانَ أَخَا زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مِنْ أُمِّهَا أَوْ مِنَ الرَّضَاعَةِ . قَوْلُهُ : ( لَا يَحِلُّ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِحْدَادِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ وَهُوَ وَاضِحٌ ، وَعَلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ عَلَى الزَّوْجِ ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَقَعَ بَعْدَ النَّفْيِ ، فَيَدُلُّ عَلَى الْحِلِّ فَوْقَ الثَّلَاثِ عَلَى الزَّوْجِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ اسْتُفِيدَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ كَالْإِجْمَاعِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْإِحْدَادَ لَا يَجِبُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَنَقَلَ الْخَلَّالُ بِسَنَدِهِ عَنْ أَحْمَدَ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْإِحْدَادَ ، قَالَ أَحْمَدُ : مَا كَانَ بِالْعِرَاقِ أَشَدُّ تَبَحُّرًا مِنْ هَذَيْنِ - يَعْنِي الْحَسَنَ ، وَالشَّعْبِيَّ - قَالَ : وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا ، اهـ ، وَمُخَالَفَتُهُمَا لَا تَقْدَحُ فِي الِاحْتِجَاجِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا رَدٌّ عَلَى مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ . وَفِي أَثَرِ الشَّعْبِيِّ تَعَقُّبٌ عَلَى ابْنِ الْمُنْذِرِ حَيْثُ نَفَى الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلَّا عَنِ الْحَسَنِ ، وَأَيْضًا فَحَدِيثُ الَّتِي شَكَتْ عَيْنَهَا - وَهُوَ ثَالِثُ أَحَادِيثِ الْبَابِ - دَالٌّ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَإِلَّا لَمْ يَمْتَنِعِ التَّدَاوِي الْمُبَاحُ ، وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا مُنِعَ مِنْهُ إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ كَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ دَالًّا بِعَيْنِهِ عَلَى الْوُجُوبِ كَالْخِتَانِ ، وَالزِّيَادَةِ عَلَى الرُّكُوعِ فِي الْكُسُوفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( لِامْرَأَةٍ ) تَمَسَّكَ بِمَفْهُومِهِ الْحَنَفِيَّةُ ، فَقَالُوا : لَا يَجِبُ الْإِحْدَادُ عَلَى الصَّغِيرَةِ ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَيْهَا كَمَا تَجِبُ الْعِدَّةُ ، وَأَجَابُوا عَنِ التَّقْيِيدِ بِالْمَرْأَةِ أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، وَعَنْ كَوْنِهَا غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ بِأَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِمَنْعِهَا مِمَّا تُمْنَعُ مِنْهُ الْمُعْتَدَّةُ ، وَدَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : امْرَأَةٌ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً ، وَلَوْ كَانَتْ مُبَعَّضَةً أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ إِذَا مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا لَا سَيِّدُهَا ؛ لِتَقْيِيدِهِ بِالزَّوْجِ فِي الْخَبَرِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنْ لَا إِحْدَادَ عَلَى الذِّمِّيَّةِ لِلتَّقْيِيدِ بِالْإِيمَانِ ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ بِذَلِكَ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ ذُكِرَ تَأْكِيدًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ ، كَمَا يُقَالُ : هَذَا طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ يَسْلُكُهُ غَيْرُهُمْ . وَأَيْضًا فَالْإِحْدَادُ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ ، وَهُوَ مُلْتَحَقٌ بِالْعِدَّةِ فِي حِفْظِ النَّسَبِ ، فَتَدْخُلُ الْكَافِرَةُ فِي ذَلِكَ بِالْمَعْنَى ، كَمَا دَخَلَ الْكَافِرُ فِي النَّهْيِ عَنِ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلزَّوْجِيَّةِ فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى ، وَنَقَلَ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ : تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَرَدَّ عَلَى قَائِلِهِ وَبَيَّنَ فَسَادَ شُبْهَتِهِ فَأَجَادَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَيَّدَ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ ؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِفَ بِهِ هُوَ الَّذِي يَنْقَادُ لِلشَّرْعِ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( عَلَى مَيِّتٍ ) اسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ : لَا إِحْدَادَ عَلَى امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ وَفَاتُهُ ، خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا عَلَى زَوْجٍ ) أُخِذَ مِنْ هَذَا الْحَصْرِ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي غَيْرِ الزَّوْجِ أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَصَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحُدَّ عَلَى أَبِيهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ، وَعَلَى مَنْ سِوَاهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَوْ صَحَّ لَكَانَ خُصُوصُ الْأَبِ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ ، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ ؛ لِأَنَّ جُلَّ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنِ التَّابِعِينَ وَلَمْ يَرْوِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ عَنْ بَعْضِ صِغَارِ الصَّحَابَةِ . وَوَهِمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَتَعَقَّبَ عَلَى أَبِي دَاوُدَ تَخْرِيجَهُ فِي الْمَرَاسِيلِ فَقَالَ : عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ لَيْسَ تَابِعِيًّا ، فَلَا يَخْرُجُ حَدِيثُهُ فِي الْمَرَاسِيلِ ، وَهَذَا التَّعَقُّبُ مَرْدُودٌ ؛ لِمَا قُلْنَاهُ ، وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَبُو دَاوُدَ كَانَ لَا يَخُصُّ الْمَرَاسِيلَ بِرِوَايَةِ التَّابِعِيِّ كَمَا هُـوَ مَنْقُولٌ عَنْ غَيْرِهِ أَيْضًا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِلْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَنْ لَا إِحْدَادَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ ، فَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَلَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا إِجْمَاعًا ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْبَائِنِ ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ : لَا إِحْدَادَ ، وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ ، وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ الْإِحْدَادَ شُرِعَ ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ مِنَ التَّطَيُّبِ وَاللُّبْسِ وَالتَّزَيُّنِ يَدْعُو إِلَى الْجِمَاعِ ، فَمُنِعَتِ الْمَرْأَةُ مِنْهُ زَجْرًا لَهَا عَنْ ذَلِكَ فَكَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا فِي حق الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ الْمَوْتُ عَنْ مَنْعِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْهُ عَنِ التَّزْوِيجِ ، وَلَا تُرَاعِيهِ هِيَ وَلَا تَخَافُ مِنْهُ ، بِخِلَافِ الْمُطَلِّقِ الْحَيِّ فِي ذَلِكَ ، وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَتِ الْعِدَّةُ عَلَى كُلِّ مُتَوَفًّى عَنْهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا وَبِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ يُمْكِنُهَا الْعَوْدُ إِلَى الزَّوْجِ بِعَيْنِهِ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُلَاعَنَةَ لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَرْكَهُ لِفِقْدَانِ الزَّوْجِ بِعَيْنِهِ لَا لِفِقْدَانِ الزَّوْجِيَّةِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْإِحْدَادِ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ مِنْ قَرِيبٍ وَنَحْوِهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَمَا دُونَهَا ، وَتَحْرِيمُهُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا ، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ أُبِيحَ لِأَجْلِ حَظِّ النَّفْسِ وَمُرَاعَاتِهَا وَغَلَبَةِ الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ ، وَلِهَذَا تَنَاوَلَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الطِّيبَ لِتَخْرُجَا عَنْ عُهْدَةِ الْإِحْدَادِ ، وَصَرَّحَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِأَنَّهَا لَمْ تَتَطَيَّبْ لِحَاجَةٍ ؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ آثَارَ الْحُزْنِ بَاقِيَةٌ عِنْدَهَا ، لَكِنَّهَا لَمْ يَسَعْهَا إِلَّا امْتِثَالُ الْأَمْرِ . قَوْلُهُ : ( أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) قِيلَ : الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْوَلَدَ يَتَكَامَلُ تَخْلِيقُهُ وَتُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَ مُضِيِّ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، وَهِيَ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بِنُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ فَجُبِرَ الْكَسْرُ إِلَى الْعَقْدِ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ ، وَذَكَرَ الْعَشْرَ مُؤَنَّثًا لِإِرَادَةِ اللَّيَالِي ، وَالْمُرَادُ مَعَ أَيَّامِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، فَلَا تَحِلُّ حَتَّى تَدْخُلَ اللَّيْلَةَ الْحَادِيَةَ عَشَرَ . وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَبَعْضِ السَّلَفِ : تَنْقَضِي بِمُضِيِّ اللَّيَالِي الْعَشْرِ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَشْهُرِ وَتَحِلُّ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ ، وَاسْتُثْنِيَتِ الْحَامِلُ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُ حَالِهَا قَبْلُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ قَوِيِّ الْإِسْنَادِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ قَتْلِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ : لَا تُحِدِّي بَعْدَ يَوْمِكِ هَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِابْنِ حِبَّانَ ، وَالطَّحَاوِيِّ : لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ أَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تَسَلَّبِي ثَلَاثًا ، ثُمَّ اصْنَعِي مَا شِئْتِ قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِحْدَادُ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بَعْدَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ كَانَتْ زَوْجَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالِاتِّفَاقِ وَهِيَ وَالِدَةُ أَوْلَادِهِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَعَوْنٍ وَغَيْرِهِمْ ، قَالَ : بَلْ ظَاهِرُ النَّهْيِ أَنَّ الْإِحْدَادَ لَا يَجُوزُ ، وَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ جَعْفَرًا قُتِلَ شَهِيدًا ، وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ . قَالَ : وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ غَيْرِ جَعْفَرٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ مِمَّنْ قُطِعَ بِأَنَّهُمْ شُهَدَاءُ كَمَا قُطِعَ لِجَعْفَرٍ - كَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمِّهِ وَكَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَالِدِ جَابِرٍ - اهـ كَلَامُ شَيْخِنَا مُلَخَّصًا . وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، وَأَنَّ الْإِحْدَادَ كَانَ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ فِي بَعْضِ عِدَّتِهَا فِي وَقْتٍ ، ثُمَّ أُمِرَتْ بِالْإِحْدَادِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، ثُمَّ سَاقَ أَحَادِيثَ الْبَابِ ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّسْخِ . لَكِنَّهُ يُكْثِرُ مِنِ ادِّعَاءِ النَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ فَجَرَى عَلَى عَادَتِهِ ، وَيَحْتَمِلُ وَرَاءَ ذَلِكَ أَجْوِبَةً أُخْرَى : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِحْدَادِ الْمُقَيَّدِ بِالثَّلَاثِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْإِحْدَادِ الْمَعْرُوفِ فَعَلَتْهُ أَسْمَاءُ مُبَالَغَةً فِي حُزْنِهَا عَلَى جَعْفَرٍ فَنَهَاهَا عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ الثَّلَاثِ . ثَانِيهَا : أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا فَوَضَعَتْ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ ، فَنَهَاهَا بَعْدَهَا عَنِ الْإِحْدَادِ ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي عِنْدَ الثَّلَاثِ . ثَالِثُهَا : لَعَلَّهُ كَانَ أَبَانَهَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ اسْتِشْهَادِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا إِحْدَادٌ . رَابِعُهَا : أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَعَلَّ الْحَدِيثَ بِالِانْقِطَاعِ ، فَقَالَ : لَمْ يَثْبُتْ سَمَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِدَّادٍ مِنْ أَسْمَاءَ ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ مَدْفُوعٌ ، فَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ ، لَكِنَّهُ قَالَ : إِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الْإِحْدَادِ ، قُلْتُ : وَهُوَ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ يُعِلُّهُ بِالشُّذُوذِ . وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ حَنْظَلَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : لَا إِحْدَادَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَقَالَ : هَذَا مُنْكَرٌ ، وَالْمَعْرُوفُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رَأْيِهِ . اهـ . وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ الْمُعْتَدَّةِ فَلَا نَكَارَةَ فِيهِ ، بِخِلَافِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَغْرَبَ ابْنُ حِبَّانَ فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ : تَسَلَّمِي بِالْمِيمِ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ أَمَرَهَا بِالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَلَا مَفْهُومَ لِتَقْيِيدِهَا بِالثَّلَاثِ بَلِ الْحِكْمَةُ فِيهِ كَوْنُ الْقَلَقِ يَكُونُ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ أَشَدَّ فَلِذَلِكَ قَيَّدَهَا بِالثَّلَاثِ ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ ، فَصَحَّفَ الْكَلِمَةَ وَتَكَلَّفَ لِتَأْوِيلِهَا . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِ : فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتَسَلَّبَ ثَلَاثًا فَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تُحِدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا · ص 394 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا · ص 2 ( باب تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا ) أي هذا باب فيه تحد ... إلى آخره ، قال بعضهم : تحد بضم أوله وكسر ثانيه من الرباعي . قلت : هذا ليس باصطلاح أهل الصرف ، بل يقال : هذا من الثلاثي المزيد فيه من أحد على وزن أفعل ، يحد إحدادا ، وقال ثعلب : يقال : حدت المرأة على زوجها تحد وتحد حدادا ، إذا تركت الزينة فهي حاد ، ويقال أيضا : أحدت فهي محدود ، وقال الفراء : إنما كانت بغير هاء لأنها لا تكون للذكر . وقال ابن درستويه : المعنى أنها منعت الزينة نفسها والطيب بدنها ، ومنعت بذلك الخطاب خطبتها والطمع فيها ، كما منع حد السكين ، وحد الدار ما منعها . وفي نوادر اللحياني بأحد جاء الحديث : "لا يحد" ، قال : وحكى الكسائي عن عقيل حدت بغير ألف ، وفي شرح الدميري يروى بالحاء وبالجيم ، وبالحاء أشهر ، وبالجيم مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته ، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة وما كانت عليه أولا قبل ذلك ، وفي تقويم المسد لأبي حاتم أبي الأصمعي : حدت ، ولم يعرف إلا أحدت . وقال الزهري : لا أرى أن تقرب الصبية المتوفى عنها الطيب لأن عليها العدة أي قال محمد بن مسلم الزهري : قوله " الصبية " بالرفع على الفاعلية ، والطيب بالنصب على المفعولية ، وقال الكرماني : ويروى بالعكس وهو ظاهر ، وإنما ذكر الصبية لأن فيه خلافا ، فعند أبي حنيفة لا حداد عليها ، وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور : عليها الحداد . قوله : " لأن عليها العدة " أي على الصبية ، أشار بهذا إلى أنها كالبالغة في وجوب العدة . 74 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن حميد بن نافع ، عن زينب ابنة أبي سلمة ، أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة ، قالت زينب : دخلت على أم حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب ، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره ، فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ، ثم قالت : والله ما لي بالطيب من حاجة ، غير أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" . قالت زينب : فدخلت على زينب ابنة جحش حين توفي أخوها ، فدعت بطيب فمست منه ثم قالت : أما والله ما لي بالطيب من حاجة ، غير أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " . قالت زينب : وسمعت أم سلمة تقول : جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها ، أفتكحلها ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا " مرتين أو ثلاثا ، كل ذلك يقول : لا ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما هي أربعة أشهر وعشرا ، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول . قال حميد : فقلت لزينب : وما ترمي بالبعرة على رأس الحول ؟ فقالت زينب : كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ، ولم تمس طيبا حتى تمر بها سنة ، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتفتض به ، فقلما تفتض بشيء إلا مات ، ثم تخرج فتعطى بعرة ، فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره . سئل مالك - رحمه الله - : ما تفتض به ؟ قال : تمسح به جلدها . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وحميد بن نافع أبو أفلح الأنصاري ، وزينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد ، وهي بنت أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهي ربيبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وزعم ابن التين أنها لا رواية لها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقد أخرج لها مسلم حديثها : كان اسمي برة فسماني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب ، وأخرج لها البخاري حديثا تقدم في أوائل السيرة النبوية . وقال أبو عمر : ولدتها أمها بأرض الحبشة وقدمت بها ، وحفظت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت عند عبد الله بن زمعة بن الأسود ، فولدت له ، وكانت من أفقه نساء زمانها . والحديث الأول من الأحاديث الثلاثة المذكورة وهو عن أم حبيبة ، والحديث الثاني وهو عن زينب بنت جحش - قد مضيا في الجنائز في باب إحداد المرأة على غير زوجها ، فإنه أخرجه هناك عن إسماعيل عن مالك ... إلى آخره ، وأخرج الحديث الثالث وهو عن أم سلمة في الطب عن مسدد عن يحيى ، وأخرجه مسلم في الطلاق عن يحيى بن يحيى وغيره ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به ، وأخرجه الترمذي في النكاح عن إسحاق بن موسى الأنصاري عن مالك به ، وأخرجه النسائي في الطلاق ، وفي التفسير عن محمد بن عبد الأعلى وغيره ، وأخرجه ابن ماجه في الطلاق عن أبي بكر بن أبي شيبة به . قوله : " قالت زينب سمعت أم سلمة " هو موصول بالإسناد المذكور ، ووقع في الموطأ : سمعت أمي أم سلمة ، وزاد عبد الرزاق عن مالك بنت أبي أمية زوج النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : " جاءت امرأة " زاد النسائي من طريق الليث عن حميد بن نافع : جاءت امرأة من قريش ، وسماها ابن وهب في موطئه عاتكة بنت نعيم بن عبد الله . قوله : " وقد اشتكت عينها " قيل : يجوز فيه وجهان : ضم النون على الفاعلية على أن تكون العين هي المشتكية ، وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير الفاعل وهي المرأة ، وروي " عيناها " ، وكذا وقع في رواية مسلم قوله : " أفتكحلها " بضم الحاء . قوله : " لا " أي لا تكحلها ، وكذا في رواية شعبة عن حميد بن نافع ، وقال الكرماني : قيل هذا النهي ليس على وجه التحريم ، ولئن سلمنا أنه للتحريم ، فإذا كانت الضرورة فإن دين الله يسر ، يعني الحرمة تثبت إلا عند شدة الضرر والضرورة ، أو معناه لا تكتحل بحيث يكون فيه زينة . وقال النووي : فيه دليل على تحريم الاكتحال على الحادة ، سواء احتاجت إليه أم لا ، ورد عليه المنع المطلق لأن الضرورة مستثناة في الشرع . وفي الموطأ : " اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار" . ووجه الجمع بينهما أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل ، وإذا احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل ، وقيل : حديث الباب على من لم تتحقق الخوف على عينها ، ورد بأن في حديث شعبة : فحشوا على عينها ، وفي رواية ابن منده : رمدت رمدا شديدا وقد خشيت على بصرها . قوله : " مرتين أو ثلاثا " أي قال : لا تكتحل مرتين ، أو قال : لا ، ثلاث مرات . وقيل : يجوز الاكتحال ، ولو كان فيه طيب ، وحملوا النهي على التنزيه ، وقيل : النهي محمول على كحل مخصوص وهو ما يتزين به . قوله : " إنما هي أربعة أشهر وعشرا " كذا وقع في الأصل بالنصب على لفظ القرآن ، ويجوز بالرفع على الأصل . قيل : الحكمة فيه أن الولد يتكامل بخلقته وينفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين يوما ، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلة ، فيجبر الكسر إلى العدة على طريق الاحتياط ، وذكر العشر مؤنثا على إرادة الليالي ، والمراد مع أيامها عند الجمهور ، فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشرة ، وعند الأوزاعي وبعض السلف : تنقضي بمضي الليالي العشر بعد الأشهر ، وتحل في أول اليوم العاشر . قوله : " قال حميد " هو ابن نافع راوي الحديث ، وهو موصول بالإسناد المتقدم . قوله : " فقلت لزينب " هي بنت أم سلمة . قوله : " وما ترمي بالبعرة " أي : بيني لي المراد بهذا الكلام الذي خوطبت به هذه المرأة . قوله : " فقالت زينب كانت المرأة ... " إلخ ، هكذا وقع غير مسند . قوله : " حفشا " بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء ، وبالشين المعجمة فسره أبو داود في روايته من طريق مالك بالبيت الصغير ، وعند النسائي من طريق ابن القاسم عن مالك : الحفش الخص ، بضم الخاء المعجمة وبالصاد المهملة . وقال الشافعي : الحفش البيت الذليل الشعث البناء ، وقيل : هو شيء من خوص يشبه القفة تجمع فيه المعتدة متاعها من غزل ونحوه ، وقيل : بيت صغير حقير قريب السمك ، وقيل : بيت صغير ضيق لا يكاد يتسع للتقلب ، وقال أبو عبيد : الحفش الدرج ، وجمعه أحفاش ، شبه بيت الحادة في صغره بالدرج ، وقال الخطابي : سمي حفشا لضيقه وانضمامه ، والتحفش الانضمام والاجتماع . قوله : " حتى تمر بها " وفي رواية الكشميهني : " لها " باللام . قوله : " ثم تؤتى بدابة " بالتنوين ، قوله : " حمار " بالجر والتنوين على البداية ، قوله : " أو شاة أو طائر " كلمة " أو " فيه للتنويع ، وإطلاق الدابة على ما ذكر بطريق اللغة لا بطريق العرف . قوله : " فتفتض به " بالفاء ثم التاء المثناة من فوق ثم بضاد معجمة ، وقال الخطابي : من فضضت الشيء إذا كسرته أو فرقته ، أي إنها كانت تكسر ما كانت فيه من الحداد بتلك الدابة ، وقال الأخفش : معناه تنظف به ، وهو مأخوذ من الفضة تشبيها له بنقائها وبياضها . وقال القتبي : سألت الحجازيين عنها فقالوا : إن المعتدة كانت لا تغتسل ولا تمس ماء ولا تقلم ظفرا ، وتخرج بعد الحول بأقبح منظر ، ثم تفتض أي تكسر ما هي فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها ، وتنبذه فلا يكاد يعيش . وفسره مالك بقوله : تفتض به تمسح به جلدها ، كالنشرة كما يجيء الآن . وقال ابن وهب : تمسح بيدها عليه وعلى ظهره ، وقيل : معناه تمسح به ، ثم تفتض أي تغتسل بالماء العذب حتى تصير بيضاء نقية كالفضة . وقال الخليل : الفضض الماء العذب ، يقال : افتضضت به أي اغتسلت به . وقيل : تفتض أي تفارق ما كانت عليه . وذكر الأزهري أن الشافعي - رحمه الله تعالى - رواه " تقبص " بالقاف وبالياء الموحدة والصاد المهملة ، وهو الأخذ بأطراف الأصابع . وقراءة الحسن : ( فقبصت قبصة من أثر الرسول ) ، والمعروف الأول . وقال الكرماني : يحتمل أن يكون الباء في تفتض به للتعدية أو زائدة ، يعني تفتض الطائر بأن تكسر بعض أعضائه ، ولعل غرضهن منه الإشعار بإهلاك ما كن فيه ، ومن الرمي الانفصال منه بالكلية . قوله : " فتعطى " على صيغة المجهول ، قوله : " بعرة " بفتح النون وسكونها ، قوله : " فترمي بها " أي بتلك البعرة ، وفي رواية مطرف وابن الماجشون عن مالك : ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل ، فترمي بها أمامها ، فيكون ذلك إحلالا لها ، وفي رواية ابن وهب : ترمي ببعرة من بعر الغنم من وراء ظهرها ، ثم قيل : المراد برمي البعرة إشارة إلى أنها رمت العدة رمي البعرة ، وقيل : إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربص والصبر على البلاء الذي كانت فيه لما انقضى كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها استخفافا واستحقارا وتعظيما لحق زوجها ، وقيل : بل ترميها على سبيل التفاؤل لعدم عودها إلى ذلك . قوله : " سئل مالك ما تفتض " أي ما معناه .