4 - بَاب مَنْ تَتَبَّعَ حَوَالَيْ الْقَصْعَةِ مَعَ صَاحِبِهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ كَرَاهِيَةً 5379 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ ، قَالَ أَنَسٌ : فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَأَيْتُهُ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الْقَصْعَةِ ، قَالَ : فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ تَتَبَّعَ حَوَالَيِ الْقَصْعَةِ مَعَ صَاحِبِهِ ) حَوَالَيْ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ ، أَيْ : جَوَانِبَ ، يُقَالُ : رَأَيْتُ النَّاسَ حَوْلَهُ وَحَوْلَيْهِ وَحَوَالَيْهِ وَاللَّامُ مَفْتُوحَةٌ فِي الْجَمِيعِ ، وَلَا يَجُوزُ كَسْرُهَا . قَوْلُهُ : ( إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ كَرَاهِيَةً ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي تَتَبُّعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّبَّاءَ مِنَ الصَّحْفَةِ ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ يُعَارِضُ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الْأَمْرِ بِالْأَكْلِ مِمَّا يَلِيهِ ، فَجَمَعَ الْبُخَارِيُّ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْجَوَازِ عَلَى مَا إِذَا عَلِمَ رِضَا مَنْ يَأْكُلْ مَعَهُ ، وَرَمَزَ بِذَلِكَ إِلَى تَضْعِيفِ حَدِيثِ عِكْرَاشٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ لَوْنًا وَاحِدًا فَلَا يَتَعَدَّى مَا يَلِيهِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ لَوْنٍ فَيَجُوزُ ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ : كَانَ الطَّعَامُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَرَقٍ وَدُبَّاءٍ وَقَدِيدٍ فَكَانَ يَأْكُلُ مِمَّا يُعْجِبُهُ وَهُوَ الدُّبَّاءُ وَيَتْرُكُ مَا لَا يُعْجِبُهُ وَهُوَ الْقَدِيدُ ، وَحَمَلَهُ الْكِرْمَانِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي بَابِ الْخَيَّاطِ مِنْ كِتَابِ الْبَيْعِ عَلَى أَنَّ الطَّعَامَ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ ، قَالَ : فَلَوْ كَانَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ لَكَانَ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَلِيهِ ، قُلْتُ : إِنْ أَرَادَ بِالْوَحْدَةِ أَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَأْكُلْ مَعَهُ فَمَرْدُودٌ ؛ لِأَنَّ أَنَسًا أَكَلَ مَعَهُ ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْمَالِكَ وَأَذِنَ لِأَنَسٍ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ فَلْيَطْرُدْهُ فِي كُلِّ مَالِكٍ وَمُضِيفٍ ، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ . وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنْ مَالِكٍ جَوَابًا يَجْمَعُ الْجَوَابَيْنِ الْمَذْكُورِينَ فَقَالَ : إِنَّ الْمُؤَاكِلَ لِأَهْلِهِ وَخَدَمِهِ يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ شَهْوَتَهُ حَيْثُ رَآهَا إِذَا عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ مِنْهُ ، فَإِذَا عَلِمَ كَرَاهَتَهُمْ لِذَلِكَ لَمْ يَأْكُلْ إِلَّا مِمَّا يَلِيهِ . وَقَالَ أَيْضًا : إِنَّمَا جَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّعَامِ ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَتَكَرَّهُ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا يَتَقَذَّرُهُ ، بَلْ كَانُوا يَتَبَارَكُونَ بِرِيقِهِ وَمُمَاسَّةِ يَدِهِ ، بَلْ كَانُوا يَتَبَادَرُونَ إِلَى نُخَامَتِهِ فَيَتَدَلَّكُونَ بِهَا ، فَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُتَقَذَّرْ مِنْ مُؤَاكِلِهِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ تَجُولَ يَدُهُ فِي الصَّحْفَةِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : إِذَا أَكَلَ الْمَرْءُ مَعَ خَادِمِهِ وَكَانَ فِي الطَّعَامِ نَوْعٌ مُنْفَرِدٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ وَحْدَهُ فَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْخَيَّاطَ أَقْبَلَ عَلَى عَمَلِهِ . قُلْتُ : هِيَ رِوَايَةُ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ ، لَكِنْ لَا يَثْبُتُ الْمُدَّعَى لِأَنَّ أَنَسًا أَكَلَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( إنَّ خَيَّاطًا ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ غُلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي لَفْظٍ : أَنَّ مَوْلًى لَهُ خَيَّاطًا دَعَاهُ . قَوْلُهُ : ( لِطَعَامٍ صَنَعَهُ ) كَانَ الطَّعَامُ الْمَذْكُورُ ثَرِيدًا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَنَسٌ : فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَأَيْتُهُ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ قُتَيْبَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِتَمَامِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ مَالِكٍ بِالزِّيَادَةِ وَلَفْظُهُ : فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ وَأَفَادَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ عَنْ مُسْتَخْرَجِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّ الْخُبْزَ الْمَذْكُورَ كَانَ خُبْزَ شَعِيرٍ ، وَغَفَلَ عَمَّا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الْمَرَقِ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ : خُبْزَ شَعِيرٍ وَالثَّانِي مِثْلُهُ ، وَكَذَا أَوْرَدَهُ بَعْدَ بَابٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِتَمَامِهِ ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، عَنْ قُتَيْبَةَ أَيْضًا ، وَقَدْ أَفْرَدَ الْبُخَارِيُّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ تَرْجَمَةً ، وَهِيَ الْمَرَقُ وَالدُّبَّاءُ وَالثَّرِيدُ وَالْقَدِيدُ . قَوْلُهُ : ( الدُّبَّاءُ ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ مَمْدُودٌ وَيَجُوزُ الْقَصْرُ ، حَكَاهُ الْقَزَّازُ ، وَأَنْكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، هُوَ الْقَرْعُ ، وَقِيلَ : خَاصٌّ بِالْمُسْتَدِيرِ مِنْهُ ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِلنَّوَوِيِّ أَنَّهُ الْقَرْعُ الْيَابِسُ ، وَمَا أَظُنُّهُ إِلَّا سَهْوًا ، وَهُوَ الْيِقْطِينُ أَيْضًا وَاحِدُهُ دُبَّاةٌ وَدِبَّةٌ ، وَكَلَامُ أَبِي عُبَيْدٍ الْهَرَوِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْهَمْزَةَ زَائِدَةٌ ؛ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي دَبَبٍ ، وَأَمَّا الْجَوْهَرِيُّ فَأَخْرَجَهُ فِي الْمُعْتَلِّ عَلَى أَنَّ هَمْزَتَهُ مُنْقَلِبَةٌ ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ ، لَكِنْ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُ : لَا نَدْرِي هِيَ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ أَوْ يَاءٍ ، وَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَنَسٍ : فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ جَعَلْتُ أَجْمَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ : فَجَعَلْتُ أَجْمَعُهُ وَأُدْنِيهِ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ ) فِي رِوَايَةِ ثُمَامَةَ : قَالَ أَنَسٌ : لَا أَزَالُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ مَا صَنَعَ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ إِلَيْهِ وَلَا أَطْعَمُهُ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، وَعَاصِمٍ ، عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ ثَابِتٌ : فَسَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ : فَمَا صُنِعَ لِي طَعَامٌ بَعْدُ أَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُصْنَعَ فِيهِ دُبَّاءٌ إِلَّا صُنِعَ ، وَلِابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : بَعَثَتْ مَعِي أُمُّ سُلَيْمٍ بِمِكْتَلٍ فِيهِ رُطَبٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أَجِدْهُ ، وَخَرَجَ قَرِيبًا إِلَى مَوْلًى لَهُ دَعَاهُ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يَأْكُلُ فَدَعَانِي فَأَكَلْتُ مَعَهُ ، قَالَ : وَصُنِعَ لَهُ ثَرِيدَةً بِلَحْمٍ وَقَرْعٍ ، فَإِذَا هُـوَ يُعْجِبُهُ الْقَرْعُ ، فَجَعَلْتُ أَجْمَعُهُ فَأُدْنِيهِ مِنْهُ الْحَدِيثَ ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ بَعْضَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ : كَانَ يُعْجِبُهُ الْقَرْعُ وَلِلنَّسَائِيِّ : كَانَ يُحِبُّ الْقَرْعَ ، وَيَقُولُ : إِنَّهَا شَجَرَةُ أَخِي يُونُسَ وَيُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : فَلَمْ أَجِدْهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ ذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْمَعِيَّةَ بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ الْحَالُ ، وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْقِصَّةِ عَلَى بُعْدٍ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ أَكْلِ الشَّرِيفِ طَعَامَ مَنْ دُونَهُ مِنْ مُحْتَرِفٍ وَغَيْرِهِ وَإِجَابَةِ دَعَوْتِهِ ، وَمُؤَاكَلَةِ الْخَادِمِ ، وَبَيَانُ مَا كَانَ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّوَاضُعِ وَاللُّطْفِ بِأَصْحَابِهِ وَتَعَاهُدِهِمْ بِالْمَجِيءِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ ، وَفِيهِ الْإِجَابَةُ إِلَى الطَّعَامِ وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا وَمُنَاوَلَةُ الضِّيفَانِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مِمَّا وُضِعَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ مَنْ يَأْخُذُ مِنْ قُدَّامِ الْآخَرِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ . وَفِيهِ جَوَازُ تَرْكِ الْمُضِيفِ الْأَكْلَ مَعَ الضَّيْفِ ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَنَسٍ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْخَيَّاطَ قَدَّمَ لَهُمُ الطَّعَامَ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَمَلِهِ فَيُؤْخَذُ جَوَازُ ذَلِكَ مِنْ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ كَانَ قَلِيلًا فَآثَرَهُمْ بِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ مُكْتَفِيًا مِنَ الطَّعَامِ أَوْ كَانَ صَائِمًا أَوْ كَانَ شُغْلُهُ قَدْ تَحَتَّمَ عَلَيْهِ تَكْمِيلُهُ . وَفِيهِ الْحِرْصُ عَلَى التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْخَيْرِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي الْمَطَاعِمِ وَغَيْرِهَا . وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَنَسٍ لِاقْتِفَائِهِ أَثَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى فِي الْأَشْيَاءِ الْجِبِلِّيَّةِ ، وَكَانَ يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِاتِّبَاعِهِ فِيهَا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ : قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلْ بِيَمِينِكِ ) كَذَا ثَبَتَ هَذَا التَّعْلِيقُ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْحَمَوِيِّ ، والْكُشْمِيهَنِيِّ وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ وَهُوَ الْأَشْبَهُ ، وَقَدْ مَضَى مَوْصُولًا قَبْلَ بَابٍ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مَحَلَّهُ بَعْدَ التَّرْجَمَةِ الَّتِي تَلِيهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ تَتَبَّعَ حَوَالَيْ الْقَصْعَةِ مَعَ صَاحِبِهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ كَرَاهِيَةً · ص 434 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من تتبع حوالي القصعة مع صاحبه إذا لم يعرف منه كراهية · ص 30 ( باب من تتبع حوالي القصعة مع صاحبه إذا لم يعرف منه كراهية ) أي هذا باب في بيان جواز من تتبع حوالي القصعة ، أي : جوانبها ، وهو بفتح اللام يقال : رأيت الناس حوله وحوليه وحواليه ، واللام مفتوحة في الكل ، ولا يجوز كسرها . قوله : " إذا لم يعرف منه " ، أي : من الذي يتتبع حوالي القصعة أراد أن التتبع المذكور إنما لا يكره إذا لم يعرف منه كراهية . فإن قلت : هذا يخالف الحديث الذي قبله في الأمر بالأكل مما يليه . قلت : حمل البخاري هنا الجواز على ما إذا علم رضا من يأكل معه ، وقال بعضهم : رمز البخاري بذلك إلى تضعيف حديث عكراش الذي أخرجه الترمذي قال : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا العلاء بن فضل بن عبد الملك بن أبي سرية أبو الهذيل ، حدثنا عبيد الله بن عكراش ، عن أبيه عكراش بن ذؤيب قال : بعثني بنو مرة بن عبيد بصدقات أموالهم إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ، فقدمت المدينة فوجدته جالسا بين المهاجرين والأنصار ، قال : ثم أخذ بيدي فانطلق بي إلى بيت أم سلمة ، فقال : هل من طعام ؟ فأتتنا بجفنة كثيرة الثريد والودك ، فأقبلنا نأكل منها فخبطت بيدي في نواحيها وأكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بين يديه ، فقبض بيده اليسرى على يدي اليمنى ، ثم قال : يا عكراش كل من موضع واحد ، ثم أتتنا بطبق فيه ألوان التمر أو الرطب ، شك عبيد الله ، فجعلت آكل من بين يدي وجالت يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطبق ، قال : "يا عكراش كل من حيث شئت ، فإنه غير لون واحد" الحديث . ثم قال الترمذي : هذا حديث غريب ، وقد تفرد العلاء بهذا الحديث ، وقال ابن حبان : له صحبة ، غير أني لست بمعتمد على إسناد خبره ، وقال البخاري في التاريخ : روى عنه العلاء بن المفضل ، ولا يثبت . وقال أبو حاتم : مجهول ، وقال ابن حبان : منكر الحديث . قلت : ليت شعري ما دليل هذا القائل على أن البخاري رمز هنا إلى تضعيف هذا الحديث . 6 - حدثنا قتيبة ، عن مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، أنه سمع أنس بن مالك يقول : إن خياطا دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطعام صنعه ، قال أنس : فذهبت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأيته يتتبع الدباء من حوالي القصعة ، قال : فلم أزل أحب الدباء من يومئذ . مطابقته للترجمة ظاهرة . والحديث مضى في البيوع عن عبد الله بن يوسف ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : " الدباء " بضم الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة وبالمد ، وحكى القزاز القصر ، ووقع للنووي في شرح المهذب أنه القرع اليابس وما ذاك إلا سهو ، وواحده دباة ودبة ، ودبة تقتضي أن تكون الهمزة زائدة ، ويدل عليه أن الهروي أخرجه في باب دبب ، وأخرجه الجوهري على أن همزته منقلبة ، قال ابن الأثير : وكأنه أشبه ، وقال أيضا : ووزن الدباء فعال ، ولامه همزة ؛ لأنه لم يعرف انقلاب لامه عن واو أو ياء ، قاله الزمخشري .