5383 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَبِعْنَا مِنْ الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ . الثَّالثُ حَدِيثُ عَائِشَةَ : تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَبِعْنَا مِنَ الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ ) ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ شِبَعَهُمْ لَمْ يَقَعْ قَبْلَ زَمَانِ وَفَاتِهِ ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ : قُلْتُ : لَكِنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلْنَا : الْآنَ نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : مَا شَبِعْنَا حَتَّى فَتْحَنَا خَيْبَرَ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبِعَ حِينَ شَبِعُوا وَاسْتَمَرَّ شِبَعُهُمْ ، وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ فَتْحِ خَيْبَرَ ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثِ سِنِينَ ، وَمُرَادُ عَائِشَةَ بِمَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ مِنَ الشِّبَعِ هُوَ مِنَ التَّمْرِ خَاصَّةً دُونَ الْمَاءِ ، لَكِنْ قَرَنَتْهُ بِهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ تَمَامَ الشِّبَعِ حَصَلَ بِجَمْعِهِمَا ، فَكَأَنَّ الْوَاوَ فِيهِ بِمَعْنَى مَعَ ، لَا أَنَّ الْمَاءَ وَحْدَهُ يُوجَدُ الشِّبَعُ مِنْهُ ، وَلِمَا عَبَّرَتْ عَنِ التَّمْرِ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ السَّوَادُ ، عَبَّرَتْ عَنِ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الشِّبَعُ ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ : سَمِعْتُ صَوْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ : كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ فِي صَوْتِهِ لَمَّا تَكَلَّمَ إِذْ ذَاكَ الْفَخَامَةَ الْمَأْلُوفَةَ مِنْهُ ، فَحَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْجُوعِ بِقَرِينَةِ الْحَالِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى دَعْوَى ابْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجُوعُ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ : أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي وَتُعُقِّبَ بِالْحَمْلِ عَلَى تَعَدُّدِ الْحَالِ : فَكَانَ يَجُوعُ أَحْيَانَا ؛ لِيَتَأَسَّى بِهِ أَصْحَابُهُ ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ لَا يَجِدُ مَدَدًا وَأَدْرَكَهُ أَلَمُ الْجُوعِ صَبَرَ فَضُوعِفَ لَهُ ، وَقَدْ بَسَطْتُ هَذَا فِي مَكَانٍ آخَرَ . وَيُؤْخَذُ مِنْ قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ مِنْ أَدَبِ مَنْ يُضِيفُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَ الضَّيْفِ إِلَى بَابِ الدَّارِ تَكَرُّمَةً لَهُ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَوَازُ الشِّبَعِ ، وَأَنَّ تَرْكَهُ أَحْيَانَا أَفْضَلُ ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ سَلْمَانَ ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا فِي الْآخِرَةِ قَالَ الطَّبَرِيُّ : غَيْرَ أَنَّ الشِّبَعِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَإِنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ سَرَفٌ ، وَالْمُطْلَقُ مِنْهُ مَا أَعَانَ الْآكِلَ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ وَلَمْ يَشْغَلْهُ ثِقَلُهُ عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ . اهـ . وَحَدِيثُ سَلْمَانَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ ، وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ أَيْضًا ، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ أَبِي الْهَيْثَمِ إِذْ ذَبَحَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِصَاحِبَيْهِ الشَّاةَ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الشِّبَعِ ، وَمَا جَاءَ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى الشِّبَعِ الَّذِي يُثْقِلُ الْمَعِدَةَ وَيُثَبِّطُ صَاحِبَهُ عَنِ الْقِيَامِ لِلْعِبَادَةِ وَيُفْضِي إِلَى الْبَطَرِ وَالْأَشَرِّ وَالنَّوْمِ وَالْكَسَلِ ، وَقَدْ تَنْتَهِي كَرَاهَتُهُ إِلَى التَّحْرِيمِ بِحَسَبِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ . وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِابْنِ الْمُنِيرِ أَنَّ الشِّبَعَ الْمَذْكُورَ مَحْمُولٌ عَلَى شِبَعِهِمُ الْمُعْتَادِ مِنْهُمْ ، وَهُوَ أَنَّ الثُّلُثَ لِلطَّعَامِ وَالثُّلُثَ لِلشَّرَابِ وَالثُّلُثَ لِلنَّفْسِ ، وَيَحْتَاجُ فِي دَعْوَى أَنَّ تِلْكَ عَادَتُهُمْ إِلَى نَقْلٍ خَاصٍّ ، وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مَلَأَ آدَمِيٌ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ ، فَإِنْ غَلَبَ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ ، فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ الْأَسْمَاءِ : لَوْ سَمِعَ بُقْرَاطُ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ ، لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ قَبْلَهُ فِي بَابِ كَسْرِ الشَّهْوَتَيْنِ مِنْ الْإِحْيَاءِ ذُكِرَ هَذَا الْحَدِيثُ لِبَعْضِ الْفَلَاسِفَةِ فَقَالَ : مَا سَمِعْتُ كَلَامًا فِي قِلَّةِ الْأَكْلِ أَحْكَمَ مِنْ هَذَا . وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ أَثَرَ الْحِكْمَةِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَاضِحٌ ، وَإِنَّمَا خُصَّ الثَّلَاثَةُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَسْبَابُ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْبَطْنَ سِوَاهَا . وَهَلِ الْمُرَادُ بِالثُّلُثِ التَّسَاوِي عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ ، أَوِ التَّقْسِيمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُتَقَارِبَةٍ ؟ مَحَلُّ احْتِمَالٍ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّحَ بِذِكْرِ الثُّلُثِ إِلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَشْرِبَةِ فِي بَابِ شُرْبِ اللَّبَنِ لِلْبَرَكَةِ حَدِيثَ أَنَسٍ ، وَفِيهِ قَوْلُهُ : فَجَعَلْتُ لَا آلُو مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشِّبَعُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ طَعَامُ بَرَكَةٍ . قُلْتُ : وَهُوَ مُحْتَمِلٌ إِلَّا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، فَإِنَّ الْمُرَادُ بِهِ الشِّبَعُ الْمُعْتَادُ لَهُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْجُوعِ عَلَى رَأْيَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي الْإِحْيَاءِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْتَهِيَ الْخُبْزَ وَحْدَهُ ، فَمَتَى طَلَبَ الْأُدْمَ فَلَيْسَ بِجَائِعٍ . ثَانِيهُمَا أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ رِيقُهُ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الذُّبَابُ . وَذَكَرَ أَنَّ مَرَاتِبَ الشِّبَعِ تَنْحَصِرُ فِي سَبْعَةٍ : الْأَوَّلُ : مَا تَقُومُ بِهِ الْحَيَاةُ . الثَّانِي : أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَصُومَ وَيُصَلِّيَ عَنْ قِيَامٍ وَهَذَانِ وَاجِبَانِ . الثَّالِثُ : أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَقْوَى عَلَى أَدَاءِ النَّوَافِلِ . الرَّابِعُ : أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى التَّكَسُّبِ وَهَذَانِ مُسْتَحَبَّانِ . الْخَامِسُ : أَنْ يَمْلَأَ الثُّلُثَ وَهَذَا جَائِزٌ . السَّادِسُ : أَنْ يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ وَبِهِ يَثْقُلُ الْبَدَنُ وَيَكْثُرُ النَّوْمُ وَهَذَا مَكْرُوهٌ . السَّابِعُ : أَنْ يَزِيدَ حَتَّى يَتَضَرَّرَ ، وَهِيَ الْبِطْنَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا ، وَهَذَا حَرَامٌ . اهـ . وَيُمْكِنُ دُخُولُ الثَّالِثِ فِي الرَّابِعِ ، وَالْأَوَّلُ فِي الثَّانِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . تَنْبِيهٌ : وَقَعَ فِي سِيَاقِ السَّنَدِ : مُعْتَمِرٌ وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ أَيْضًا ، فَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَ عَنْ غَيْرِ أَبِي عُثْمَانَ ، ثُمَّ قَالَ : وَحَدَّثَ أَبُو عُثْمَانَ أَيْضًا . قُلْتُ : وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ أَبَا عُثْمَانَ حَدَّثَهُ بِحَدِيثٍ سَابِقٍ عَلَى هَذَا ، ثُمَّ حَدَّثَهُ بِهَذَا ، فَلِذَلِكَ قَالَ : أَيْضًا ، أَيْ : حَدَّثَ بِحَدِيثٍ بَعْدَ حَدِيثٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ أَكَلَ حَتَّى شَبِعَ · ص 438 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من أكل حتى شبع · ص 33 10 - حدثنا مسلم ، حدثنا وهيب ، حدثنا منصور ، عن أمه ، عن عائشة - رضي الله عنها - : توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - حين شبعنا من الأسودين التمر والماء . مطابقته للترجمة ظاهرة . ومسلم هو ابن إبراهيم البصري القصاب ، ووهيب مصغر وهب بن خالد البصري ، ومنصور هو ابن عبد الرحمن التيمي ، يروي عن أمه صفية بنت شيبة بن عثمان الحجبي . والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب ، عن يحيى بن يحيى وغيره . قوله : حين شبعنا ظرف كالحال معناه : ما شبعنا قبل زمان وفاته ، يعني : كنا متقللين من الدنيا زاهدين فيها ، هكذا فسره الكرماني وليس معناه هكذا ، وإنما معناه : توفي النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وقت كوننا شباعى من الأسودين ، والدليل على صحة ما قلنا ما مضى في غزوة خيبر من طريق عكرمة ، عن عائشة قالت : لما فتحت خيبر قلنا : الآن نشبع من التمر ، ومن حديث ابن عمر قال : ما شبعنا حتى فتحنا خيبر . وظهر من هذا أن ابتداء شبعهم كان من فتح خيبر ، وذلك قبل موته بثلاث سنين . قوله : من الأسودين تثنية الأسود ، وهما التمر والماء ، وهذا من باب التغليب ، وإن كان الماء شفافا لا لون له ، وذلك كالأبوين للأب والأم ، والقمرين للشمس والقمر ، والأحمرين للحم والشراب ، وقيل للذهب والزعفران ، والأبيضين للماء واللبن ، والأسمرين للماء والملح ، وكذلك قالوا العمرين لأبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - ، فغلبوا عمر لأنه أخف ، وأبعد من قال : هما عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز ، رضي الله تعالى عنهما . ويقال : هذه تسمية الشيء بما يقاربه ؛ لأن الأسود منهما التمر خاصة ، وقال الكرماني : فإن قلت : إنهم كانوا في سعة من الماء ، فأجاب بأن الري من الماء لم يكن يحصل لهم من دون الشبع من الطعام ، وقرنت بينهما لفقد التمتع بأحدهما دون الآخر ، وعبرت عن الأمرين الشبع والري بفعل واحد ، كما عبرت عن التمر والماء بوصف واحد وإن كان للماء الري لا الشبع . وقال ابن بطال : في هذه الأحاديث جواز الشبع ، وإن كان تركه أحيانا أفضل ، وقد ورد عن سليمان وأبي جحيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا في الآخرة . وقال الطبري : الشبع وإن كان مباحا فإن له حدا ينتهي إليه ، وما زاد على ذلك سرف ، والمطلق منه ما أعان الآكل على طاعة ربه ، ولم يشغله ثقله عن أداء ما وجب عليه . واختلف في حد الجوع على رأيين : أحدهما أن يشتهي الخبز وحده ، فمتى طلب الإدام فليس بجائع ، ثانيهما أنه إذا وقع ريقه على الأرض لم يقع عليه الذباب ، ذكره في الإحياء ، وذكر أن مراتب الشبع تنحصر في سبعة ؛ الأول : ما تقوم به الحياة . الثاني : أن يزيد حتى يصلي عن قيام ويصوم . وهذان واجبان . الثالث : أن يزيد حتى يقوى على أداء النوافل . الرابع : أن يزيد حتى يقدر على التكسب . وهذان مستحبان . الخامس : أن يملأ الثلث ، وهذا جائز . السادس : أن يزيد على ذلك وبه يثقل البدن ويكثر النوم ، وهذا مكروه . السابع : أن يزيد حتى يتضرر وهي البطنة المنهي عنها ، وهذا حرام .