2 بَاب وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ 5355 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ . تَقُولُ الْمَرْأَةُ : إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي ، وَيَقُولُ الْعَبْدُ : أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي ، وَيَقُولُ الِابْنُ : أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي ؟ فَقَالُوا : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : لَا ، هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ . 5356 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَهْلِ فِي التَّرْجَمَةِ الزَّوْجَةُ ، وَعَطْفُ الْعِيَالِ عَلَيْهَا مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ الزَّوْجَةُ وَالْأَقَارِبُ ، وَالْمُرَادُ بِالْعِيَالِ الزَّوْجَةُ وَالْخَدَمُ ، فَتَكُونُ الزَّوْجَةُ ذُكِرَتْ مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا لِحَقِّهَا ، وَوُجُوبُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ تَقَدَّمَ دَلِيلُهُ أَوَّلَ النَّفَقَاتِ . وَمِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَنِ التَّكَسُّبِ لِحَقِّ الزَّوْجِ ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْوُجُوبِ ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهَا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا بِالْكِفَايَةِ ، وَالشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ - كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ - إِلَى أَنَّهَا بِالْأَمْدَادِ ، وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ كَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ : هُوَ الْقِيَاسُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ إِذَا لَمْ يُنْفِقِ الرَّجُلُ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ . وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا لَوْ قُدِّرَتْ بِالْحَاجَةِ لَسَقَطَتْ نَفَقَةُ الْمَرِيضَةِ وَالْغَنِيَّةِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ ، فَوَجَبَ إِلْحَاقُهَا بِمَا يُشْبِهُ الدَّوَامَ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاسْتِقْرَارِ فِي الذِّمَّةِ ، وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ فَاعْتَبِرُوا الْكَفَّارَةَ بِهَا وَالْأَمْدَادُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْكَفَّارَةِ وَيَخْدِشُ فِي هَذَا الدَّلِيلِ أَنَّهُمْ صَحَّحُوا الِاعْتِيَاضَ عَنْهُ ، وَبِأَنَّهَا لَوْ أَكَلَتْ مَعَهُ عَلَى الْعَادَةِ سَقَطَتْ بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ فِيهِمَا ، وَالرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ أَنَّ الْوَاجِبَ الْكِفَايَةُ ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ الْإِجْمَاعَ الْفِعْلِيَّ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافُهُ . قَوْلُهُ : ( أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ ، وَبَيَانُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : وَالْيَدُ الْعُلْيَا وَقَوْلُهُ : وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أَيْ : بِمَنْ يَجِبُ عَلَيْكَ نَفَقَتُهُ ، يُقَالُ : عَالَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ إِذَا مَانَهُمْ ، أَيْ : قَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ قُوتٍ وَكِسْوَةٍ . وَهُوَ أَمْرٌ بِتَقْدِيمِ مَا يَجِبُ عَلَى مَا لَا يَجِبُ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : اخْتُلِفَ فِي نَفَقَةِ مَنْ بَلَغَ مِنَ الْأَوْلَادِ وَلَا مَالَ لَهُ وَلَا كَسْبَ ، فَأَوْجَبَتْ طَائِفَةٌ النَّفَقَةَ لِجَمِيعِ الْأَوْلَادِ أَطْفَالًا كَانُوا أَوْ بَالِغِينَ ، إِنَاثًا وَذُكْرَانًا ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمْوَالٌ يَسْتَغْنُونَ بِهَا ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَبْلُغَ الذَّكَرُ أَوْ تَتَزَوَّجَ الْأُنْثَى ، ثُمَّ لَا نَفَقَةَ عَلَى الْأَبِ إِلَّا إِنْ كَانُوا زَمْنَى ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ أَمْوَالٌ فَلَا وُجُوبَ عَلَى الْأَبِ . وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ وَلَدَ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ بِالْوَلَدِ فِي ذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : تَقُولُ الْمَرْأَةُ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِهِ : فَقِيلَ : مَنْ أَعُولُ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : امْرَأَتَكَ ، الْحَدِيثَ ، وَهُوَ وَهْمٌ ، وَالصَّوَابُ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ بِهِ ، وَفِيهِ : فَسُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةُ : مَنْ تَعُولُ يَا أَبَا هُـرَيْرَةَ وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا بَعْضُ الشُّرَّاحِ ، وَغَفَلَ عَنِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَرَجَّحَ مَا فَهِمَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمَرْأَةُ تَقُولُ لِزَوْجِهَا : أَطْعِمْنِي وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ فِي حِفْظِ عَاصِمٍ شَيْئًا ، وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ ، وَكَذَا وَقَعَ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : تَقُولُ امْرَأَتُكَ إِلَخْ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْبَابِ : لَا هَـذَا مِنْ كِيسٍ أَبِي هُرَيْرَةَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْمَذْكُورَةِ : قَالُوا : يَا أَبَا هُـرَيْرَةَ ، شَيْءٌ تَقُولُ مِنْ رَأْيكِ ، أَوْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : هَذَا مِنْ كِيسِي وَقَوْلُهُ : مِنْ كِيسِي هُوَ بِكَسْرِ الْكَافِ لِلْأَكْثَرِ ، أَيْ : مِنْ حَاصِلِهِ ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مِنَ اسْتِنْبَاطِهِ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ مَعَ الْوَاقِعِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِفَتْحِ الْكَافِ ، أَيْ : مِنْ فِطْنَتِهِ . قَوْلُهُ : ( تَقُولُ الْمَرْأَةُ : إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ بِسَنَدِ حَدِيثِ الْبَابِ : إِمَّا أَنْ تُنْفِقَ عَلَيَّ . قَوْلُهُ : ( وَيَقُولُ الْعَبْدُ : أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : وَيَقُولُ خَادِمُكَ : أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَبِعْنِي . قَوْلُهُ : ( وَيَقُولُ الِابْنُ : أَطْعِمْنِي ، إِلَى مَنْ تَدَعُنِي ؟ ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ : تَكِلُنِي وَهُوَ بِمَعْنَاهُ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مِنَ الْأَوْلَادِ لَهُ مَالٌ أَوْ حِرْفَةٌ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْأَبِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَقُولُ : إِلَى مِنْ تَدَعُنِي ؟ إِنَّمَا هُـوَ مَنْ لَا يَرْجِعُ إِلَى شَيْءٍ سِوَى نَفَقَةِ الْأَبِ ، وَمَنْ لَهُ حِرْفَةٌ أَوْ مَالٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى قَوْلِ ذَلِكَ . وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي ، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي مَنْ قَالَ : يُفَرَّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ إِذَا أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ وَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : يَلْزَمُهَا الصَّبْرُ ، وَتَتَعَلَّقُ النَّفَقَةُ بِذِمَّتِهِ . وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَأَجَابَ الْمُخَالِفُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفِرَاقُ وَاجِبًا لَمَا جَازَ الْإِبْقَاءُ إِذَا رَضِيَتْ ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِبْقَاءِ إِذَا رَضِيَتْ ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى عُمُومِ النَّهْيِ . وَطَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةً مِنَ التَّابِعِينَ قَالُوا : نَزَلَتْ فِيمَنْ كَانَ يُطَلِّقُ ، فَإِذَا كَادَتِ الْعِدَّةُ تَنْقَضِي رَاجَعَ ، وَالْجَوَابُ أَنَّ مِنْ قَاعِدَتِهِمْ : أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ . حَتَّى تَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ : اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ اتْرُكْ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ مَعَ أَنَّهُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْإِشَارَةِ بِالْأَيْدِي فِي التَّشَهُّدِ بِالسَّلَامِ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ ، وَهُنَا تَمَسَّكُوا بِالسَّبَبِ . وَاسْتُدِلَّ لِلْجُمْهُورِ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ ، فَإِنَّ مَنْ أَعْسَرَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ اتِّفَاقًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ · ص 410 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وجوب النفقة على الأهل والعيال · ص 14 ( باب وجوب النفقة على الأهل والعيال ) أي هذا باب في بيان وجوب النفقة على الأهل ، أراد به الزوجة هنا ، وعطف عليه العيال من باب عطف العام على الخاص ، وقد مضى الكلام في الأهل عن قريب ، وعيال الرجل من يعولهم ، أي : من يقوتهم وينفق عليهم ، وأصل عيال عوال ؛ لأنه من عال عيالة وعولا وعيالة إذا قاتهم ، قلبت الواو ياء لتحركها وانكسار ما قبلها ، وقال الجوهري : وواحد العيال عيل بتشديد الياء ، والجمع عيائل مثل جيد وجياد وجيائد . 90 - حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا أبو صالح قال : حدثني أبو هريرة - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أفضل الصدقة ما ترك غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول . تقول المرأة : إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ، ويقول العبد : أطعمني واستعملني ، ويقول الابن : أطعمني إلى من تدعني ؟ فقالوا : يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : لا ، هذا من كيس أبي هريرة . مطابقته للترجمة ظاهرة . وعمر بن حفص يروي عن أبيه حفص بن غياث ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي صالح ذكوان السمان . والحديث أخرجه النسائي في عشرة النساء ، عن محمد بن عبد العزيز . قوله : " ما ترك غنى " يعني ما لم يجحف بالمعطي ، أي إنها سهل عليه كما في قوله : " ما كان عن ظهر غنى " ، وقيل : معناه ما ساق إلى المعطى غنى ، والأول أوجه . قوله : " واليد العليا خير من اليد السفلى " قد مضى في الزكاة أقوال فيه ، وإن أصحها العليا المعطية والسفلى السائلة ، قوله : " وابدأ بمن تعول " ، أي : ابدأ في الإنفاق بعيالك ، ثم اصرف إلى غيرهم ، قوله : " تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني " ، وفي رواية النسائي عن محمد بن عبد العزيز ، عن حفص بن غياث بسند حديث الباب : إما أن تنفق علي . قوله : " ويقول العبد أطعمني واستعملني " ، وفي رواية الإسماعيلي : ويقول خادمك أطعمني وإلا فبعني ، قوله : " إلى من تدعني " ، وفي رواية النسائي والإسماعيلي : إلى من تكلني ، قوله : " من كيس أبي هريرة " قال صاحب التوضيح : أي من قوله ، والتحقيق فيه ما قاله الكرماني . الكيس بكسر الكاف الوعاء ، وهذا إنكار على السائلين عنه ، يعني : ليس هذا إلا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ففيه نفي يريد به الإثبات ، وإثبات يريد به النفي على سبيل التعكيس ، ويحتمل أن يكون لفظ هذا إشارة إلى الكلام الأخير إدراجا من أبي هريرة وهو تقول : المرأة إلى ... آخره ، فيكون إثباتا لا إنكارا ، يعني : هذا المقدار من كيسه فهو حقيقة في النفي والإثبات قال : وفي بعضها ، يعني في بعض الروايات بفتح الكاف ، يعني من عقل أبي هريرة وكياسته ، قال التيمي : أشار البخاري إلى أن بعضه من كلام أبي هريرة ، وهو مدرج في الحديث . وفي هذا الحديث أحكام : الأول : أن حق نفس الرجل يقدم على حق غيره . الثاني : أن نفقة الولد والزوجة فرض بلا خلاف . الثالث : أن نفقة الخدم واجبة أيضا . الرابع : استدل بقوله : " إما أن تطعمني وإما أن تطلقني " من قال : يفرق بين الرجل وامرأته إذا أعسر بالنفقة واختارت فراقه ، قال بعضهم : وهو قول جمهور العلماء ، وقال الكوفيون : يلزمها الصبر وتتعلق النفقة بذمته ، واستدل الجمهور بقوله تعالى : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ، وأجاب المخالف بأنه لو كان الفراق واجبا لما جاز الإبقاء إذا رضيت ، ورد عليه بأن الاجتماع دل على جواز الإبقاء إذا رضيت ، فبقي ما عداه على عموم النهي ، وبالقياس على الرقيق والحيوان ، فإن من أعسر بالإنفاق عليه أجبر على بيعه ، انتهى . قلت : الذي قاله الكوفيون هو قول عطاء بن أبي رباح ، وابن شهاب الزهري ، وابن شبرمة ، وأبي سليمان وعمر بن عبد العزيز ، هو المحكي عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - ، وروي عن عبد الوارث ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كتب عمر - رضي الله تعالى عنه - إلى أمراء الأجناد ادعوا فلانا وفلانا ، أناسا قد انقطعوا عن المدينة ورحلوا عنها ، إما أن يرجعوا إلى نسائهم ، وإما أن يبعثوا بنفقة إليهن ، وإما أن يطلقوا ويبعثوا بنفقة ما مضى . ولم يتعرض إلى شيء غير ذلك ، وقول هذا القائل ، وأجاب المخالف : هل أراد به أبا حنيفة أم غيره ؟ فإن أراد به أبا حنيفة فما وجه تخصيصه من بين هؤلاء وليس ذلك إلا من أريحة التعصب ؟ وإن أراد به غيره مطلقا كان ينبغي أن يقول : وأجاب المخالفون . ولا يتم استدلالهم بقوله تعالى : وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ؛ لأن ابن عباس ومجاهدا ومسروقا والحسن وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان وغير واحد قالوا هذا في الرجل كان يطلق امرأته ، فإذا قارب انقضاء العدة راجعها ضرارا لئلا تذهب إلى غيره ، ثم يطلقها فتعتد ، فإذا شارفت على انقضاء العدة يطلق ليطول عليها العدة ؛ فنهاهم الله عن ذلك وتوعدهم عليه ، فقال : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ، أي : بمخالفة أمر الله عز وجل ، فبطل استدلالهم بهذا . وعموم النهي ليس فيما قالوا ، وإنما هو في الذي ذكر عن ابن عباس ومن معه ، والقياس على الرقيق والحيوان قياس مع الفارق ، فلا يصح بيانه أن الرقيق والحيوان لا يملكان شيئا ، ولا يجد الرقيق من يسلفه ، ولا يصبران على عدم النفقة بخلاف الزوجة ، فإنها تصبر وتستدين على ذمة زوجها ، ولأن التفريق يبطل حقها وإبقاء النكاح يؤخر حقها إلى زمن اليسار عند فقره ، وإلى زمن الإحضار عند غيبته ، والتأخير أهون من الإبطال .