44- بَاب الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ 5446- حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ قَالَ : أَصَابَنَا عَامُ سَنَةٍ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَرَزَقَنَا تَمْرًا ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا ، وَنَحْنُ نَأْكُلُ ، وَيَقُولُ : لَا تُقَارِنُوا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْإقِرَانِ ، ثُمَّ يَقُولُ : إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ . قَالَ شُعْبَةُ : الْإِذْنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ ( بَابُ الْقِرَانِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ ، أَيْ ضَمِّ تَمْرَةٍ إِلَى تَمْرَةٍ لِمَنْ أَكَلَ مَعَ جَمَاعَةٍ . قَوْلُهُ ( جَبَلَةُ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ . قَوْلُهُ ( ابْنُ سُحَيْمٍ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ مَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ غَيْر ابْنِ عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا شَيْءٌ . قَوْلُهُ ( أَصَابَنَا عَامُ سَنَةٍ ) بِالْإِضَافَةِ أَيْ عَامُ قَحْطٍ ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ . قَوْلُهُ ( مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ ) يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ لَمَّا كَانَ خَلِيفَةً ، وَتَقَدَّمَ فِي الْمَظَالِمِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ . قَوْلُهُ ( فَرُزِقْنَا تَمْرًا ) أَيْ أَعْطَانَا فِي أَرْزَاقنَا تَمْرًا ، وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يُصْرَفُ لَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ مَالِ الْخَرَاجِ وَغَيْرِهِ بَدَلَ النَّقْدِ تَمْرًا لِقِلَّةِ النَّقْدَ إِذْ ذَاكَ بِسَبَبِ الْمَجَاعَةِ الَّتِي حَصَلَتْ . قَوْلُهُ ( وَيَقُولُ لَا تُقَارِنُوا ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَلِيدِ فِي الشَّرِكَةِ فَيَقُولُ لَا تَقْرُنُوا وَكَذَا لِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَدِهِ . قَوْلُهُ ( عَنِ الْإِقْرَانِ ) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ وَقَدْ أَوْضَحْتُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ اللُّغَةَ الْفُصْحَى بِغَيْرِ أَلِفٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ بِلَفْظِ الْقُرْانِ وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَقَالَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ الْإِقْرَانُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَوَقَعَ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ الْإِقْرَانُ وَفِي تَرْجَمَةِ أَبِي دَاوُدَ بَابُ الْإِقْرَانِ فِي التَّمْرِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مَعْرُوفَةً ، وَأَقْرَنَ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَقَرَنَ مِنَ الثُّلَاثِيِّ وَهُوَ الصَّوَابُ ، قَالَ الْفَرَّاءُ : قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَلَا يُقَالُ أَقْرَنَ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ أَقْرَنَ لِمَا قُوِيَ عَلَيْهِ وَأَطَاقَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ قَالَ : لَكِنْ جَاءَ فِي اللُّغَةِ أَقْرَنَ الدَّمَ فِي الْعِرْقِ أَيْ كَثُرَ فَيُحْمَلُ حَمْلُ الْإِقْرَانِ فِي الْخَبَرِ عَلَى ذَلِكَ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْإِكْثَارِ مِنْ أَكْلِ التَّمْرِ إِذَا كَانَ مَعَ غَيْرِهِ ، وَيَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَى الْقِرَانِ الْمَذْكُورِ . قُلْتُ : لَكِنْ يَصِيرُ أَعَمَّ مِنْهُ . وَالْحَقُّ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنِ اخْتِلَافِ الرُّوَاةِ ، وَقَدْ مَيَّزَ أَحْمَدُ بَيْنَ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ أَقْرَنَ وَبِلَفْظِ قَرَنَ مِنْ أَصْحَابِ شُعْبَةَ ، وَكَذَا قَالَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ الْقِرَانُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْبَانِيِّ الْإِقْرَانُ ، وَفِي رِوَايَةِ مِسْعَرٍ الْقِرَانُ . قَوْلُهُ ( ثُمَّ يَقُولُ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ ) أَيْ فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَازَ ، وَالْمُرَادُ بِالْأَخِ رَفِيقُهُ الَّذِي اشْتَرَكَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ التَّمْرِ . قَوْلُهُ ( قَالَ شُعْبَةُ : الْإِذْنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ مُدْرَجًا ، وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَةِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَأَصْلُهُ لِمُسْلِمٍ كَذَلِكَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَزِيدَ ، وَبَهْزٍ وَغَيْرِهِمَا عَنْ شُعْبَةَ ، وَتَابَعَ آدَمَ عَلَى فَصْلِ الْمَوْقُوفِ مِنَ الْمَرْفُوعِ شَبَابَةُ بْنُ سِوَارٍ ، عَنْ شُعْبَةَ أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِهِ مِثْلَ مَا سَاقَهُ آدَمُ إِلَى قَوْلِهِ الْإِقْرَانُ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ وَكَذَا قَالَ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ أَرَى الْإِذْنَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ ، وَقَدْ فَصَّلَهُ أَيْضًا عَنْ شُعْبَةَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ الضُّبَعِيُّ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ ، قَالَ شُعْبَةُ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ هُوَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ أَيْضًا إِلَّا أَنَّ سَعِيدًا أَخْطَأَ فِي اسْمِ التَّابِعِيِّ فَقَالَ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالْمَحْفُوظُ جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ كَمَا قَالَ الْجَمَاعَةُ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَصْحَابَ شُعْبَةَ اخْتَلَفُوا فَأَكْثَرُهُمْ رَوَاهُ عَنْهُ مُدْرَجًا : وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ رَوَوْا عَنْهُ التَّرَدُّدَ فِي كَوْنِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مَرْفُوعَةً أَوْ مَوْقُوفَةً ، وَشَبَابَةُ فَصَّلَ عَنْهُ ، وَآدَمُ جَزَمَ عَنْهُ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي التَّابِعِيِّ ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَى شُعْبَةَ وَتَعَارَضَ جَزْمُهُ وَتَرَدُّدُهُ وَكَانَ الَّذِي رَوَوْا عَنْهُ التَّرَدُّدَ أَكْثَرَ نَظَرْنَا فِيمَنْ رَوَاهُ غَيْرُهُ مِنَ التَّابِعِينَ فَرَأَيْنَاهُ قَدْ وَرَدَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ ، وَمِسْعَرٍ ، وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، فَأَمَّا الثَّوْرِيُّ فَتَقَدَّمَتْ رِوَايَتُهُ فِي الشَّرِكَةِ وَلَفْظُهُ نَهَى أَنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ وَهَذَا ظَاهِرُهُ الرَّفْعُ مَعَ احْتِمَالِ الْإِدْرَاجِ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الشَّيْبَانِيِّ فَأَخْرَجَهَا أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ نَهَى عَنِ الْإِقْرَانِ إِلَّا أَنْ تَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَكَ وَالْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ فَأَخْرَجَهَا ابْنُ حِبَّانَ فِي النَّوْعِ الثَّامِنِ وَالْخَمْسِينَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ صَحِيحِهِ بِلَفْظِ مَنْ أَكَلَ مَعَ قَوْمٍ مِنْ تَمْرٍ فَلَا يَقْرُنْ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَأْذِنْهُمْ ، فَإِنْ أَذِنُوا فَلْيَفْعَلْ وَهَذَا أَظْهَرُ فِي الرَّفْعِ مَعَ احْتِمَالِ الْإِدْرَاجِ أَيْضًا . ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَنْ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرِ ابْنِ عُمَرَ فَوَجَدْنَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسِيَاقُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاسْتِئْذَانِ مَرْفُوعٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ إِسْحَاقَ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ ابْنُ حِبَّانَ أَخْرَجَا مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كُنْتُ فِي أَصْحَابِ الصُّفَّةِ فَبَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمْرَ عَجْوَةٍ فَكَبَّ بَيْنَنَا فَكُنَّا نَأْكُلُ الثِّنْتَيْنِ مِنَ الْجُوعِ ، فَجَعَلَ أَصْحَابُنَا إِذَا قَرَنَ أَحَدُهُمْ قَالَ لِصَاحِبِهِ إِنِّي قَدْ قَرَنْتُ فَاقْرِنُوا وَهَذَا الْفِعْلُ مِنْهُمْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَشْرُوعًا لَهُمْ مَعْرُوفًا ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَفْعَلُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَفْظُهُ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمْرًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقْرُنُ ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْرُنَ إِلَّا بِإِذْنِ أَصْحَابِهِ فَالَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدِي أَنْ لَا إِدْرَاجَ فِيهِ . وَقَدِ اعْتَمَدَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَتَرْجَمَ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ وَفِي الشَّرِكَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ ابْنِ عُمَرَ ذَكَرَ الْإِذْنَ مَرَّةً غَيْرَ مَرْفُوعٍ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ فِيهِ الرَّفْعَ ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ اسْتُفْتِيَ فِي ذَلِكَ فَأَفْتَى ، وَالْمُفْتِي قَدْ لَا يَنْشَطُ فِي فَتْوَاهُ إِلَى بَيَانِ الْمُسْتَنَدِ ، فَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ ، عَنْ صِلَةَ قَالَ سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ قِرَانِ التَّمْرِ قَالَ : لَا تَقْرُنْ ، إِلَّا أَنْ تَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَكَ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا حَدَّثَ بِالْقِصَّةِ ذَكَرَهَا كُلَّهَا مَرْفُوعَةً ، وَلَمَّا اسْتُفْتِيَ أَفْتَى بِالْحُكْمِ الَّذِي حَفِظَهُ عَلَى وَفْقِهِ . وَلَمْ يُصَرِّحْ حِينَئِذٍ بِرَفْعِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ : قَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتَلَفُوا فِي هَذَا النَّهْيِ هَلْ هُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوِ الْكَرَاهَةِ ؟ وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ فَالْقِرَانُ حَرَامٌ إِلَّا بِرِضَاهُمْ ، وَيَحْصُلُ بِتَصْرِيحِهِمْ أَوْ بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ قَرِينَةِ حَالٍ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِغَيْرِهِمْ حَرُمَ وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ وَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْأَكْلِ اشْتُرِطَ رِضَاهُ ، وَيَحْرُمُ لِغَيْرِهِ وَيَجُوزُ لَهُ هُوَ إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْآكِلِينَ مَعَهُ ، وَحَسُنَ لِلْمُضِيفِ أَنْ لَا يَقْرُنَ لِيُسَاوِيَ ضَيْفَهُ ، إِلَّا إِنْ كَانَ الشَّيْءُ كَثِيرًا يَفْضُلُ عَنْهُمْ ، مَعَ أَنَّ الْأَدَبَ فِي الْأَكْلِ مُطْلَقًا تَرْكُ مَا يَقْتَضِي الشَّرَهَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْجِلًا يُرِيدُ الْإِسْرَاعَ لِشُغْلٍ آخَرَ . وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ شَرْطَ هَذَا الِاسْتِئْذَانُ إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَنِهِمْ حَيْثُ كَانُوا فِي قِلَّةٍ مِنَ الشَّيْءِ . فَأَمَّا الْيَوْمَ مَعَ اتِّسَاعِ الْحَالِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْذَانٍ . وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الصَّوَابَ التَّفْصِيلُ ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ، كَيْفَ وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ . قُلْتُ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَدَّمْتُهُ يُرْشِدُ إِلَيْهِ وَهُوَ قَوِيٌّ ، وَقِصَّةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ كَذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : إِنَّمَا وَقَعَ النَّهْيُ عَنِ الْقِرَانِ لِأَنَّ فِيهِ شَرَهًا وَذَلِكَ يُزْرِي بِصَاحِبِهِ ، أَوْ لِأَنَّ فِيهِ غَبْنًا بِرَفِيقِهِ ، وَقِيلَ إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْعَيْشِ وَقِلَّةِ الشَّيْءِ ، وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ يُوَاسُونَ مِنَ الْقَلِيلِ وَإِذَا اجْتَمَعُوا رُبَّمَا آثَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِمْ مَنِ اشْتَدَّ جُوعُهُ حَتَّى يَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى الْقَرْنِ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ أَوْ تَعْظِيمِ اللُّقْمَةِ فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ فِي ذَلِكَ تَطْييِبًا لِنُفُوسِ الْبَاقِينَ ، وَأَمَّا قِصَّةُ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ فَظَاهِرُهَا أَنَّهَا مِنْ أَجْلِ الْغَبَنِ وَلِكَوْنِ مِلْكِهِمْ فِيهِ سَوَاءً ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَصْحَابِ الصُّفَّةِ انْتَهَى . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ شَاهِينَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَهُوَ فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ ، وَأَنَّ اللَّهَ وَسَّعَ عَلَيْكُمْ فَاقْرِنُوا فَلَعَلَّ النَّوَوِيَّ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفًا ، قَالَ الْحَازِمِيُّ : حَدِيثُ النَّهْيِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ ، إِلَّا أَنَّ الْخَطْبَ فِيهِ يَسِيرٌ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْعِبَادَاتِ وَإِنَّمَا هُـوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَيَكْتفِي فِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَيُعَضِّدُهُ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ . كَذَا قَالَ ، وَمُرَادُهُ بِالْجَوَازِ فِي حَالِ كَوْنِ الشَّخْصِ مَالِكًا لِذَلِكَ الْمَأْكُولِ وَلَوْ بِطَرِيقِ الْإِذْنِ لَهُ فِيهِ كَمَا قَرَّرَهُ النَّوَوِيُّ ، وَإِلَّا فَلَمْ يُجِزْ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَسْتَأْثِرَ أَحَدٌ بِمَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، حَتَّى لَوْ قَامَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي وَضَعَ الطَّعَامَ بَيْنَ الضِّيفَانِ لَا يُرْضِيهِ اسْتِئْثَارُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ حَرُمَ الِاسْتِئْثَارُ جَزْمًا ، وَإِنَّمَا تَقَعُ الْمُكَارَمَةُ فِي ذَلِكَ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةُ الرِّضَا . وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي ذَيْلِ الْغَرِيبَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ اسْتِقْبَاحَ الْقِرَانِ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّرَهِ وَالطَّمَعِ الْمُزْرِي بِصَاحِبِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ بِجَمِيلٍ أَنْ يَأْكُلَ أَكْثَرَ مِنْ رُفْقَتِهِ . تَنْبِيهٌ : فِي مَعْنَى التَّمْرِ الرُّطَبِ وَكَذَا الزَّبِيبُ وَالْعِنَبُ وَنَحْوُهُمَا ، لِوُضُوحِ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : حَمَلَ أَهْلُ الظَّاهِرِ هَذَا النَّهْيَ عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُمْ وَجَهْلٌ بِمَسَاقِ الْحَدِيثِ وَبِالْمَعْنَى ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى حَالِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْأَكْلِ وَالِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ فَهْمِ ابْنِ عُمَرَ رَاوِيهِ وَهُوَ أَفْهَمُ لِلْمَقَالِ وَأَقْعَدُ بِالْحَالِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِمَّنْ يُوضَعُ الطَّعَامُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَتَى يَمْلِكُهُ ؟ فَقِيلَ بِالْوَضْعِ ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ إِلَى فِيهِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ فَمِلْكُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْرُنَ إِلَّا بِإِذْنِ الْبَاقِينَ ، وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ أَنْ يَقْرُنَ ; لَكِنَّ التَّفْصِيلَ الَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ الْفِقْهِيَّةُ . نَعَمْ مَا يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ الضِّيفَانِ وَكَذَلِكَ النِّثَارُ فِي الْأَعْرَاسِ سَبِيلُهُ فِي الْعُرْفِ سَبِيلُ الْمُكَارَمَةِ لَا التَّشَاحِّ ، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي مِقْدَارِ الْأَكْلِ ، وَفِي الِاحْتِيَاجِ إِلَى التَّنَاوُلِ مِنَ الشَّيْءِ ، وَلَوْ حُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى تَسَاوِي السُّهْمَانِ بَيْنَهُمْ لَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى الْوَاضِعِ وَالْمَوْضُوعِ لَهُ ، وَلَمَا سَاغَ لِمَنْ لَا يَكْفِيهِ الْيَسِيرُ أَنْ يَتَنَاوَلَ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِ مَنْ يُشْبِعُهُ الْيَسِيرُ ، وَلَمَا لَمْ يَتَشَاحَّ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَجَرَى عَمَلُهُمْ عَلَى الْمُسَامَحَةِ فِيهِ عُرِفَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي كُلِّ حَالَةٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ · ص 481 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب القران في التمر · ص 71 ( باب القران في التمر ) أي هذا باب في بيان حكم القران في التمر ، ولم يذكر حكمه اكتفاء بالذي ذكره في حديث الباب ، وهو أنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه ، والقران بكسر القاف من قرن بين الشيئين يقرن ، ويقرن بضم الراء وكسرها قرانا ، والمراد ضم تمرة إلى تمرة لمن أكل مع جماعة ، وقد ورد في لفظ الحديث القران والإقران من أقرن ، والمشهور استعماله ثلاثيا وعليه اقتصر الجوهري ، وحكى ابن الأثير الإقران . 72 - حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا جبلة بن سحيم قال : أصابنا عام سنة مع ابن الزبير رزقنا تمرا ، فكان عبد الله بن عمر يمر بنا ونحن نأكل ويقول : لا تقارنوا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن القران ، ثم يقول : إلا أن يستأذن الرجل أخاه . قال شعبة : الإذن من قول ابن عمر . مطابقته للترجمة ظاهرة وجبلة بفتح الجيم والباء الموحدة الخفيفة ابن سحيم بضم السين المهملة وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف التابعي الكوفي الثقة ، ما له في البخاري عن غير ابن عمر شيء . والحديث قد مضى في المظالم عن حفص بن عمر ، وفي الشركة عن أبي الوليد ، وأخرجه بقية الجماعة ، وقد مر الكلام فيه . قوله : " عام سنة " بالإضافة أي عام قحط وغلاء ، قوله : " مع ابن الزبير " وهو عبد الله بن الزبير بن العوام أراد أيامه في الحجاز ، قوله : " رزقنا " ويروى : فرزقنا بالفاء ؛ أي أعطانا في أرزاقنا وهو القدر الذي كان يصرف لهم في كل سنة من الخراج وغيره بدل النقد تمرا لقلة النقد إذ ذاك بسبب المجاعة التي حصلت ، قوله : " ونحن نأكل " الواو فيه للحال ، قوله : " لا تقارنوا " وفي رواية أبي الوليد في الشركة فيقول : لا تقرنوا ، وكذا لأبي داود الطيالسي في ( مسنده ) ، قوله : " نهى عن القران " وفي رواية الأكثرين : عن الإقران ، من الثلاثي المزيد فيه ، قوله " أخاه " أي صاحبه الذي اشترك معه في أكل التمر فإذا أذن له في ذلك جاز . وقال النووي : اختلفوا في هذا النهي هل هو على التحريم أو الكراهة الصواب التفصيل فإن كان الطعام مشتركا بينهم فالقران حرام إلا برضاهم ، ويحصل بتصريحهم أو بما يقوم مقامه من قرينة حال بحيث يغلب على الظن ذلك ، وإن كان الطعام لغيرهم حرم وإن كان لأحدهم وأذن لهم في الأكل اشترط ويحرم بغيره ، وذكر الخطابي أن شرط هذا الاستئذان إنما كان في زمنهم حيث كانوا في قلة من الشيء فأما اليوم مع اتساع الحال لا يحتاج إلى الاستئذان ، واعترض عليه النووي بأن الصواب التفصيل لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب لو ثبت السبب كيف وهو غير ثابت ، ويقوي هذا حديث أبي هريرة أخرجه البزار من طريق الشعبي عنه قال : قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمرا بين أصحابه فكان بعضهم يقرن فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرن إلا بإذن أصحابه ، ورواه الحاكم في ( المستدرك ) بلفظ : " كنت في الصفة فبعث إلينا النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمر عجوة فسكبت بيننا ، وكنا نقرن الثنتين من الجوع فكنا إذا قرن أحدنا قال لأصحابه : إني قد قرنت فأقرنوا " قال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقال البزار : لم يروه عن عطاء بن السائب عن الشعبي إلا جرير بن عبد الحميد ، ورواه عمران بن عيينة عن عطاء ، عن محمد بن عجلان ، عن أبي هريرة انتهى ، قال شيخنا : وعطاء بن السائب تغير حفظه بآخره ، وجرير ممن روى عنه بعد اختلاطه ، قاله أحمد بن حنبل فلا يصح الحديث إذا والله أعلم ، ( فإن قلت ) : روى البزار والطبراني في ( الأوسط ) من رواية يزيد بن بزيع عن عطاء الخراساني ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " كنت نهيتكم عن الإقران في التمر فإن الله قد وسع عليكم فأقرنوا " قلت : يزيد بن بزيع ضعفه يحيى بن معين والدارقطني . قوله : " قال شعبة الإذن من قول ابن عمر " هو موصول بالسند الذي قبله ، وأشار به إلى أنه مدرج ، والحاصل أن أصحاب شعبة اختلفوا فأكثرهم رواه عنه مدرجا وطائفة منهم رووا عنه التردد في كون هذه الزيادة مرفوعة أو موقوفة ، وآدم في رواية البخاري جزم عن شعبة بأن هذه الزيادة من قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما .