4 - بَاب الْخَمْرُ مِنْ الْعَسَلِ ، وَهُوَ الْبِتْعُ . وَقَالَ مَعْنٌ سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ الْفُقَّاعِ فَقَالَ : إِذَا لَمْ يُسْكِرْ فَلَا بَأْسَ به . وَقَالَ ابْنُ الدَّرَاوَرْدِيِّ سَأَلْنَا عَنْهُ فَقَالُوا : لَا يُسْكِرُ ، لَا بَأْسَ بِهِ 5585 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِتْعِ فَقَالَ : كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ . 5586 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِتْعِ - وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ ، وَكَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَشْرَبُونَهُ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ . قَوْلُهُ ( بَابُ الْخَمْرِ مِنَ الْعَسَلِ وَهُوَ الْبِتْعُ ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ وَقَدْ تُفْتَحُ وَهِيَ لُغَةٌ يَمَانِيَّةٌ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ مَعْنُ ) ابْنُ عِيسَى ( سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنِ الْفُقَّاعِ ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ مَعْرُوفٌ ، قَدْ يُصْنَعُ مِنَ الْعَسَلِ وَأَكْثَرُ مَا يُصْنَعُ مِنَ الزَّبِيبِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْأَنْبِذَةِ مَا دَامَ طَرِيًّا يَجُوزُ شُرْبُهُ مَا لَمْ يَشْتَدَّ . قوله ( فقال إذا لم يسكر فلا بأس به ) أي وإذا أسكر حرم كثيره وقليله . قوله ( وقال ابن الدراوردي ) هو عبد العزيز بن محمد ، وهذا من رواية معن بن عيسى عنه أيضا . قوله ( فقالوا لا يسكر لا بأس به ) لم أعرف الذين سألهم الدراوردي عن ذلك ، لكن الظاهر أنهم فقهاء أهل المدينة في زمانه ، وهو قد شارك مالكا في لقاء أكثر مشايخه المدنيين ، والحكم في الفقاع ما أجابوه به ، لأنه لا يسمى فقاعا إلا إذا لم يشتد . وهذا الأثر ذكره معن بن عيسى القزاز في الموطأ رواية عن مالك ، وقد وقع لنا بالإجازة . وغفل بعض الشراح فقال : إن معن بن عيسى من شيوخ البخاري فيكون له حكم الاتصال ، كذا قال والبخاري لم يلق معن بن عيسى لأنه مات بالمدينة والبخاري حينئذ ببخارى وعمره حينئذ أربع سنين ، وكأن البخاري أراد بذكر هذا الأثر في الترجمة أن المراد بتحريم قليل ما أسكر كثيره أن يكون الكثير في تلك الحالة مسكرا ، فلو كان الكثير في تلك الحالة لا يسكر لم يحرم قليله ولا كثيره ، كما لو عصر العنب وشربه في الحال . وسيأتي مزيد في بيان ذلك في باب البازق إن شاء الله تعالى . قَوْلُهُ : ( سُئِلَ عَنِ الْبِتْعِ ) زَادَ شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ ، وَكَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَشْرَبُونَهُ وَمِثْلُهُ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ مَنْ دُونَهَا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ مِثْلُ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، لَكِنْ قَالَ فِي آخِرِهِ : وَالْبِتْعُ نَبِيذُ الْعَسَلِ وَهُوَ أَظْهَرُ فِي احْتِمَالِ الْإِدْرَاجِ . لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَقَعُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ لَكِنْ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ السَّائِلِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ صَرِيحًا ، لَكِنَّنِي أَظُنُّهُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْرِبَةٍ تُصْنَعُ بِهَا فَقَالَ : مَا هِيَ ؟ قَالَ : الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ ، فَقَالَ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . قُلْتُ لِأَبِي بُرْدَةَ : مَا الْبِتْعُ ؟ قَالَ : نَبِيذُ الْعَسَلِ ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بِلَفْظِ : فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ : الْبِتْعُ مِنَ الْعَسَلِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ ، وَالْمِزْرُ مِنَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ ، قَالَ : وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ ، فَقَالَ : أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تَفْسِيرَ الْبِتْعِ مَرْفُوعٌ وَلَفْظُهُ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَرَابٍ مِنَ الْعَسَلِ ، فَقَالَ : ذَاكَ الْبِتْعُ ، قُلْتُ : وَمِنَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ ، قَالَ : ذَاكَ الْمِزْرُ . ثُمَّ قَالَ : أَخْبِرْ قَوْمَكَ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، وَقَدْ سَأَلَ أَبُو وَهْبٍ الْجَيْشَانِيُّ عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَهُ أَبُو مُوسَى ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمِزْرِ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَفْسِيرُ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ وَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَخْصِيصَ التَّحْرِيمِ بِحَالَةِ الْإِسْكَارِ ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ فِيهِ صَلَاحِيَةُ الْإِسْكَارِ حَرُمَ تَنَاوُلُهُ وَلَوْ لَمْ يَسْكَرِ الْمُتَنَاوِلُ بِالْقَدْرِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ مِنْهُ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ لَفْظِ السُّؤَالِ أَنَّهُ وَقَعَ عَنْ حُكْمِ جِنْسِ الْبِتْعِ لَا عَنِ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ السَّائِلُ ذَلِكَ لَقَالَ : أَخْبِرْنِي عَمَّا يَحِلُّ مِنْهُ وَمَا يَحْرُمُ ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ إِذَا سَأَلُوا عَنِ الْجِنْسِ قَالُوا : هَلْ هَذَا نَافِعٌ أَوْ ضَارٌّ ؟ مَثَلًا . وَإِذَا سَأَلُوا عَنِ الْقَدْرِ قَالُوا : كَمْ يُؤْخَذُ مِنْهُ ؟ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُفْتِيَ يُجِيبُ السَّائِلَ بِزِيَادَةٍ عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ السَّائِلُ . وَفِيهِ تَحْرِيمُ كُلِّ مُسْكِرٍ سَوَاءٌ كَانَ مُتَّخَذًا مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَصِيرَ الْعِنَبِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ حَلَالٌ ، وَعَلَى أَنَّهُ إِذَا اشْتَدَّ وَغَلَى وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ حَرُمَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، ثُمَّ لَوْ حَصَلَ لَهُ تَخَلُّلٌ بِنَفْسِهِ حَلَّ بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا ، فَوَقَعَ النَّظَرُ فِي تَبَدُّلُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ عِنْدَ هَذِهِ الْمُتَّخَذَاتِ فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِارْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ الْإِسْكَارُ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ شَرَابٍ وُجِدَ فِيهِ الْإِسْكَارُ حَرُمَ تَنَاوُلُ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ اسْتِنْبَاطًا ثَبَتَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْخَبَرِ ، فَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مِثْلُهُ ، وَسَنَدُهُ إِلَى عَمْرٍو صَحِيحٌ . وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ ، وَلِابْنِ حِبَّانَ ، وَالطَّحَاوِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ ، وَقَدِ اعْتَرَفَ الطَّحَاوِيُّ بِصِحَّةِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، لَكِنْ قَالَ : اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَرَادَ بِهِ جِنْسَ مَا يُسْكِرُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ أَرَادَ بِهِ مَا يَقَعُ السُّكْرُ عِنْدَهُ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يُسَمَّى قَاتِلًا حَتَّى يَقْتُلَ ، قَالَ : وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ : حُرِّمَتِ الْخَمْرُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا ، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ . قُلْتُ : وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَانْقِطَاعِهِ وَفِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَقَدْ رَجَّحَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ بِلَفْظِ وَالْمُسْكِرِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ لَا السُّكْرُ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ أَوْ بِفَتْحَتَيْنِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا فَهُوَ حَدِيثُ فَرْدٍ وَلَفْظُهُ مُحْتَمَلٌ ، فَكَيْفَ يُعَارِضُ عُمُومَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ مَعَ صِحَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا ؟ وَجَاءَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ وَعَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْحَاكِمِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَفِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ ، لَكِنَّهَا تَزِيدُ الْأَحَادِيثَ الَّتِي قَبْلَهَا قُوَّةً وَشُهْرَةً . قَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ - وَكَانَ حَنَفِيًّا فَتَحَوَّلَ شَافِعِيًّا - : ثَبَتَتِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ ، ثُمَّ سَاقَ كَثِيرًا مِنْهَا ثُمَّ قَالَ : وَالْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَلَا مَسَاغَ لِأَحَدٍ فِي الْعُدُولِ عَنْهَا وَالْقَوْلُ بِخِلَافِهَا ، فَإِنَّهَا حُجَجٌ قَوَاطِعُ . قَالَ : وَقَدْ زَلَّ الْكُوفِيُّونَ فِي هَذَا الْبَابِ وَرَوَوْا أَخْبَارًا مَعْلُولَةً لَا تُعَارِضَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ بِحَالٍ ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرِبَ مُسْكِرًا فَقَدْ دَخَلَ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ وَبَاءَ بِإِثْمٍ كَبِيرٍ ، وَإِنَّمَا الَّذِي شَرِبَهُ كَانَ حُلْوًا وَلَمْ يَكُنْ مُسْكِرًا . وَقَدْ رَوَى ثُمَامَةُ بْنُ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيُّ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيذِ فَدَعَتْ جَارِيَةً حَبَشِيَّةً فَقَالَتْ : سَلْ هَذِهِ ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَتِ الْحَبَشِيَّةُ : كُنْتُ أَنْبِذُ لَهُ فِي سِقَاءٍ مِنَ اللَّيْلِ وَأُوكِئُهُ وَأُعَلِّقُهُ فَإِذَا أَصْبَحَ شَرِبَ مِنْهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَرَوَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ ثُمَّ قَالَ : فَقِيَاسُ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ بِعِلَّةِ الْإِسْكَارِ وَالِاضْطِرَابِ مِنْ أَجَلِّ الْأَقْيِسَةِ وَأَوْضَحِهَا ، وَالْمَفَاسِدُ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْخَمْرِ تُوجَدُ فِي النَّبِيذِ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عِلَّةَ الْإِسْكَارِ فِي الْخَمْرِ لِكَوْنِ قَلِيلِهِ يَدْعُو إِلَى كَثِيرِهِ مَوْجُودَةٌ فِي النَّبِيذِ ، لِأَنَّ السُّكْرَ مَطْلُوبٌ عَلَى الْعُمُومِ ، وَالنَّبِيذُ عِنْدَهُمْ عِنْدَ عَدَمِ الْخَمْرِ يَقُومُ مَقَامَ الْخَمْرِ لِأَنَّ حُصُولَ الْفَرَحِ وَالطَّرَبِ مَوْجُودٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ، وَإِنْ كَانَ فِي النَّبِيذِ غِلَظٌ وَكُدْرَةٌ وَفِي الْخَمْرِ رِقَّةٌ وَصَفَاءٌ لَكِنِ الطَّبْعُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فِي النَّبِيذِ لِحُصُولِ السُّكْرِ كَمَا تُحْتَمَلُ الْمَرَارَةُ فِي الْخَمْرِ لِطَلَبِ السُّكْرِ ، قَالَ : وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَالنُّصُوصُ الْمُصَرِّحَةُ بِتَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ مُغْنِيَةٌ عَنِ الْقِيَاسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : لَا يَصِحُّ فِي حِلِّ النَّبِيذِ الَّذِي يُسْكِرُ كَثِيرُهُ عَنِ الصَّحَابَةِ شَيْءٌ وَلَا عَنِ التَّابِعِينَ ، إِلَّا عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، قَالَ : وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ عَائِشَةَ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ : كُنَّا نَدْخُلُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَيَسْقِينَا نَبِيذًا شَدِيدًا ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ : أَكَلْتُ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأُتِينَا بِنَبِيذٍ شَدِيدٍ نَبَذَتْهُ سِيرِينُ فَشَرِبُوا مِنْهُ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا لَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَمْ يَكُنْ مُعَارِضًا لِلْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي تَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ . ثَانِيهَا أَنَّهُ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ تَحْرِيمُ الْمُسْكِرِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، فَإِذَا اخْتَلَفَ النَقْلُ عَنْهُ كَانَ قوله الْمُوَافِقُ لِقَوْلِ إِخْوَانِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعَ مُوَافَقَةِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ أَوْلَى . ثَالِثُهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشِّدَّةِ شِدَّةَ الْحَلَاوَةِ أَوْ شِدَّةَ الْحُمُوضَةِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ أَصْلًا . وَأَسْنَدَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ ، وَفِي هَذَا تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ نَقَلَ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا أَصْلَ لَهُ . وَقَدْ ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْهِدَايَةِ وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِهِمُ اطِّلَاعًا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ نَقْلُ هَذَا عَنِ ابْنِ مَعِينٍ اهـ . وَكَيْفَ يَتَأَتَّى الْقَوْلُ بِتَضْعِيفِهِ مَعَ وُجُودِ مَخَارِجِهِ الصَّحِيحَةِ ثُمَّ مَعَ كَثْرَةِ طُرُقِهِ ، حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : إِنَّهَا جَاءَتْ عَنْ عِشْرِينَ صَحَابِيًّا ، فَأَوْرَدَ كَثِيرًا مِنْهَا فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ الْمُفْرَدِ ، فَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ أَوَّلَ الْبَابِ ، وَحَدِيثُ عُمَرَ بِلَفْظِ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَفِيهِ الْإِفْرِيقِيُّ ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ بِلَفْظِ : اجْتَنِبُوا مَا أَسْكَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَهُوَ حَسَنٌ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقٍ لَيِّنٍ بِلَفْظِ عُمَرَ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَيِّنٍ أَيْضًا بِلَفْظِ عَلِيٍّ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ : مَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ عُمَرَ ، وَحَدِيثُ الْأَشَجِّ الْعَصْرِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى كَذَلِكَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَحَدِيثُ دَيْلَمٍ الْحِمْيَرِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ فِي حَدِيثٍ فِيهِ : قَالَ هَلْ يُسْكِرُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَاجْتَنِبُوهُ ، وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ : وَكُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ جَيِّدٍ بِلَفْظِ عُمَرَ ، وَالْبَزَّارِ مِنْ طَرِيقٍ لَيِّنٍ بِلَفْظِ : وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ ، وَحَدِيثُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ حَدِيثِ عُمَرَ ، وَحَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ : وَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ ، وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ عُمَرَ ، وَحَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ ، وَحَدِيثُ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ الْمُزَنِيِّ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ عُمَرَ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ : اجْتَنِبُوا الْمُسْكِرَ ، وحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ : نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ ، وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ وَلَفْظُهُ مِثْلُ لَفْظِ عُمَرَ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ كَذَلِكَ ، ذَكَرَ أَحَادِيثَ هَؤُلَاءِ التِّرْمِذِيُّ فِي الْبَابِ ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ عُمَرَ ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ عَلِيٍّ : اجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ ، وَعَنِ الرَّسِيمِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ : اشْرَبُوا فِيمَا شِئْتُمْ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا ، وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِنَحْوِ هَذَا اللَّفْظِ ، وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ : يَا أَيُّهَا السَّائِلُ عَنِ الْمُسْكِرِ لَا تَشْرَبْهُ وَلَا تَسْقِهْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَنْ صُحَارٍ الْعَبْدِيِّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِنَحْوِ هَذَا ، وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ النُّعْمَانِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ فِي الْأَشْرِبَةِ وَكَذَا عِنْدَهُ عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فَإِذَا انْضَمَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَعَائِشَةَ زَادَتْ عَنْ ثَلَاثِينَ صَحَابِيًّا ، وَأَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَنْهُمْ جِيَادٌ وَمَضْمُونُهَا أَنَّ الْمُسْكِرَ لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ بَلْ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَدَّ أَنَسٌ الِاحْتِمَالَ الَّذِي جَنَحَ إِلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ سَمِعْتُ الْمُخْتَارَ بْنَ فُلْفُلٍ يَقُولُ : سَأَلْتُ أَنَسًا فَقَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُزَفَّتِ وَقَالَ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . قَالَ فَقُلْتُ لَهُ : صَدَقْتَ الْمُسْكِرُ حَرَامٌ ، فَالشَّرْبَةُ وَالشَّرْبَتَانِ عَلَى الطَّعَامِ ؟ فَقَالَ : مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ ، وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَالصَّحَابِيُّ أَعْرَفُ بِالْمُرَادِ مِمَّنْ تَأَخَّرَ بَعْدَهُ ، وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ مَا قَالَ ، وَاسْتُدِلَّ بِمُطْلَقِ قَوْلِهِ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَا يُسْكِرُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرَابًا ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْحَشِيشَةُ وَغَيْرُهَا ، وَقَدْ جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا مُسْكِرَةٌ ، وَجَزَمَ آخَرُونَ بِأَنَّهَا مُخَدِّرَةٌ ، وَهُوَ مُكَابَرَةٌ لِأَنَّهَا تُحْدِثُ بِالْمُشَاهَدَةِ مَا يُحْدِثُ الْخَمْرُ مِنَ الطَّرَبِ وَالنَّشْأَةِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا وَالِانْهِمَاكِ فِيهَا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُسْكِرَةٍ فَقَدْ ثَبَتَ فِي أَبِي دَاوُدَ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ وَهُوَ بِالْفَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْخَمْرُ مِنْ الْعَسَلِ وَهُوَ الْبِتْعُ · ص 44 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الخمر من العسل وهو البتع · ص 169 باب الخمر من العسل ، وهو البتع . الكلام فيه مثل الكلام في باب الخمر من العنب في الوجوه التي ذكرناها . قوله ( وهو البتع ) بكسر الباء الموحدة ، وسكون التاء المثناة من فوق وبالعين المهملة ، قال القزاز : وهو يتخذ من عسل النحل صلب يكره شربه لدخوله في جملة ما يكره من الأشربة لفعله وصلابته ، وفي كتاب الواعي : صلابته كصلابة الخمر ، وقال أبو حنيفة : البتع خمر يمانية ، وأهل اليمن يفتحون تاءه ، وقال ابن محيريز : سمعت أبا موسى يخطب على منبر البصرة : ألا إن خمر أهل المدينة البسر والتمر ، وخمر أهل فارس العنب ، وخمر أهل اليمن البتع ، وخمر الحبش السكركة وهو الأرز . وقال معن : سألت مالك بن أنس عن الفقاع ، فقال : إذا لم يسكر فلا بأس ، وقال ابن الدراوردي : سألنا عنه ، فقالوا : لا يسكر لا بأس به . معن بفتح الميم ، وسكون العين المهملة ، وبالنون ، ابن عيسى القزاز بالقاف ، وتشديد الزاي الأولى ، قال ابن سعد : مات بالمدينة في شوال سنة ثمان وتسعين ومائة ، وقال صاحب التلويح : هذا التعليق أخذه البخاري عن معن مذاكرة ، فيما قاله بعض العلماء . قلت : كيف يتصور أخذ البخاري عن معن ، ومولده في شوال سنة أربع وتسعين ومائة ، وكان عمره يوم مات معن أربع سنين ، وكأنه غره ما حكاه ابن الصلاح في تعاليق البخاري عن شيوخه مطلقا ، لا في خصوص هذا الأثر ، وأراد ببعض العلماء ابن الصلاح ، وأبعد صاحب التوضيح حيث قال : أخذ البخاري هذا التعليق عن معن مذاكرة ، وهو قلد صاحب التلويح ، وزاد في البعد مسافة . قوله ( عن الفقاع ) بضم الفاء ، وتشديد القاف ، وبالعين المهملة ، قال الكرماني : المشروب المشهور . قلت : الفقاع لا يشرب بل يمص من كوزه ، وقال بعضهم : الفقاع معروف قد يصنع من العسل ، وأكثر ما يصنع من الزبيب . قلت : لم يقل أحد إن الفقاع يصنع من العسل بل أهل الشام يصنعونه من الدبس ، وفي عامة البلاد ما يصنع إلا من الزبيب المدقوق ، وحكم شربه ما قاله مالك : إن لم يسكر لا بأس به ، والفقاع لا يسكر ، نعم إذا بات في إنائه الذي يصنعونه فيه ليلة في الصيف أو ليلتين في الشتاء يشتد جدا ، ومع هذا لا يسكر ، وقد سئل بعض مشايخنا : ما قول السادة العلماء في فقاع يتخذ من زبيب بحيث إنه إذا قلع سداد كوزه لا يبقى فيه شيء من شدته ، يخرج وينتثر ؟ فقال : لا بأس به ، وأما إذا صار بحال بحيث إنه يسكر من شدته فيحرم حينئذ قليلا كان أو كثيرا . قوله ( وقال ابن الدراوردي ) هو عبد العزيز بن محمد ، وهذا من رواية معن بن عيسى عنه أيضا ، والظاهر أن ابن الدراوردي سأل عن فقهاء أهل المدينة في زمانه ، وهو قد شارك مالكا في لقاء أكثر مشايخه المدنيين .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الخمر من العسل وهو البتع · ص 170 11 – حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع ، فقال : كل شراب أسكر فهو حرام . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وقد مضى في كتاب الطهارة في باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ، فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله ، عن سفيان ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل شراب أسكر فهو حرام ، ولم يعرف اسم السائل صريحا . قيل : يحتمل أن يكون السائل أبا موسى الأشعري ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن ، فسأله عليه السلام عن أشربة تصنع بها ، فقال : ما هي ؟ قال : البتع والمزر ، فقال : كل مسكر حرام .