45 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا ، قَالَ : أَيُّ آيَةٍ ؟ قَالَ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا قَالَ عُمَرُ : قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ ) مُرَادُهُ : أَنَّهُ سَمِعَ ، وَجَرَتْ عَادَتُهُمْ بِحَذْفِ أَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا خَطًّا لَا نُطْقًا كَقَالَ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ ) هَذَا الرَّجُلُ هُوَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ ، وَالطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ رَجَاءِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، عَنْ كَعْبٍ . وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْيَهُودِ . وَلَهُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ : قَالَتِ الْيَهُودُ . فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا حِينَ سُؤَالِ كَعْبٍ عَنْ ذَلِكَ جَمَاعَةً ، وَتَكَلَّمَ كَعْبٌ عَلَى لِسَانِهِمْ . قَوْلُهُ : ( لَاتَّخَذْنَا . . إِلَخْ ) أَيْ لَعَظَّمْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ عِيدًا لَنَا فِي كُلِّ سَنَةٍ لِعِظَمِ مَا حَصَلَ فِيهِ مِنْ إِكْمَالِ الدِّينِ . وَالْعِيدُ فِعْلٌ مِنَ الْعَوْدِ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَعُودُ فِي كُلِّ عَامٍ . قَوْلُهُ : ( نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ مُسْلِمٌ ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظُهُ : إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ ، وَزَادَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ : وَالسَّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ لِأَنَّهُ قَالَ : لَاتَّخَذْنَاهُ عِيدًا ، وَأَجَابَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَعْرِفَةِ الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ ، وَلَمْ يَقُلْ جَعَلْنَاهُ عِيدًا ؟ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أُخْرَيَاتِ نَهَارِ عَرَفَةَ ، وَيَوْمُ الْعِيدِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِأَوَّلِهِ ، وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ : إِنَّ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلْقَابِلَةِ ، قَالَهُ هَكَذَا بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَ ، وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ اكْتَفَى فِيهَا بِالْإِشَارَةِ ، وَإِلَّا فَرِوَايَةُ إِسْحَاقَ عَنْ قَبِيصَةَ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا قَدْ نَصَّتْ عَلَى الْمُرَادِ وَلَفْظُهُ : نَزَلَتْ يَوْمَ جُمُعَةٍ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَكِلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ لَنَا عِيدٌ لَفْظُ الطَّبَرِيِّ ، وَالطَّبَرَانِيِّ : وَهُمَا لَنَا عِيدَانِ وَكَذَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ يَهُودِيًّا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ ، يَوْمِ جُمُعَةٍ وَيَوْمِ عَرَفَةَ فَظَهَرَ أَنَّ الْجَوَابَ تَضَمَّنَ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا ، وهو يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، وَاتَّخَذُوا يَوْمَ عَرَفَةَ عِيدًا لِأَنَّهُ لَيْلَةُ الْعِيدِ ، وَهَكَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي فِي الصِّيَامِ : شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ : رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ فَسُمِّيَ رَمَضَانُ عِيدًا لِأَنَّهُ يَعْقُبُهُ الْعِيدُ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ دَلَّتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَلَى تَرْجَمَةِ الْبَابِ ؟ أُجِيبَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا بَيَّنَتْ أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ بِعَرَفَةَ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّتِي هِيَ آخِرُ عَهْدِ الْبَعْثَةِ حِينَ تَمَّتِ الشَّرِيعَةُ وَأَرْكَانُهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ جَزَمَ السُّدِّيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ شَيْءٌ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ · ص 129 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب زيادة الإيمان ونقصانه · ص 157 الحديث الثاني الذي خرجه في هذا الباب : 45 - حديث طارق بن شهاب ، عن عمر بن الخطاب - أن رجلا من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ، آية في كتابكم تقرءونها ، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ! قال : أي آية ؟ قال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فقال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم ! نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو واقف بعرفة يوم الجمعة . وقد خرجه ابن جرير الطبري في تفسيره من وجه آخر عن عمر ، وزاد فيه أنه قال : وكلاهما بحمد الله لنا عيد . وخرج الترمذي ، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وعنده يهودي ، فقال : لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا ! فقال ابن عباس : فإنها نزلت في يوم عيدين : في يوم جمعة ، ويوم عرفة . فهذا قد يؤخذ من أن الأعياد لا تكون بالرأي والاختراع كما يفعله أهل الكتابين من قبلنا ، إنما تكون بالشرع والاتباع . فهذه الآية لما تضمنت إكمال الدين وإتمام النعمة أنزلها الله في يوم شرعه عيدا لهذه الأمة من وجهين : أحدهما : أنه يوم عيد الأسبوع ، وهو يوم الجمعة . والثاني : أنه يوم عيد أهل الموسم وهو يوم مجمعهم الأكبر وموقفهم الأعظم ، وقد قيل : إنه يوم الحج الأكبر . وقد جاء تسميته عيدا في حديث مرفوع خرجه أهل السنن من حديث عقبة بن عامر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق - عيدنا أهل الإسلام ، وهي أيام أكل وشرب . وقد أشكل وجهه على كثير من العلماء ؛ لأنه يدل على أن يوم عرفة يوم عيد لا يصام ، كما روي ذلك عن بعض المتقدمين . وحمله بعضهم على أهل الموقف ، وهو الأصح لأنه اليوم الذي فيه أعظم مجامعهم ومواقفهم ، بخلاف أهل الأمصار فإن اجتماعهم يوم النحر . وأما أيام التشريق فيشارك أهل الأمصار أهل الموسم فيها ؛ لأنها أيام ضحاياهم وأكلهم من نسكهم . هذا قول جمهور العلماء . وقال عطاء : إنما هي أعياد لأهل الموسم ، فلا ينهى أهل الأمصار عن صيامها . وقول الجمهور أصح . ولكن الأيام التي تحدث فيها حوادث من نعم الله على عباده لو صامها بعض الناس شكرا من غير اتخاذها عيدا كان حسنا ؛ استدلالا بصيام النبي - صلى الله عليه وسلم - عاشوراء ؛ لما أخبره اليهود بصيام موسى له شكرا ، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن صيام يوم الاثنين ، قال : ذلك يوم ولدت فيه ، وأنزل علي فيه . فأما الأعياد التي يجتمع عليها الناس فلا يتجاوز بها ما شرعه الله لرسوله ، وشرعه الرسول لأمته . والأعياد هي مواسم الفرح والسرور ، وإنما شرع الله لهذه الأمة الفرح والسرور بتمام نعمته وكمال رحمته ، كما قال تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا فشرع لهم عيدين في سنة ، وعيدا في كل أسبوع ؛ فأما عيدا السنة : فأحدهما : تمام صيامهم الذي افترضه عليهم كل عام ، فإذا أتموا صيامهم أعتقهم من النار ، فشرع لهم عيدا بعد إكمال صيامهم ، وجعله يوم الجوائز يرجعون فيه من خروجهم إلى صلاتهم وصدقتهم بالمغفرة ، وتكون صدقة الفطر وصلاة العيد شكرا لذلك . والعيد الثاني : أكبر العيدين عند تمام حجهم بإدراك حجهم بالوقوف بعرفة وهو يوم العتق من النار ، ولا يحصل العتق من النار والمغفرة للذنوب والأوزار في يوم من أيام السنة أكثر منه ، فجعل الله عقب ذلك عيدا ، بل هو العيد الأكبر ، فيكمل أهل الموسم فيه مناسكهم ، ويقضون فيه تفثهم ، ويوفون نذورهم ، ويطوفون بالبيت العتيق . ويشاركهم أهل الأمصار في هذا العيد ؛ فإنهم يشاركونهم في يوم عرفة في العتق والمغفرة وإن لم يشاركوهم في الوقوف بعرفة ؛ لأن الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام ، بخلاف الصيام . ويكون شكر عيد أهل الأمصار الصلاة والنحر ، والنحر أفضل من الصدقة التي في يوم الفطر ؛ ولهذا أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يشكر نعمته عليه بإعطائه الكوثر بالصلاة له والنحر ، كما شرع ذلك لإبراهيم خليله عليه السلام عند أمره بذبح ولده وافتدائه بذبح عظيم . وأما عيد الأسبوع فهو يوم الجمعة ، وهو متعلق بإكمال فريضة الصلاة ؛ فإن الله فرض على عباده المسلمين الصلاة كل يوم وليلة خمس مرات . فإذا كملت أيام الأسبوع التي تدور الدنيا عليها ، وأكملوا صلاتهم فيها - شرع لهم يوم إكمالها ، وهو اليوم الذي انتهى فيه الخلق ، وفيه خلق آدم وأدخل الجنة ، عيدا يجتمعون فيه على صلاة الجمعة . وشرع لهم الخطبة تذكيرا بنعم الله عليهم ، وحثا لهم على شكرها . وجعل شهود الجمعة بأدائها كفارة لذنوب الجمعة كلها وزيادة ثلاثة أيام . وقد روي أن يوم الجمعة أفضل من يوم الفطر ويوم النحر ، خرجه الإمام أحمد في مسنده ، وقاله مجاهد وغيره . وروي أنه حج المساكين ، وروي عن علي أنه يوم نسك المسلمين . وقال ابن المسيب : الجمعة أحب إلي من حج التطوع . وجعل الله التبكير إلى الجمعة كالهدي ؛ فالمبكر في أول ساعة كالمهدي بدنة ، ثم كالمهدي بقرة ، ثم كالمهدي كبشا ، ثم كالمهدي دجاجة ، ثم كالمهدي بيضة . ويوم الجمعة يوم المزيد في الجنة ، الذي يزور أهل الجنة فيه ربهم ، ويتجلى لهم في قدر صلاة الجمعة . وكذلك روي في يوم العيدين أن أهل الجنة يزورون ربهم فيها ، وأنه يتجلى فيها لأهل الجنة عموما ، يشارك الرجال فيها النساء . فهذه الأيام أعياد للمؤمنين في الدنيا وفي الآخرة عموما . وأما خواص المؤمنين فكل يوم لهم عيد كما قال بعض العارفين . وروي عن الحرم : كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد . ولهذا روي أن خواص أهل الجنة يزورون ربهم ، وينظرون إليه كل يوم مرتين بكرة وعشيا . وقد خرجه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا وموقوفا . ولهذا المعنى - والله أعلم - لما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الرؤية في حديث جرير بن عبد الله البجلي أمر عقب ذلك بالمحافظة على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ؛ فإن هذين الوقتين وقت لرؤية خواص أهل الجنة ربهم ، فمن حافظ على هاتين الصلاتين على مواقيتهما وأدائهما وخشوعهما وحضور القلب فيهما - رجي له أن يكون ممن ينظر إلى الله في الجنة في وقتهما . فتبين بهذا أن الأعياد تتعلق بإكمال أركان الإسلام ؛ فالأعياد الثلاثة المجتمع عليها تتعلق بإكمال الصلاة والصيام والحج ، فأما الزكاة فليس لها زمان معين تكمل فيه ، وأما الشهادتان فإكمالهما هو الاجتهاد في الصدق فيهما ، وتحقيقهما والقيام بحقوقهما . وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك كل يوم ووقت ؛ فلهذا كانت أيامهم كلها أعياد ، ولذلك كانت أعيادهم في الجنة مستمرة ، والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب زيادة الإيمان ونقصانه · ص 262 1- حدثنا الحسن بن الصباح ، سمع جعفر بن عون ، حدثنا أبو العميس ، أخبرنا قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن عمر بن الخطاب أن رجلا من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال : أي آية ؟ قال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا قال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم ، والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم جمعة . أخرج هذا الحديث هاهنا لأنه في بيان سبب نزول الآية التي هي من جملة الترجمة وهي قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ الآية . ( بيان رجاله ) وهم ستة الأول : الحسن أبو علي بن الصباح بتشديد الباء الموحدة ابن محمد البزار بزاي بعدها راء الواسطي سكن بغداد قالوا : كان من خيار الناس ، وقال أحمد بن حنبل : ثقة صاحب سنة ، وما يأتي عليه يوم إلا وهو يفعل فيه خيرا روى عنه البخاري ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وروى الترمذي عن رجل عنه توفي ببغداد سنة ستين ومائتين فيما ذكر محمد بن طاهر ، وابن عساكر ، وقال محمد بن سرور المقدسي والكلاباذي : توفي سنة تسع وأربعين ومائتين ، فعلى القول الأول تكون وفاته قبل البخاري لأن البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين ، الثاني : جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي أبو عون ، قال ابن معين : هو ثقة ، وقال أحمد : رجل صالح ليس به بأس ، توفي بالكوفة سنة سبع ومائتين ، روى له الجماعة ، الثالث : أبو العميس بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة ، واسمه عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذلي المسعودي الكوفي أخو عبد الرحمن ، قال يحيى وأحمد : ثقة ، توفي سنة عشرين ومائة ، روى له الجماعة ، الرابع : قيس بن مسلم أبو عمرو الجدلي الكوفي العابد سمع طارق بن شهاب ، ومجاهدا وغيرهما ، وعنه الأعمش ، ومسعر ، وغيرهما مات سنة عشرين ومائة ، الخامس : طارق بن شهاب بن عبد شمس بن سلمة بن هلال بن عوف بن جشم بن ظفر بن عمرو بن لؤي بن رهم بن معاوية بن أسلم بن أحمس بطن من بجيلة صحابي رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأدرك الجاهلية ، وغزا في خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ثلاثا وأربعين من بين غزوة وسرية ، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة ، سكن الكوفة ، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة ، أخرج له البخاري عن أبي بكر ، وابن مسعود ، ومسلم عن أبي سعيد ، وأبو داود ، والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، هكذا ذكر الشيخ قطب الدين وفاته وهو وهم نبه عليه المزي ، والذين قالوا في وفاته : هو سنة ثلاث وثمانين ، وقيل : سنة اثنتين ، وقيل : سنة أربع ، وقال أبو داود : رأى طارق النبي عليه السلام ولم يسمع منه شيئا ، قلت : بجيلة بفتح الباء الموحدة وكسر الجيم هي أم ولد أنمار بن أراش وهي بنت صعب بن العشيرة . السادس : أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه . ( بيان لطائف إسناده ) منها : أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة ، ومنها : أن فيه رواية صحابي عن صحابي ، ومنها : أن ثلاثة منهم كوفيون . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن محمد بن يوسف ، وفي التفسير عن بندار ، عن ابن مهدي كلاهما عن سفيان الثوري ، وفي الاعتصام عن الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن مسعر وغيره كلهم عن قيس بن مسلم عن طارق ، وأخرجه مسلم في آخر الكتاب عن زهير بن حرب ، ومحمد بن المثنى كلاهما عن ابن مهدي به ، وعن عبد بن حميد ، عن جعفر بن عون به ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي كريب كلاهما عن عبد الله بن إدريس ، عن أبيه ، عن قيس بن مسلم ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن ابن أبي عمر ، عن سفيان بن عيينة به ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في الحج ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن عبد الله بن إدريس به ، وفي الإيمان عن أبي داود الحراني عن جعفر بن عون به . ( بيان اللغات ) قوله : من اليهود هو علم قوم موسى عليه السلام ، وفي ( العباب ) : اليهود اليهوديون ولكنهم حذفوا ياء الإضافة كما قالوا : زنجي وزنج ، ورومي وروم ، وإنما عرف على هذا الحد فجمع على قياس شعيرة وشعير ، ثم عرف الجمع بالألف واللام ، ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام لأنه معرفة مؤنث يجري في كلامهم مجرى القبيلة ولم يجر كالحي انتهى . وسموا به اشتقاقا من هادوا أي مالوا أي في عبادة العجل ، أو من دين موسى ، أو من هاد إذا رجع من خير إلى شر ، ومن شر إلى خير لكثرة انتقالهم من مذاهبهم ، وقيل : لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة ، وقيل : معرب من يهوذا ابن يعقوب بالذال المعجمة ثم نسب إليه فقيل : يهودي ، ثم حذفت الياء في الجمع فقيل : يهود ، وكل منسوب إلى جنس ، الفرق بينه وبين واحده بالياء وعدمها نحو روم ورومي كما ذكرناه ، قوله : معشر اليهود المعشر الجماعة الذين شأنهم واحد ، ويجمع على معاشر ، قوله : عيدا على وزن فعل أصله عود لأنه من العود سمي به لأنه يعود في كل عام ، وقال الزمخشري في قوله تعالى : تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا قيل : العيد هو السرور العائد ولذلك يقال : يوم عيد ، وكأن معناه تكون لنا سرورا وفرحا ، ويجمع على أعياد فرقا بينه وبين أعواد الذي هو جمع عود ، قوله : بعرفة يوم عرفة هو التاسع من ذي الحجة ، تقول : هذا يوم عرفة غير منون ، ولا يدخلها الألف واللام لأن عرفة علم لهذا المكان المخصوص ففيها العلمية والتأنيث وقد يطلق على اليوم المعهود أيضا . ( بيان الإعراب ) قوله : سمع جعفر فعل وفاعل ومفعول وقبله شيء مقدر تقديره : حدثنا الحسن بن الصباح أنه سمع جعفر ، وقد جرت عادة المحدثين بحذف أنه في مثل هذا الموضع في الخط ، ولكن لا بد من قراءته كما يحذف لفظ قال خطا لا قراءة ، قوله : من اليهود في محل النصب على أنه صفة لرجلا ، أي رجلا كائنا من اليهود ، قوله : قال له أي لعمر وهذه الجملة في محل الرفع لأنها خبر إن ، قوله : آية مبتدأ وإن كان نكرة لأنه تخصص بالصفة وهي قوله : في كتابكم ، وقوله : تقرؤونها جملة في محل الرفع على أنها صفة أخرى للمبتدأ ، والجملة الشرطية خبره أعني قوله : لو علينا إلى آخره ، ويجوز أن يكون المخصص للمبتدأ صفة محذوفة تقديره : آية عظيمة ، وقوله : في كتابكم خبره ، وقوله : تقرؤونها خبر بعد خبر ، ويجوز أن يكون الخبر محذوفا مقدرا فيما قبله ، تقديره : في كتابكم آية ، وقوله : في كتابكم المذكور مفسر له حذف ذاك حتى لا يجمع بين المفسر والمفسر ، قوله : لو علينا تقديره : لو نزلت علينا لأن لو لا تدخل إلا على الفعل فحذف الفعل لدلالة الفعل المذكور عليه كما في قوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ أي وإن استجارك أحد ، وقوله تعالى : لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ أي لو تملكون أنتم ، قوله : علينا يتعلق بالمحذوف ، قوله : معشر اليهود كلام إضافي منصوب على الاختصاص أي أعني معشر اليهود ، قوله : لاتخذنا جواب الشرط ، قوله : قال : أي آية ؟ أي قال عمر رضي الله عنه : أي آية هي ؟ فالخبر محذوف ، قوله : وهو قائم جملة اسمية وقعت حالا والباء في بعرفة ظرفية ، وقد قلنا : إنه غير منصرف للعلمية والتأنيث والباء تتعلق بقوله : قائم ، أو بقوله : نزلت ، قوله : يوم الجمعة ، وفي بعض الروايات : يوم جمعة ، وهي بفتح الميم وضمها وإسكانها ، فإن قلت : ما الفرق بين فعلة ساكن العين وفعلة بتحريكها ؟ قلت : إن الساكن بمعنى المفعول والمتحرك بمعنى الفاعل ، يقال : رجل ضحكة بسكون الحاء أي مضحوك ، وهذه قاعدة كلية ، فإن قلت : عرفة غير منصرف اتفاقا لما ذكرت فما بال الجمعة منصرفا مع أنها مثلها في كونها اسما للزمان المعين ، وفيه تاء التأنيث ؟ قلت : عرفة علم والجمعة صفة أو غير صفة ليس علما ، ولو جعل علما لامتنع من الصرف . ( بيان المعاني ) قوله : إن رجلا من اليهود اسم هذا الرجل هو كعب الأحبار صرح بذلك مسدد في ( مسنده ) ، والطبري في ( تفسيره ) ، والطبراني في ( الأوسط ) كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة ، عن عبادة بن نسي بضم النون وفتح السين المهملة عن إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب عن كعب فإن قلت : روى البخاري في المغازي من طريق الثوري عن قيس بن مسلم أن ناسا من اليهود ، وأخرج في التفسير من هذا الوجه بلفظ : قالت اليهود ، فكيف التوفيق بين هذه الروايات ؟ قلت : التوفيق فيها أن كعبا حين سأل عمر رضي الله عنه عن ذلك كان معه جماعة من اليهود . قوله : أي آية كلمة أي هاهنا للاستفهام ، وهو اسم معرب معرفة للإضافة ، وقد تترك الإضافة وفيه معناها ، وإذا كان الذي أضيف إليه مؤنثا لا يجب دخول التاء فيه ، وإنما يجب إذا وقع صفة لمؤنث نحو : مررت بامرأة أية امرأة ، ونظير قوله : أي آية قوله تعالى : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ فإن قلت : ما الفرق بين الاستفهام به وبين الاستفهام بما نحو ما تلك الآية ، قلت : السؤال بأي إنما هو عمل يميز أحد المشاركات وبما عن الحقيقة والغرض هاهنا طلب تعيين تلك الآية وتمييزها عن سائر الآيات التي في الكتاب مقروءة ، قوله : قد عرفنا ذلك اليوم معناه : إنا ما أهملناه ولا خفي علينا زمان نزولها ولا مكان نزولها وضبطنا جميع ما يتعلق بها حتى صفة النبي عليه السلام وموضعه في زمان النزول وهو كونه عليه السلام قائما حينئذ وهو غاية في الضبط ، وقال النووي : معناه : إنا ما تركنا تعظيم ذلك اليوم والمكان ، أما المكان فهو عرفات وهو معظم الحج الذي هو أحد أركان الإسلام ، وأما الزمان فهو يوم الجمعة ، ويوم عرفة ، وهو يوم اجتمع فيه فضلان وشرفان ومعلوم تعظيمنا لكل واحد منهما ، فإذا اجتمعا زاد التعظيم فقد اتخذنا ذلك اليوم عيدا وعظمنا مكانه أيضا ، وهذا كان في حجة الوداع وعاش النبي عليه السلام بعدها ثلاثة أشهر ، قوله : الذي نزلت فيه على النبي عليه الصلاة والسلام زاد مسلم عن عبد بن حميد ، عن جعفر بن عون في هذا الحديث ولفظه : إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه ، ولأحمد عن جعفر بن عون : والساعة التي نزلت فيها على النبي عليه السلام ، فإن قلت : كيف طابق الجواب السؤال لأنه قال : لاتخذناه عيدا ، فقال عمر رضي الله عنه : عرفنا أحواله ، ولم يقل : جعلناه عيدا ، قلت : لما بين أن يوم النزول كان عرفة ومن المشهورات أن اليوم الذي بعد عرفة عيد للمسلمين فكأنه قال : جعلناه عيدا بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتعبد فيه ، فإن قلت : فلم ما جعلوا يوم النزول عيدا ؟ قلت : لأنه ثبت في الصحيح أن النزول كان بعد العصر ، ولا يتحقق العيد إلا من أول النهار ، ولهذا قال الفقهاء : ورؤية الهلال بالنهار لليلة المستقبلة فافهم .