3 - بَاب الْأُضْحِيَّةِ لِلْمُسَافِرِ وَالنِّسَاءِ 5548 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَحَاضَتْ بِسَرِفَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ مَكَّةَ وَهِيَ تَبْكِي ، فَقَالَ : مَا لَكِ أَنَفِسْتِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . قَالَ : إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ ، فَلَمَّا كُنَّا بِمِنًى أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ ، فَقُلْتُ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْأُضْحِيَّةِ لِلْمُسَافِرِ وَالنِّسَاءِ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى خِلَافِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُسَافِرَ لَا أُضْحِيَّةَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، وَإِشَارَةٌ إِلَى خِلَافِ مَنْ قَالَ إِنَّ النِّسَاءَ لَا أُضْحِيَّةَ عَلَيْهِنَّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشِيرَ إِلَى خِلَافِ مَنْ مَنَعَ مِنْ مُبَاشَرَتِهِنَّ التَّضْحِيَةَ ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ مُبَاشَرَةِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ لِلتَّضْحِيَةِ . قَوْلُهُ : ( سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَلَمْ يَسْمَعْ مُسَدَّدٌ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ) فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سُفْيَانَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ وَتَقَدَّمَتْ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ . قَوْلُهُ : ( بِسَرِفَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ خَارِجَ مَكَّةَ . قَوْلُهُ : ( أَنُفِسْتِ ) ؟ قَيَّدَهُ الْأَصِيلِيُّ وَغَيْرُهُ بِضَمِّ النُّونِ أَيْ حِضْتِ ، وَيَجُوزُ الْفَتْحُ . وَقِيلَ هُوَ فِي الْحَيْضِ بِالْفَتْحِ فَقَطْ وَفِي النِّفَاسِ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ فَلَمَّا كُنَّا بِمِنًى أَتَيْتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ ) تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَخْصَرُ مِنْ هَذَا ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُبَيَّنًا هُنَاكَ . وَقَوْلُهُ : ضَحَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الذَّبْحَ الْمَذْكُورَ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْأُضْحِيَّةِ ، وَحَاوَلَ ابْنُ التِّينِ تَأْوِيلَهُ لِيُوَافِقَ مَذْهَبَهُ فَقَالَ : الْمُرَادُ أَنَّهُ ذَبَحَهَا وَقْتَ ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ وَهُوَ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ ، قَالَ : وَإِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَكُونُ تَطَوُّعًا لَا عَلَى أَنَّهَا سُنَّةُ الْأُضْحِيَّةِ ، كَذَا قَالَ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ضَحِيَّةَ الرَّجُلِ تُجْزِي عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ ، وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ أَوْ مَنْسُوخٌ وَلَمْ يَأْتِ لِذَلِكَ بِدَلِيلٍ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ بِأُضْحِيَّةٍ مَعَ تَكْرَارِ سِنِي الضَّحَايَا وَمَعَ تَعَدُّدِهِنَّ ، وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِنَقْلِ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ كَمَا نُقِلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : سَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبَ : كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ ، حَتَّى تَنَاهَى النَّاسُ كَمَا تَرَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْأُضْحِيَّةِ لِلْمُسَافِرِ وَالنِّسَاءِ · ص 7 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الأضحية للمسافر والنساء · ص 146 باب الأضحية للمسافر والنساء أي هذا باب في بيان حكم الأضحية للمسافر والنساء ، وقال بعضهم : فيه إشارة إلى خلاف من قال : لا أضحية عليهن ، ويحتمل أن يكون أشار إلى خلاف منع تضحيتهن . قلت : لا إشارة فيه أصلا لما قاله ، وإنما وضع هذه الترجمة لبيان أن المسافر والنساء هل عليهما أضحية أم لا ، غير أنه أبهم ذلك اكتفاء بما يفهم من حديث الباب على ما لا يخفى على من له ذوق في إدراك معاني الأحاديث ، وقوله ( ويحتمل .. إلى آخره ) أبعد من الأول ؛ لأن الترجمة ليس فيها ما يدل على ذلك ، ولا في حديث الباب . 4 - حدثني مسدد ، حدثنا سفيان ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها ، وحاضت بسرف قبل أن تدخل مكة ، وهي تبكي ، فقال : ما لك أنفست ؟ قالت : نعم ، قال : إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ، فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ، فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقر ، فقلت : ما هذا ؟ قالوا : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه بالبقر . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن فيه أضحية المسافر ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مسافرا ، وفيه تعرض للأضحية للنساء ، وهو ظاهر . فالكلام هنا في فصلين : الأول : هل يجب على المسافر أضحية ؟ اختلفوا فيه ، فقال الشافعي : هي سنة على جميع الناس ، وعلى الحاج بمنى ، وبه قال أبو ثور ، وقال مالك : لا أضحية عليه ، ولا يؤمر بتركها إلا الحاج بمنى ، وذكر ابن المواز عن مالك : أن من لم يحج من أهل مكة ومنى فليضح ، وحكى ابن بطال أن مذهب ابن عمر أن الأضحية تلزم المسافر . قلت : قد مر أن ابن عمر قال : هي سنة ومعروف . نعم هو قول الأوزاعي ، والليث ، وقال أبو حنيفة : لا تجب على المسافر أضحية ، وعن النخعي : رخص للحاج والمسافر أن لا يضحي . الفصل الثاني : أن من أوجب الأضحية أوجبها على النساء ، ومن لم يوجبها لم يوجبها عليهن ، واستحبها في حقهن . وسفيان في السند هو ابن عيينة ، وعبد الرحمن يروي عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم ، عن عائشة أم المؤمنين . والحديث مضى في أول كتاب الغسل في كتاب الطهارة ، فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله المديني ، عن سفيان .. إلى آخره ، ومضى الكلام فيه . قوله ( بسرف ) بفتح السين المهملة ، وكسر الراء ، وفتح الفاء ، وهو ما بين مكة والمدينة بقرب مكة على أميال قال النووي : قيل : ستة ، وقيل : سبعة ، وقيل : تسعة ، وقيل : عشرة ، وقيل : اثني عشر ميلا . قوله ( أنفست ) معناه أحضت ، وهو بفتح النون وضمها لغتان مشهورتان ، والفتح أفصح ، والفاء مكسورة فيهما ، وأما النفاس الذي هو الولادة ، فيقال فيه نفست بالضم لا غير . قوله ( هذا أمر كتبه الله تعالى على بنات آدم ) هذا تسلية لها وتخفيف لها ، ومعناه أنك لست بمختصة به بل كل بنات آدم يكون هذا منهن كما يكون من الرجل ، ومنهن البول والغائط وغيرهما ، وقال النووي : استدل البخاري بعموم هذا الحديث على أن الحيض كان في جميع بنات آدم ، وأنكر به على من قال : إن الحيض أول ما وقع في بني إسرائيل . قوله ( فاقضي ) أي افعلي كما في الرواية الأخرى : فاصنعي . وفيه دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض ، وهذا مجمع عليه ، ولكن اختلفوا في علته على حسب اختلافهم في اشتراط الطهارة للطواف ، فقال مالك ، والشافعي ، وأحمد : هي شرط ، وقال أبو حنيفة : ليست بشرط ، وبه قال داود ، فمن شرط الطهارة قال : العلة في بطلان طواف الحائض عدم الطهارة ، ومن لم يشترطها قال : العلة فيه كونها ممنوعة من اللبث في المسجد . قوله ( ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه ) وفي رواية مسلم : عن نسائه . قال النووي : هذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم استأذنهن في ذلك ، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا تجوز إلا بإذنه .