باب زيادة الإيمان ونقصانه
حديث طارق بن شهاب ، عن عمر بن الخطاب - أن رجلا من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ، آية في كتابكم تقرءونها ، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ! قال : أي آية ؟ قال : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فقال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم ! نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو واقف بعرفة يوم الجمعة . وقد خرجه ابن جرير الطبري في تفسيره من وجه آخر عن عمر ، وزاد فيه أنه قال : وكلاهما بحمد الله لنا عيد . وخرج الترمذي ، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وعنده يهودي ، فقال : لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا ! فقال ابن عباس : فإنها نزلت في يوم عيدين : في يوم جمعة ، ويوم عرفة .
فهذا قد يؤخذ من أن الأعياد لا تكون بالرأي والاختراع كما يفعله أهل الكتابين من قبلنا ، إنما تكون بالشرع والاتباع . فهذه الآية لما تضمنت إكمال الدين وإتمام النعمة أنزلها الله في يوم شرعه عيدا لهذه الأمة من وجهين : أحدهما : أنه يوم عيد الأسبوع ، وهو يوم الجمعة . والثاني : أنه يوم عيد أهل الموسم وهو يوم مجمعهم الأكبر وموقفهم الأعظم ، وقد قيل : إنه يوم الحج الأكبر .
وقد جاء تسميته عيدا في حديث مرفوع خرجه أهل السنن من حديث عقبة بن عامر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يوم عرفة ، ويوم النحر ، وأيام التشريق - عيدنا أهل الإسلام ، وهي أيام أكل وشرب . وقد أشكل وجهه على كثير من العلماء ؛ لأنه يدل على أن يوم عرفة يوم عيد لا يصام ، كما روي ذلك عن بعض المتقدمين . وحمله بعضهم على أهل الموقف ، وهو الأصح لأنه اليوم الذي فيه أعظم مجامعهم ومواقفهم ، بخلاف أهل الأمصار فإن اجتماعهم يوم النحر .
وأما أيام التشريق فيشارك أهل الأمصار أهل الموسم فيها ؛ لأنها أيام ضحاياهم وأكلهم من نسكهم . هذا قول جمهور العلماء . وقال عطاء : إنما هي أعياد لأهل الموسم ، فلا ينهى أهل الأمصار عن صيامها .
وقول الجمهور أصح . ولكن الأيام التي تحدث فيها حوادث من نعم الله على عباده لو صامها بعض الناس شكرا من غير اتخاذها عيدا كان حسنا ؛ استدلالا بصيام النبي - صلى الله عليه وسلم - عاشوراء ؛ لما أخبره اليهود بصيام موسى له شكرا ، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن صيام يوم الاثنين ، قال : ذلك يوم ولدت فيه ، وأنزل علي فيه . فأما الأعياد التي يجتمع عليها الناس فلا يتجاوز بها ما شرعه الله لرسوله ، وشرعه الرسول لأمته .
والأعياد هي مواسم الفرح والسرور ، وإنما شرع الله لهذه الأمة الفرح والسرور بتمام نعمته وكمال رحمته ، كما قال تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا فشرع لهم عيدين في سنة ، وعيدا في كل أسبوع ؛ فأما عيدا السنة : فأحدهما : تمام صيامهم الذي افترضه عليهم كل عام ، فإذا أتموا صيامهم أعتقهم من النار ، فشرع لهم عيدا بعد إكمال صيامهم ، وجعله يوم الجوائز يرجعون فيه من خروجهم إلى صلاتهم وصدقتهم بالمغفرة ، وتكون صدقة الفطر وصلاة العيد شكرا لذلك . والعيد الثاني : أكبر العيدين عند تمام حجهم بإدراك حجهم بالوقوف بعرفة وهو يوم العتق من النار ، ولا يحصل العتق من النار والمغفرة للذنوب والأوزار في يوم من أيام السنة أكثر منه ، فجعل الله عقب ذلك عيدا ، بل هو العيد الأكبر ، فيكمل أهل الموسم فيه مناسكهم ، ويقضون فيه تفثهم ، ويوفون نذورهم ، ويطوفون بالبيت العتيق . ويشاركهم أهل الأمصار في هذا العيد ؛ فإنهم يشاركونهم في يوم عرفة في العتق والمغفرة وإن لم يشاركوهم في الوقوف بعرفة ؛ لأن الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام ، بخلاف الصيام .
ويكون شكر عيد أهل الأمصار الصلاة والنحر ، والنحر أفضل من الصدقة التي في يوم الفطر ؛ ولهذا أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يشكر نعمته عليه بإعطائه الكوثر بالصلاة له والنحر ، كما شرع ذلك لإبراهيم خليله عليه السلام عند أمره بذبح ولده وافتدائه بذبح عظيم . وأما عيد الأسبوع فهو يوم الجمعة ، وهو متعلق بإكمال فريضة الصلاة ؛ فإن الله فرض على عباده المسلمين الصلاة كل يوم وليلة خمس مرات . فإذا كملت أيام الأسبوع التي تدور الدنيا عليها ، وأكملوا صلاتهم فيها - شرع لهم يوم إكمالها ، وهو اليوم الذي انتهى فيه الخلق ، وفيه خلق آدم وأدخل الجنة ، عيدا يجتمعون فيه على صلاة الجمعة .
وشرع لهم الخطبة تذكيرا بنعم الله عليهم ، وحثا لهم على شكرها . وجعل شهود الجمعة بأدائها كفارة لذنوب الجمعة كلها وزيادة ثلاثة أيام . وقد روي أن يوم الجمعة أفضل من يوم الفطر ويوم النحر ، خرجه الإمام أحمد في مسنده ، وقاله مجاهد وغيره .
وروي أنه حج المساكين ، وروي عن علي أنه يوم نسك المسلمين . وقال ابن المسيب : الجمعة أحب إلي من حج التطوع . وجعل الله التبكير إلى الجمعة كالهدي ؛ فالمبكر في أول ساعة كالمهدي بدنة ، ثم كالمهدي بقرة ، ثم كالمهدي كبشا ، ثم كالمهدي دجاجة ، ثم كالمهدي بيضة .
ويوم الجمعة يوم المزيد في الجنة ، الذي يزور أهل الجنة فيه ربهم ، ويتجلى لهم في قدر صلاة الجمعة . وكذلك روي في يوم العيدين أن أهل الجنة يزورون ربهم فيها ، وأنه يتجلى فيها لأهل الجنة عموما ، يشارك الرجال فيها النساء . فهذه الأيام أعياد للمؤمنين في الدنيا وفي الآخرة عموما .
وأما خواص المؤمنين فكل يوم لهم عيد كما قال بعض العارفين . وروي عن الحرم : كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد . ولهذا روي أن خواص أهل الجنة يزورون ربهم ، وينظرون إليه كل يوم مرتين بكرة وعشيا .
وقد خرجه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا وموقوفا . ولهذا المعنى - والله أعلم - لما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الرؤية في حديث جرير بن عبد الله البجلي أمر عقب ذلك بالمحافظة على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ؛ فإن هذين الوقتين وقت لرؤية خواص أهل الجنة ربهم ، فمن حافظ على هاتين الصلاتين على مواقيتهما وأدائهما وخشوعهما وحضور القلب فيهما - رجي له أن يكون ممن ينظر إلى الله في الجنة في وقتهما . فتبين بهذا أن الأعياد تتعلق بإكمال أركان الإسلام ؛ فالأعياد الثلاثة المجتمع عليها تتعلق بإكمال الصلاة والصيام والحج ، فأما الزكاة فليس لها زمان معين تكمل فيه ، وأما الشهادتان فإكمالهما هو الاجتهاد في الصدق فيهما ، وتحقيقهما والقيام بحقوقهما .
وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك كل يوم ووقت ؛ فلهذا كانت أيامهم كلها أعياد ، ولذلك كانت أعيادهم في الجنة مستمرة ، والله أعلم .