باب الأضحية للمسافر والنساء
حدثني مسدد ، حدثنا سفيان ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها ، وحاضت بسرف قبل أن تدخل مكة ، وهي تبكي ، فقال : ما لك أنفست ؟ قالت : نعم ، قال : إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ، فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ، فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقر ، فقلت : ما هذا ؟ قالوا : ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه بالبقر . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن فيه أضحية المسافر ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مسافرا ، وفيه تعرض للأضحية للنساء ، وهو ظاهر . فالكلام هنا في فصلين : الأول : هل يجب على المسافر أضحية ؟ اختلفوا فيه ، فقال الشافعي : هي سنة على جميع الناس ، وعلى الحاج بمنى ، وبه قال أبو ثور ، وقال مالك : لا أضحية عليه ، ولا يؤمر بتركها إلا الحاج بمنى ، وذكر ابن المواز عن مالك : أن من لم يحج من أهل مكة ومنى فليضح ، وحكى ابن بطال أن مذهب ابن عمر أن الأضحية تلزم المسافر .
قلت : قد مر أن ابن عمر قال : هي سنة ومعروف . نعم هو قول الأوزاعي ، والليث ، وقال أبو حنيفة : لا تجب على المسافر أضحية ، وعن النخعي : رخص للحاج والمسافر أن لا يضحي . الفصل الثاني : أن من أوجب الأضحية أوجبها على النساء ، ومن لم يوجبها لم يوجبها عليهن ، واستحبها في حقهن .
وسفيان في السند هو ابن عيينة ، وعبد الرحمن يروي عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم ، عن عائشة أم المؤمنين . والحديث مضى في أول كتاب الغسل في كتاب الطهارة ، فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله المديني ، عن سفيان . . إلى آخره ، ومضى الكلام فيه .
قوله ( بسرف ) بفتح السين المهملة ، وكسر الراء ، وفتح الفاء ، وهو ما بين مكة والمدينة بقرب مكة على أميال قال النووي : قيل : ستة ، وقيل : سبعة ، وقيل : تسعة ، وقيل : عشرة ، وقيل : اثني عشر ميلا . قوله ( أنفست ) معناه أحضت ، وهو بفتح النون وضمها لغتان مشهورتان ، والفتح أفصح ، والفاء مكسورة فيهما ، وأما النفاس الذي هو الولادة ، فيقال فيه نفست بالضم لا غير . قوله ( هذا أمر كتبه الله تعالى على بنات آدم ) هذا تسلية لها وتخفيف لها ، ومعناه أنك لست بمختصة به بل كل بنات آدم يكون هذا منهن كما يكون من الرجل ، ومنهن البول والغائط وغيرهما ، وقال النووي : استدل البخاري بعموم هذا الحديث على أن الحيض كان في جميع بنات آدم ، وأنكر به على من قال : إن الحيض أول ما وقع في بني إسرائيل .
قوله ( فاقضي ) أي افعلي كما في الرواية الأخرى : فاصنعي . وفيه دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض ، وهذا مجمع عليه ، ولكن اختلفوا في علته على حسب اختلافهم في اشتراط الطهارة للطواف ، فقال مالك ، والشافعي ، وأحمد : هي شرط ، وقال أبو حنيفة : ليست بشرط ، وبه قال داود ، فمن شرط الطهارة قال : العلة في بطلان طواف الحائض عدم الطهارة ، ومن لم يشترطها قال : العلة فيه كونها ممنوعة من اللبث في المسجد . قوله ( ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه ) وفي رواية مسلم : عن نسائه .
قال النووي : هذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم استأذنهن في ذلك ، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا تجوز إلا بإذنه .