5593 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَخوَلِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَسْقِيَةِ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ سِقَاءً ، فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الْجَرِّ غَيْرِ الْمُزَفَّتِ . الْحَدِيثُ الثَّانِي . قَوْلُهُ : ( عَلِيٌّ ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سُلَيْمَانَ ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي عِيَاضٍ الْعَنْسِيِّ ) بِالنُّونِ ، وَعِيَاضٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَقِيلَ قَيْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نَصْرٍ الْكَلَابَاذِيُّ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ ، وَكَأَنَّهُ تَبِعَ مَا نَقَلَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي الْكُنَى أَبُو عِيَاضٍ عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيُّ ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ شُرَحْبِيلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ الْحِمْصِيِّ أَبِي عِيَاضٍ . ثُمَّ رَوَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيُّ يُكَنَّى أَبَا عِيَاضٍ . وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ قَالَ لِي عَلِيٌّ - يَعْنِي ابْنَ الْمَدِينِيِّ - إِنْ لَمْ يَكُنِ اسْمُ أَبِي عِيَاضٍ قَيْسَ بْنَ ثَعْلَبَةَ فَلَا أَدْرِي قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُ عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ . قَالَ النَّسَائِيُّ : وَيُقَالُ كُنْيَةُ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ . قُلْتُ : أَوْرَدَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ فِي الْكُنَى مُحَصَّلَ مَا أَوْرَدَهُ النَّسَائِيُّ إِلَّا قَوْلَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَأَنَّهُ رَوَى عَنْهُ مُجَاهِدٌ ، وَخَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ ، وَأَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ ، وَذَكَرَ فِي رِوَايَةِ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى مَجْلِسٍ فَسَلَّمَ فَقَالُوا : لَوْ جَلَسْتَ إِلَيْنَا يَا أَبَا عِيَاضٍ . وَمِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيَاضٍ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ . وَرَوَى أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ أَنَّ عُمَرَ أَثْنَى عَلَى أَبِي عِيَاضٍ . وَذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى فِي ذَيْلِ الصَّحَابَةِ وَعَزَاهُ لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ ، وَأَظُنُّهُ ذَكَرَهُ لِإِدْرَاكِهِ وَلَكِنْ لَا تَثْبُتُ لَهُ صُحْبَةٌ . وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً قَلِيلَ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الثِّقَاتِ . وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالرَّاجِحُ فِي أَبِي عِيَاضٍ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ وَأَنَّهُ شَامِيٌّ ، وَأَمَّا قَيْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ فَهُوَ أَبُو عِيَاضٍ آخَرُ وَهُوَ كُوفِيٌّ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ وَقَالَ : إِنَّهُ يَرْوِي عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ ، رَوَى عَنْهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ . وَإِنَّمَا بَسَطْتُ تَرْجَمَتَهُ لِأَنَّ الْمِزِّيَّ لَمْ يَسْتَوْعِبْهَا ، وَخَلَطَ تَرْجَمَةً بِتَرْجَمَةٍ ، وَأَنَّهُ صَغَّرَ اسْمَهُ فَقَالَ : عُمَيْرُ بْنُ الْأَسْوَدِ الشَّامِيُّ الْعَنْسِيُّ صَاحِبُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ غَيْرُهُ ; فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ الْمِزِّيُّ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ حَدِيثًا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْجِهَادِ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ ، وَكَأَنَّ عُمْدَتَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ رَوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ أَيْضًا ، وَقَدْ فَرَّقَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ بَيْنَ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ الَّذِي يُكَنَّى أَبَا عِيَاضٍ وَبَيْنَ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ الَّذِي يَرْوِي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا عُمَيْرٌ بِالتَّصْغِيرِ ، فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ فَلَعَلَّ أَبَا عِيَاضٍ كَانَ يُقَالُ لَهُ عَمْرٌو ، وَعُمَيْرٌ ، وَلَكِنَّهُ آخَرُ غَيْرُ صَاحِبِ عُبَادَةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَيِ ابْنُ الْعَاصِ ، كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ مُسْلِمٍ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الْعَيْنِ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ . قَوْلُهُ ( لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْأَسْقِيَةِ ) كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ . وَقَدْ تَفَطَّنَ الْبُخَارِيُّ لِمَا فِيهَا فَقَالَ بَعْدَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا ، وَقَالَ عَنِ الْأَوْعِيَةِ ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ كَأَحْمَدَ ، وَالْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : ذِكْرُ الْأَسْقِيَةِ وَهْمٌ مِنَ الرَّاوِي ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنِ الْأَوْعِيَةِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْهَ قَطُّ عَنِ الْأَسْقِيَةِ وَإِنَّمَا نَهَى عَنِ الظُّرُوفِ وَأَبَاحَ الِانْتِبَاذَ فِي الْأَسْقِيَةِ ، فَقِيلَ لَهُ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ سِقَاءً فَاسْتَثْنَى مَا يُسْكِرُ ; وَكَذَا قَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا نَهَاهُمْ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَغَيْرِهَا ، قَالُوا : فَفِيمَ نَشْرَبُ ؟ قَالَ : فِي أَسْقِيَةِ الْأُدُمِ . قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ فِي الْأَصْلِ كَانَتْ لَمَّا نَهَى عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي الْأَسْقِيَةِ ، فَسَقَطَ مِنَ الرِّوَايَةِ شَيْءٌ انْتَهَى . وَسَبَقَهُ إِلَى هَذَا الْحُمَيْدِيُّ فَقَالَ فِي الْجَمْعِ : لَعَلَّهُ نَقَصَ مِنْ لَفْظِ الْمَتْنِ ، وَكَانَ فِي الْأَصْلِ لَمَّا نَهَى عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي الْأَسْقِيَةِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : مَعْنَاهُ لَمَّا نَهَى عَنِ الظُّرُوفِ إِلَّا الْأَسْقِيَةَ وَهُوَ عَجِيبٌ ، وَالَّذِي قَالَهُ الْحُمَيْدِيُّ أَقْرَبُ ، وَإِلَّا فَحَذْفُ أَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَإِثْبَاتُ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا إِنِ ادَّعَى مَا قَالَ الْحُمَيْدِيُّ أَنَّهُ سَقَطَ عَلَى الرَّاوِي . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ معناه لَمَّا نَهَى فِي مَسْأَلَةِ الْأَنْبِذَةِ عَنِ الْجِرَارِ بِسَبَبِ الْأَسْقِيَةِ قَالَ : وَمَجِيءُ عَنْ سَبَبِيَّةً شَائِعٌ ، مِثْلُ يُسَمِّنُونَ عَنِ الْأَكْلِ أَيْ بِسَبَبِ الْأَكْلِ ، وَمِنْهُ : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا أَيْ بِسَبَبِهَا . قُلْتُ : وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ . وَيَظْهَرُ لِي أَنْ لَا غَلَطَ وَلَا سَقْطَ ، وَإِطْلَاقُ السِّقَاءِ عَلَى كُلِّ مَا يُسْقَى مِنْهُ جَائِزٌ ، فَقَوْلُهُ نَهَى عَنِ الْأَسْقِيَةِ بِمَعْنَى الْأَوْعِيَةِ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوْعِيَةِ ، الْأَوْعِيَةُ الَّتِي يُسْتَقَى مِنْهَا ، وَاخْتِصَاصُ اسْمِ الْأَسْقِيَةِ بِمَا يُتَّخَذُ مِنَ الْأُدُمِ إِنَّمَا هُوَ بِالْعُرْفِ . وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : السِّقَاءُ يَكُونُ لِلَّبَنِ وَالْمَاءِ وَالْوَطْبِ بِالْوَاوِ لِلَّبَنِ خَاصَّةً ، وَالنِّحْيُ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ لِلسَّمْنِ وَالْقِرْبَةُ لِلْمَاءِ ، وَإِلَّا فَمَنْ يُجِيزُ الْقِيَاسَ فِي اللُّغَةِ لَا يَمْنَعُ مَا صَنَعَ سُفْيَانُ ، فَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَى اسْتِوَاءَ اللَّفْظَيْنِ ، فَحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً هَكَذَا وَمِرَارًا هَكَذَا ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَعُدُّهَا الْبُخَارِيُّ وَهْمًا . قَوْلُهُ : ( فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الْجَرِّ غَيْرَ الْمُزَفَّتِ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فَأَرْخَصَ وَهِيَ لُغَةٌ ، يُقَالُ أَرْخَصَ وَرَخَّصَ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فَأَذِنَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ لَمْ تَقَعْ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، بَلْ وَقَعَ النَّهْيُ عَنِ الِانْتِبَاذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَلَمَّا شَكَوْا رَخَّصَ لَهُمْ فِي بَعْضِ الْأَوْعِيَةِ دُونَ بَعْضٍ ; ثُمَّ وَقَعَتِ الرُّخْصَةُ بَعْدَ ذَلِكَ عَامَّةً ، لَكِنْ يَفْتَقِرُ مَنْ قَالَ إِنَّ الرُّخْصَةَ وَقَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ الدَّالَّ عَلَى ذَلِكَ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو هَذَا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ) هُوَ الْجُعْفِيُّ ، وَلَيْسَ هُوَ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ وَإِنْ كَانَ هُوَ أَيْضًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ . لِأَنَّ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ بِهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ سِيَاقَهُ مِثْلُ سِيَاقِ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ إِلَّا فِي اللَّفْظَةِ الَّتِي اخْتَلَفَا فِيهَا ، وَسِيَاقُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ لَا يُشْبِهُ سِيَاقَ عَلِيٍّ . قَوْلُهُ : ( بِهَذَا ) أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى عَلِيٍّ وَالْمَتْنِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ : بِإِسْنَادِهِ مِثْلُهُ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْأَوْعِيَةِ ) فِيهِ حَذْفُ تَقْدِيرِهِ : نَهَى عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ فَيَّاضٍ ، عَنْ أَبِي عِيَاضٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ : لَا تَنْبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَسْقِيَةِ مِنَ الْأُدُمِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا أَنَّ الْأَسْقِيَةَ يَتَخَلَّلُهَا الْهَوَاءُ مِنْ مَسَامِّهَا فَلَا يَسْرُعُ إِلَيْهَا الْفَسَادُ مِثْلُ مَا يَسْرُعُ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْجِرَارِ وَنَحْوِهَا مِمَّا نَهَى عَنِ الِانْتِبَاذِ فِيهِ . وَأَيْضًا فَالسِّقَاءُ إِذَا نُبِذَ فِيهِ ثُمَّ رُبِطَ أُمِنَتْ مَفْسَدَةُ الْإِسْكَارِ بِمَا يُشْرَبُ مِنْهُ لِأَنَّهُ مَتَى تَغَيَّرَ وَصَارَ مُسْكِرًا شَقَّ الْجِلْدَ ، فَلَمَّا لَمْ يَشُقَّهُ فَهُوَ غَيْرُ مُسْكِرٍ ، بِخِلَافِ الْأَوْعِيَةِ لِأَنَّهَا قَدْ تُصَيِّرُ النَّبِيذَ فِيهَا مُسْكِرًا وَلَا يُعْلَمُ بِهِ ، وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فِي بَعْضِ الْأَوْعِيَةِ دُونَ بَعْضٍ فَمِنْ جِهَةِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى صِيَانَةِ الْمَالِ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْ إِضَاعَتِهِ ، لِأَنَّ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا يَسْرُعُ التَّغَيُّرُ إِلَى مَا يُنْبَذُ فِيهَا ، بِخِلَافِ مَا أُذِنَ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْرُعُ إِلَيْهِ التَّغَيُّرُ ، وَلَكِنْ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ ظَاهِرٌ فِي تَعْمِيمِ الْإِذْنِ فِي الْجَمِيعِ ، يُفِيدُ أَنْ لَا تَشْرَبُوا الْمُسْكِرَ ، فَكَأَنَّ الْأَمْنَ حَصَلَ بِالْإِشَارَةِ إِلَى تَرْكِ الشُّرْبِ مِنَ الْوِعَاءِ ابْتِدَاءً حَتَّى يُخْتَبَرَ حَالُهُ هَلْ تَغَيَّرَ أَوْ لَا ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الِاخْتِبَارُ بِالشُّرْبِ بَلْ يَقَعُ بِغَيْرِ الشُّرْبِ ، مِثْلُ أَنْ يَصِيرَ شَدِيدَ الْغَلَيَانِ أَوْ يَقْذِفُ بِالزَّبَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالُوا لَا بُدَّ لَنَا ) فِي رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ فَيَّاضٍ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ أَعْرَابِيٌّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَرْخِيصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَوْعِيَةِ وَالظُّرُوفِ بَعْدَ النَّهْيِ · ص 61 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في الأوعية والظروف بعد النهي · ص 178 18 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، عن سليمان بن أبي مسلم الأحول ، عن مجاهد ، عن أبي عياض ، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الأسقية ، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : ليس كل الناس يجد سقاء ، فرخص لهم في الجر غير المزفت . مطابقته للترجمة في قوله ( فرخص لهم ) ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وأبو عياض بكسر العين المهملة ، وتخفيف الياء آخر الحروف ، وبعد الألف ضاد معجمة ، واختلف في اسمه ، فقال النسائي في الكنى : أبو عياض عمرو بن الأسود العبسي ، وقيل : قيس بن ثعلبة ، وقال ابن المديني : إن لم يكن اسم أبي عياض قيس بن ثعلبة فلا أدري ، وقال الكرماني : اسمه عمرو ، ويقال : عمير بن الأسود العنبسي بالنون بين المهملتين الزاهد ، وروى أحمد في الزهد أن عمر أثنى على أبي عياض ، وذكره أبو موسى في ذيل الصحابة ، وعزاه لابن أبي عاصم ، وكأنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن لم يثبت له صحبة ، وقال الذهبي في تجريد الصحابة : عمرو بن الأسود العنسي أدرك الجاهلية ، وروى عن عمر ، وسكن داريا ، ويقال له عمير ، وقد عمر دهرا طويلا ، ثم قال : عمرو بن الأسود ذكره بعضهم في الصحابة ولعله الذي قبله . وقال ابن سعد : كان ثقة قليل الحديث ، وقال ابن عبد البر : أجمعوا على أنه كان من العلماء الثقات ، وقيل : إذا ثبت هذا فالراجح أن الذي روى عنه مجاهد عمرو بن الأسود ، وأنه شامي ، وأما قيس بن ثعلبة فهو أبو عياض آخر ، وهو كوفي ذكره ابن حبان في ثقات التابعين ، وقال : إنه يروي عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وغيرهم ، روى عنه أهل الكوفة ، وعبد الله بن عمرو بن العاص . هكذا هو في جميع نسخ البخاري ، ووقع في بعض نسخ مسلم : عبد الله بن عمر بضم العين ، وهو تصحيف نبه عليه أبو علي الجياني . والحديث أخرجه مسلم في الأشربة أيضا ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وابن أبي عمر ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن محمد بن جعفر ، وغيره ، وأخرجه النسائي فيه ، وفي الوليمة ، عن إبراهيم بن سعيد مختصرا : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أرخص في الجر غير المزفت . قوله ( عن الأسقية ) قال الكرماني : السياق يقتضي أن يقال : إلا عن الأسقية ، بزيادة إلا على سبيل الاستثناء ، أي : نهى عن الانتباذ إلا عن الانتباذ في الأسقية ، وقال : يحتمل أن يكون معناه : لما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة الأنبذة عن الجرار بسبب الأسقية ، وعن جهتها كقوله : يرمون عن أكل وعن شرب أي يسمنون بسبب الأكل والشرب ، ويتباهون في السمن به ، وقال الزمخشري في مثله في قوله تعالى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا أي بسببها ، وقال الحميدي : ولعله نقص منه عند الرواية ، وكان أصله : نهى عن النبيذ إلا في الأسقية . وكذا في رواية عبد الله بن محمد : عن الأوعية ، وقال عياض : ذكر الأسقية وهم من الراوي ، وإنما هو عن الأوعية ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينه قط عن الأسقية ، وإنما نهى عن الظروف . قلت : الأسقية جمع سقاء ، وهو ظرف الماء من الجلد ، وقال ابن السكيت : السقاء يكون للبن والماء ، والوطب للبن خاصة ، والنحي للسمن ، والقربة للماء . قلت : لا وهم هنا ؛ لأن سفيان كان يرى استواء اللفظين ، أعني الأوعية والأسقية ، فحدث بأحدهما مرة ، وبالأخرى مرة ، ألا ترى أن البخاري لم يعد هذا وهما خصوصا على قول من يرى جواز القياس في اللغة لا اعتراض أصلا هاهنا ، فافهم . قوله ( قيل للنبي صلى الله عليه وسلم ) قيل : القائل بذلك أعرابي . قوله ( فرخص ) وفي رواية : فأرخص ، وهي لغة ، يقال : رخص وأرخص ، وفي رواية ابن أبي شيبة : وأذن لهم في شيء منه . قوله ( في الجر ) بفتح الجيم وتشديد الراء ، وهو جمع جرة ، وهي الإناء المعمول من الفخار ، وإنما قال غير المزفت ؛ لأن المزفت أسرع في الشدة والتخمير ، والمزفت المطلي بالزفت .