89 - بَاب الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 483 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ : رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَتَحَرَّى أَمَاكِنَ مِنْ الطَّرِيقِ ، فَيُصَلِّي فِيهَا ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا ، وَأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الْأَمْكِنَةِ ، وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الْأَمْكِنَةِ ، وَسَأَلْتُ سَالِمًا فَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا وَافَقَ نَافِعًا فِي الْأَمْكِنَةِ كُلِّهَا ، إِلَّا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي مَسْجِدٍ بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ . 801 قَوْلُهُ : ( بَابُ الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ ) أَيْ : فِي الطُّرُقِ الَّتِي بَيْنَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَمَكَّةَ ، وَقَوْلُهُ : ( وَالْمَوَاضِعُ ) أَيِ : الْأَمَاكِنُ الَّتِي تُجْعَلُ مَسَاجِدَ . قَوْلُهُ : ( وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ ) الْقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، وَلَمْ يَسُقِ الْبُخَارِيُّ لَفْظَ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، بَلْ سَاقَ لَفْظَ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ ذِكْرُ سالم ، بَلْ ذِكْرُ نَافِعٍ فَقَطْ ، وَقَدْ دَلَّتْ رِوَايَةُ فُضَيْلٍ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ سَالِمٍ ، وَنَافِعٍ مُتَّفِقَتَانِ إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ، وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ رِوَايَةَ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ لِكَوْنِهِ أَتْقَنَ مِنْ فُضَيْلٍ . وَمُحَصِّلُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَبَرَّكُ بِتِلْكَ الْأَمَاكِنِ ، وَتَشَدُّدُهُ فِي الِاتِّبَاعِ مَشْهُورٌ ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى النَّاسَ فِي سَفَرٍ يَتَبَادَرُونَ إِلَى مَكَانٍ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالُوا : قَدْ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : مَنْ عُرِضَتْ لَهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَإِلَّا فَلْيَمْضِ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ ؛ لِأَنَّهُمْ تَتَبَّعُوا آثَارَ أَنْبِيَائِهِمْ ، فَاتَّخَذُوهَا كَنَائِسَ وَبِيَعًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ زِيَارَتَهُمْ لِمِثْلِ ذَلِكَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ أَوْ خَشِيَ أَنْ يُشْكِلَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فَيَظُنَّهُ وَاجِبًا ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَأْمُونٌ مِنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِتْبَانَ وَسُؤَالُهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ لِيَتَّخِذَهُ مُصَلًّى وَإِجَابَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى ذَلِكَ ، فَهُوَ حُجَّةٌ فِي التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 675 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي · ص 591 89 - باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم خرج فيه حديثين : أحدهما : قال : 483 - ثنا محمد بن بكر المقدمي : ثنا فضيل بن سليمان : ثنا موسى بن عقبة ، قال : رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها ، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها ، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة . وحدثني نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يصلي في تلك الأمكنة . وسألت سالما ، ولا أعلمه إلا وافق نافعا في الأمكنة كلها ، إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء قد ذكرنا فيما سبق في باب : اتخاذ المساجد في البيوت حكم اتباع آثار النبي صلى الله عليه وسلم ، والصلاة في مواضع صلاته ، وأن ابن عمر كان يفعل ذلك ، وكذلك ابنه سالم . وقد رخص أحمد في ذلك على ما فعله ابن عمر ، وكره ما أحدثه الناس بعد ذلك من الغلو والإفراط ، والأشياء المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة . وقد كان ابن عمر مشهورا بتتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك صلاته في المواضع التي كان يصلي فيها . وهي على نوعين : أحدهما : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصده للصلاة فيه ، كمسجد قباء ، ويأتي ذكره في موضعه من الكتاب - إن شاء الله تعالى . والثاني : ما صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقا لإدراك الصلاة له عنده ، فهذا هو الذي اختص ابن عمر باتباعه . وقد روى ابن سعد : أنا معن بن عيسى : ثنا عبد الله بن المؤمل ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن عائشة ، قالت : ما كان أحد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله ، كما كان ابن عمر يتبعه . وروى أبو نعيم من رواية خارجة بن مصعب ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، قال : لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتبع أثر النبي صلى الله عليه وسلم لقلت : هذا مجنون . ومن طريق عاصم الأحول ، عمن حدثه ، قال : كان ابن عمر إذا رآه أحد ظن أن به شيئا من تتبعه آثار النبي صلى الله عليه وسلم . ومن طريق أبي مودود ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان في طريق مكة يقود برأس راحلته يثنيها ، ويقول : لعل خفا يقع على خف - يعني : خف راحلة النبي صلى الله عليه وسلم . والمسجد الذي وقع فيه الاختلاف بشرف الروحاء ، والروحاء من الفرع ، بينها وبين المدينة مرحلتان ، يقال : بينهما أربعون ميلا ، وقيل : ثلاثون ميلا . وفي صحيح مسلم : بينهما ستة وثلاثون ميلا . يقال : إنه نزل بها تُبّع حين رجع من قتال أهل المدينة يريد مكة ، فأقام بها وأراح ، فسماها : الروحاء . وقيل : إن بها قبر مضر بن نزار . وقد روى الزبير بن بكار بإسناد له ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم : صلى بشرف الروحاء ، عن يمين الطريق وأنت ذاهب إلى مكة ، وعن يسارها وأنت مقبل من مكة . ودون هذا الشرف الذي به هذا المسجد موضع يقال له : السيالة ، ضبطها صاحب معجم البلدان بتخفيف الياء ، كان قرية مسكونة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وبها آثار البناء والأسواق ، وآخرها شرف الروحاء ، والمسجد المذكور عنده قبور عتيقة ، كانت مدفن أهل السيالة ، ثم تهبط منه في وادي الروحاء ، ويعرف اليوم بوادي بني سالم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المساجد التي على طرق المدينة · ص 268 ( باب المساجد التي على طرق المدينة ، والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ) أي هذا باب في بيان المساجد في الطرق التي بين المدينة النبوية ومكة المشرفة ، وفي أكثر النسخ على طرق المدينة ، والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم . 140 - حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، قال : حدثنا فضيل بن سليمان ، قال : حدثنا موسى بن عقبة ، قال : رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها ، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها ، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة ، وحدثني نافع ، عن ابن عمر أنه كان يصلي في تلك الأمكنة ، وسألت سالما ، فلا أعلمه إلا وافق نافعا في الأمكنة كلها ، إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة ، الأول : محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم ، على وزن اسم المفعول البصري ، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين . الثاني : فضيل ، بضم الفاء ، وفتح الضاد المعجمة ، وسكون الياء آخر الحروف ، النميري ، بضم النون . الثالث : موسى بن عقبة ، بضم العين ، وسكون القاف ، وفتح الباء الموحدة ، تقدم في باب إسباغ الوضوء . الرابع : سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، تقدم في باب الحياء من الإيمان . الخامس : نافع مولى ابن عمر ، وقد تكرر ذكره . السادس : عبد الله بن عمر . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه الرواية بصيغة الماضي للتكلم ، وفيه صيغة التحديث بلفظ المضارع المفرد ، وبلفظ الماضي المفرد ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه أن رواته ما بين بصري ومدني . ( ذكر معناه ، وما يستفاد منه ) . قوله : ( يتحرى ) ، أي : يقصد ويختار ويجتهد . قوله : ( أن أباه ) ، أي : عبد الله بن عمر بن الخطاب . قوله : ( وأنه ) ، أي : وأن أباه رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا مرسل من سالم ، إذ ما اتصل سنده . قوله : ( وحدثني نافع ) القائل ذلك هو موسى بن عقبة ، وهو عطف على رأيت ، أي : قال موسى : وحدثني ، وسألت أيضا عطف عليه . قوله : ( بشرف الروحاء ) ، وهو موضع ارتفع من مكان الروحاء ، وهي بحاء مهملة ممدودة ، قال أبو عبيد الله البكري : هي قرية جامعة لمزينة على ليلتين من المدينة بينهما أحد وأربعون ميلا ، وقال كثير عزة : سميت الروحاء لكثرة أرواحها ، وبالروحاء بناء يزعمون أنه قبر مضر بن نزار ، وقال أبو عبيد ، والنسبة إليهما روحاني على غير قياس ، وقد قيل : روحاوي على القياس ، وفي ( كتاب الجبال ) للزمخشري : بين المدينة ، والروحاء أربعة برد إلا ثلاثة أميال ، وفي ( صحيح مسلم ) في باب الأذان ستة وثلاثون ميلا ، وفي كتاب ابن أبي شيبة على ثلاثين ميلا ، وقال ابن قرقول : هي من عمل الفرع على نحو من أربعين ميلا من المدينة ، وقال أبو عبيد روى نافع ، عن مولاه أن بهذا الموضع المسجد الصغير دون الموضع الذي بالشرف ، قال : وروى أصحاب الزهري عنه عن حنظلة بن علي ، عن أبي هريرة : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم عليهما السلام بفج روحاء حاجا ، أو معتمرا ، أو بثنيتها ) ، وفي رواية الأعرج عن أبي هريرة مثله ، وروى غير واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ، وقد وصل المسجد الذي ببطن الروحاء عند عرق الظبية : هذا واد من أودية الجنة ، وصلى في هذا الوادي قبلي سبعون نبيا عليهم السلام ، وقد مر به موسى بن عمران حاجا أو معتمرا في سبعين ألفا من بني إسرائيل ، ( فإن قلت ) : قد جاء عن عمر بن الخطاب خلاف فعل ابنه ، روى المعرور بن سويد : كان عمر في سفر ، فصلى الغداة ، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه ويقولون : صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم واتخذوها كنائس وبيعا ، فمن عرضت له الصلاة فليصل ، وإلا فليمض ، ( قلت ) : إن عمر إنما خشي أن يلتزم الناس الصلاة في تلك المواضع حتى يشكل على من يأتي بعدهم فيرى ذلك واجبا ، وعبد الله بن عمر كان مأمونا من ذلك ، وكان يتبرك بتلك الأماكن وتشدده في الاتباع مشهور ، وغيره ليس في هذا المقام .