15 - بَاب شَرَابِ الْحَلْوَاءِ وَالْعَسَلِ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا يَحِلُّ شُرْبُ بَوْلِ النَّاسِ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ ؛ لِأَنَّهُ رِجْسٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي السَّكَرِ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ . 5614 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ شَرَابِ الْحَلْوَاءِ وَالْعَسَلِ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي الْحَلْوَاءُ بِالْمَدِّ وَلِغَيْرِهِ بِالْقَصْرِ ، وَهُمَا لُغَتَانِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ مَا يُعْقَدُ مِنَ الْعَسَلِ وَنَحْوِهِ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ : هِيَ النَّقِيعُ الْحُلْوُ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ شَرَابُ الْحَلْوَاءِ كَذَا قَالَ ، وَإِنَّمَا هُوَ نَوْعٌ مِنْهَا ، وَالَّذِي قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ هُوَ مُقْتَضَى الْعُرْفِ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْحَلْوَى كُلُّ شَيْءٍ حُلْوٍ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، لَكِنِ اسْتَقَرَّ الْعُرْفُ عَلَى تَسْمِيَةِ مَا لَا يُشْرَبُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحُلْوِ حَلْوَى لِأَنْوَاعِ مَا يُشْرَبُ مَشْرُوبٌ وَنَقِيعٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِمَّا قَالَ اخْتِصَاصُ الْحَلْوَى بِالْمَشْرُوبِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا يَحِلُّ شُرْبُ بَوْلِ النَّاسِ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ لِأَنَّهُ رِجْسٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ التِّينِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّى الْبَوْلَ رِجْسًا ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَالرِّجْسُ مِنْ جُمْلَةِ الْخَبَائِثِ ، وَيَرُدُّ عَلَى اسْتِدْلَالِ الزُّهْرِيِّ جَوَازُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الشِّدَّةِ ، وَهِيَ رِجْسٌ أَيْضًا ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْفُقَهَاءُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ ، وَأَشَدُّ حَالِ الْبَوْلِ أَنْ يَكُونَ فِي النَّجَاسَةِ وَالتَّحْرِيمِ مِثْلَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي جَوَازِ تَنَاوُلِهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ . وَأَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُدْخِلُ الرُّخَصَ ، وَالرُّخْصَةُ فِي الْمَيْتَةِ لَا فِي الْبَوْلِ . قُلْتُ : وَلَيْسَ هَذَا بَعِيدًا مِنْ مَذْهَبِ الزُّهْرِيِّ ، فَقَدِ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ قَالَ : كَانَ الزُّهْرِيُّ يَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي السَّفَرِ ، فَقِيلَ لَهُ : أَنْتَ تُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ إِذَا كُنْتَ مُسَافِرًا ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي رَمَضَانَ : فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعَاشُورَاءَ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّ الْمَيْتَةَ لِسَدِّ الرَّمَقِ ، وَالْبَوْلُ لَا يَدْفَعُ الْعَطَشَ ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا صَحَّ مَا قَالَ الزُّهْرِيُّ إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ . قُلْتُ : وَسَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الْأَثَرِ الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي السَّكَرِ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ) . قَالَ ابْنُ التِّينِ : اخْتُلِفَ فِي السَّكَرِ بِفَتْحَتَيْنِ : فَقِيلَ هُوَ الْخَمْرُ ، وَقِيلَ : مَا يَجُوزُ شُرْبُهُ كَنَقِيعِ التَّمْرِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ وَكَالْخَلِّ ، وَقِيلَ : هُوَ نَبِيذُ التَّمْرِ إِذَا اشْتَدَّ . قُلْتُ : وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ النَّحْلِ عَنِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ السَّكَرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا وَهُوَ مَا حُرِّمَ مِنْهَا ، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ مَا أُحِلَّ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ . وَمِنْ طَرِيقِ النَّخَعِيِّ نَحْوُهُ . وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِمَعْنَاهُ . ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : السَّكَرُ نَقِيعُ الزَّبِيبِ يَعْنِي قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ وَالْخَلُّ ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ هَذَا الْقَوْلَ وَانْتَصَرَ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ مِنْهُ دَعْوَى نَسْخٍ ، وَيَسْتَمِرُّ الِامْتِنَانُ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ النَّسْخَ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ . قُلْتُ : وَهَذَا فِي الْآيَةِ مُحْتَمَلٌ ، لَكِنَّهُ فِي هَذَا الْأَثَرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْكِرِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنِ النَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : السَّكَرُ خَمْرٌ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ السَّكَرَ بِلُغَةِ الْعَجَمِ الْخَمْرُ وَبِلُغَةِ الْعَرَبِ النَّقِيعُ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : السَّكَرُ خُمُورُ الْأَعَاجِمِ ، وَعَلَى هَذَا يَنْطَبِقُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ يَعْنِي ابْنَ الْقَصَّارِ : إِنْ كَانَ أَرَادَ مُسْكِرَ الْأَشْرِبَةِ فَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنَ الْكَلَامِ ذِكْرُ السُّؤَالِ ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ السُّكْرَ بِالضَّمِّ وَسُكُونِ الْكَافِ قَالَ : فَأَحْسَبُهُ هَذَا أَرَادَ ؛ لِأَنَّنِي أَظُنُّ أَنَّ عِنْدَ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ سُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ التَّدَاوِي بِشَيْءٍ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ فَأَجَابَ بِذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ الْبُخَارِيِّ . قُلْتُ : قَدْ رَوَيْتُ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ فِي فَوَائِدِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الطَّائِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : اشْتَكَى رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ خُثَيْمُ بْنُ الْعَدَّاءِ دَاءً بِبَطْنِهِ يُقَالُ لَهُ الصُّفْرُ فَنُعِتَ لَهُ السَّكَرُ ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ يَسْأَلُهُ ، فَذَكَرَهُ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ نَحْوَهُ ، وَرُوِّينَا فِي نُسْخَةِ دَاوُدَ بْنِ نَصِيرٍ الطَّائِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَا تَسْقُوا أَوْلَادَكُمُ الْخَمْرَ فَإِنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ أَوَّلًا فِي تَفْسِيرِ السَّكَرِ . وَأَخْرَجَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ ، مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ : أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ فِي مُجَدَّرِينَ أَوْ مُحَصَّبِينَ نُعِتَ لَهُمُ السَّكَرُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . وَلِجَوَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ شَاهِدٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ : اشْتَكَتْ بِنْتٌ لِي فَنَبَذْتُ لَهَا فِي كُوزٍ ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَغْلِي فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ثُمَّ حَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ : قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَقٌّ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا ضَرُورَةً وَأَبَاحَ الْمَيْتَةَ وَأَخَوَاتِهَا فِي الضَّرُورَةِ . قَالَ : فَفَهِمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ تَكَلَّمَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْخَمْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى التَّدَاوِي بِهَا فَمَنَعَهُ ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِدُ مَنْدُوحَةً عَنِ التَّدَاوِي بِهَا وَلَا يُقْطَعُ بِنَفْعِهِ ، بِخِلَافِ الْمَيْتَةِ فِي سَدِّ الرَّمَقِ . وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ جَوَازِ إِسَاغَةِ اللُّقْمَةِ لِمَنْ شَرِقَ بِهَا بِالْجَرْعَةِ مِنَ الْخَمْرِ فَيَجُوزُ وَبَيْنَ التَّدَاوِي بِهَا فَلَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْإِسَاغَةَ تَتَحَقَّقُ بِهَا بِخِلَافِ الشِّفَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ . وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجُوزُ سَدُّ الرَّمَقِ مِنَ الْجُوعِ وَلَا مِنَ الْعَطَشِ بِالْخَمْرِ لِأَنَّهَا لَا تَزِيدُهُ إِلَّا جُوعًا وَعَطَشًا ، وَلِأَنَّهَا تَذْهَبُ بِالْعَقْلِ . وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ إِنْ كَانَتْ لَا تَسُدُّ مِنَ الْجُوعِ وَلَا تَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ لَمْ يَرِدِ السُّؤَالُ أَصْلًا ، وَأَمَّا إِذْهَابُهَا الْعَقْلَ فَلَيْسَ الْبَحْثُ فِيهِ بَلْ هُوَ فِيمَا يُسَدُّ بِهِ الرَّمَقُ وَقَدْ لَا يَبْلُغُ إِلَى حَدِّ إِذْهَابِ الْعَقْلِ . قُلْتُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَرَادَ أَنْ يُرَدِّدَ الْأَمْرَ بِأَنَّ التَّنَاوُلَ مِنْهَا إِنْ كَانَ يَسِيرًا فَهُوَ لَا يُغْنِي مِنَ الْجُوعِ وَلَا يَرْوِي مِنَ الْعَطَشِ ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرًا فَهُوَ يُذْهِبُ الْعَقْلَ ، وَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّدَاوِي بِمَا يُذْهِبُ الْعَقْلَ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَتَدَاوَى مِنْ شَيْءٍ فَيَقَعُ فِي أَشَدَّ مِنْهُ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ شُرْبِ الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي وَلِلْعَطَشِ ، قَالَ مَالِكٌ : لَا يَشْرَبُهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَزِيدُهُ إِلَّا عَطَشًا . وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، لَكِنِ التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي قَصْرَ الْمَنْعِ عَلَى الْمُتَّخَذِ مِنْ شَيْءٍ يَكُونُ بِطَبْعِهِ حَارًّا كَالْعِنَبِ وَالزَّبِيبِ ، أَمَّا الْمُتَّخَذُ مِنْ شَيْءٍ بَارِدٍ كَالشَّعِيرِ فَلَا . وَأَمَّا التَّدَاوِي فَإِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ : إِنَّ الْمَنَافِعَ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ سُلِبَتْ بَعْدَ التَّحْرِيمِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، وَأَيْضًا فَتَحْرِيمُهَا مَجْزُومٌ بِهِ ، وَكَوْنُهَا دَوَاءٌ مَشْكُوكٌ بَلْ يَتَرَجَّحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ . ثُمَّ الْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يُسْكِرُ مِنْهَا ، أَمَّا مَا يُسْكِرُ مِنْهَا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعَاطِيهِ فِي التَّدَاوِي إِلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مَنِ اضْطُرَّ إِلَى إِزَالَةِ عَقْلِهِ لِقَطْعِ عُضْوٍ مِنَ الْأَكِلَةِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ ، فَقَدِ أطْلَقَ الرَّافِعِيُّ تَخْرِيجَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي التَّدَاوِي ، وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ هُنَا الْجَوَازَ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ فِيمَا إِذَا تَعَيَّنَ ذَاكَ طَرِيقًا إِلَى سَلَامَةِ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ وَلَمْ يَجِدْ مَرْقَدًا غَيْرَهَا ، وَقَدْ صَرَّحَ مَنْ أَجَازَ التَّدَاوِي بِالثَّانِي ، وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ مُطْلَقًا لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُ الْمَيْتَةَ وَهِيَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْقَلِبَ إِلَى حَالَةٍ تَحِلُّ فِيهَا ، فَالْخَمْرُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَنْقَلِبَ خَلًّا فَتَصِيرُ حَلَالًا أَوْلَى ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ دَعَتْهُ إِلَيْهَا ضَرُورَةٌ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَتَخَلَّصُ بِشُرْبِهَا جَازَ كَمَا لَوْ غُصَّ بِلُقْمَةٍ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْغَصِّ الْجَوَازُ . وَهَذَا لَيْسَ مِنَ التَّدَاوِي الْمَحْضِ ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الطِّبِّ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنِ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ . ثُمَّ سَاقَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ عَائِشَةَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : تَرْجَمَ عَلَى شَيْءٍ وَأَعْقَبَهُ بِضِدِّهِ وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ نَصًّا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ الْإِشَارَةَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ إِلَى أَنَّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَهُوَ حَلَالٌ ، وَبِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : الْإِشَارَةَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ فَدَلَّ الِامْتِنَانُ بِهِ عَلَى حِلِّهِ ، فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ الشِّفَاءَ فِيمَا حَرَّمَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ شَرَابُ الْحَلْوَاءِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتِ الْحَلْوَى الْمَعْهُودَةَ الَّتِي يَتَعَاطَاهَا الْمُتْرَفُونَ الْيَوْمَ ، وَإِنَّمَا هِيَ حُلْوٌ يُشْرَبُ إِمَّا عَسَلٌ بِمَاءٍ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُشَاكِلُهُ انْتَهَى . ويحتمل أَنْ تَكُونَ الْحَلْوَى كَانَتْ تُطْلَقُ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا يُعْقَدُ أَوْ يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ ، كَمَا أَنَّ الْعَسَلَ قَدْ يُؤْكَلُ إِذَا كَانَ جَامِدًا وَقَدْ يُشْرَبُ إِذَا كَانَ مَائِعًا ، وَقَدْ يُخْلَطُ فِيهِ الْمَاءُ وَيُذَابُ ثُمَّ يُشْرَبُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ زِيَادَةٌ : وَإِنَّ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِ حَفْصَةَ أَهْدَتْ لَهَا عُكَّةَ عَسَلٍ فَشَرِبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ شَرْبَةً الْحَدِيثَ فِي ذِكْرِ الْمَغَافِيرِ . فَقَوْلُهُ : سَقَتْهُ شَرْبَةً مِنْ عَسَلٍ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ صِرْفًا حَيْثُ يَكُونُ مَائِعًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَمْزُوجًا . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ بِالْحَلْوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّ شَيْءٍ حُلْوٍ ، وَذِكْرُ الْعَسَلِ بَعْدَهَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى شَرَفِهِ وَمَزِيَّتِهِ ، وَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ . وَفِيهِ جَوَازُ أَكْلِ لَذِيذِ الْأَطْعِمَةِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ وَالْمُرَاقَبَةَ ، لَا سِيَّمَا إِنْ حَصَلَ اتِّفَاقًا . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ قَالَ : قَوْلُ عَائِشَةَ : كَانَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَى لَيْسَ عَلَى مَعْنَى كَثْرَةِ التَّشَهِّي لَهَا وَشِدَّةِ نِزَاعِ النَّفْسِ إِلَيْهَا وَتَأَنُّقِ الصَّنْعَةِ فِي اتِّخَاذِهَا كَفِعْلِ أَهْلِ التَّرَفُّهِ وَالشَّرَهِ . وَإِنَّمَا كَانَ إِذَا قُدِّمَتْ إِلَيْهِ يَنَالُ مِنْهَا نَيْلًا جَيِّدًا فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ طَعْمُهَا ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اتِّخَاذِ الْحَلَاوَاتِ وَالْأَطْعِمَةِ مِنْ أَخْلَاطٍ شَتَّى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب شَرَابِ الْحَلْوَاءِ وَالْعَسَلِ · ص 81 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب شراب الحلواء والعسل · ص 190 باب شراب الحلواء والعسل أي هذا باب في بيان شراب الحلواء ، وهو بالمد عند المستملي ، وعند غيره بالقصر ، وقيل : هما لغتان ، وقال الكرماني : القصر أظهر ؛ لأنه لا يشرب غالبا ، وقال ابن التين ، عن الداودي : هو النقيع الحلو ، وعليه يدل تبويب البخاري بشراب الحلواء ، وقال الخطابي : الحلواء ما يعقد من العسل ونحوه ، ويقال : العرب لا تعرف هذه الحلواء المعقودة التي هي الآن معهودة ، فتعين أن المقصود ما يمكن شربه ، وهو الماء المنبوذ فيه التمر ونحوه ، وكذلك العسل . فإن قلت : قوله ( الحلواء ) يشمل العسل وغيره من كل حلو ، فما فائدة ذكر العسل بالخصوصية ؟ قلت : هذا من قبيل التخصيص بعد التعميم كما في قوله تعالى : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ويحتمل أن يكون ذكره للتنبيه على جواز شرب العسل إذ قد يتخيل أن شربه من السرف . وقال الزهري : لا يحل شرب بول الناس لشدة تنزل ؛ لأنه رجس ، قال الله تعالى : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ قيل : ترجم البخاري على شيء ، ثم أعقبه بضده . قلت : أراد هذا القائل أن البخاري قال : باب شراب الحلواء والعسل ، ثم قال : عن الزهري : لا يحل شرب بول الناس .. إلى آخره ، وبينهما تضاد . أقول : مقصود البخاري من إيراد قول الزهري هو قوله : قال الله تعالى : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ والحلواء والعسل وكل شيء يطلق عليه أنه حلو - من الطيبات ، وهذا في معرض التحليل للترجمة ، غاية ما في الباب أنه ذكر أولا عن الزهري مسألة شرب البول تنبيها على أنه ليس من الطيبات ، وتعليق الزهري هذا أخرجه عبد الرزاق ، عن معمر عنه . قوله ( لشدة ) أي : لضرورة ، وهذا خلاف ما عليه الجمهور ، وتعليله بقوله ( لأنه رجس ) أي : لأن البول نجس - غير ظاهر ؛ لأن الميتة والدم ولحم الخنزير رجس أيضا مع أنه يجوز التناول منها عند الضرورة ، وقالت الشافعية : يجوز التداوي بالبول ونحوه من النجاسات خلا الخمر والمسكرات ، وقال مالك : لا يشربها ؛ لأنها لا تزيده إلا عطشا وجوعا ، وأجاز أبو حنيفة أن يشرب منها مقدار ما يمسك به رمقه . وقال ابن مسعود في السكر : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم . الذي قيل في إيراد أثر الزهري قيل هنا أيضا ، والجواب من جهة الزهري قد مر ، وأما الجواب عن إيراده أثر ابن مسعود هنا فهو أنه أشار بذكر هذا إلى قوله تعالى : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ فدل على ضده أن الله لم يجعل الشفاء فيما حرمه ، وأما تعيين السكر هنا من دون سائر المحرمات من هذا الجنس ، فهو أن ابن مسعود سئل عن ذلك على التعيين ، فلذلك قال : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ، وأوضح ذلك علي بن حرب الطائي ، عن سفيان بن عيينة ، عن منصور ، عن أبي وائل قال : اشتكى رجل منا يقال له خيثم بن العدا داء ببطنه يقال له الصفر ، فنعت له السكر ، فأرسل إلى ابن مسعود يسأله .. فذكره . وأخرجه ابن أبي شيبة ، عن جرير ، عن منصور ، وسنده صحيح على شرط الشيخين ، فهذا وجه تعيين السكر في هذا الأثر ، والسكر بفتحتين الخمر ، فيما نقله ابن التين عن بعضهم ، وقيل : هو نبيذ التمر إذا اشتد ، وقيل : المراد من السكر المسكر ، وقال صاحب الهداية : ونقيع التمر ، وهو السكر ، ونقيع الزبيب إذا اشتد وغلا . عد هذين القسمين من أنواع الأشربة المحرمة الأربعة ، وعد قبلهما اثنين آخرين ، وهما الخمر والطلاء ، وفي المحيط : والمتخذ من التمر ثلاثة : السكر ، والفضيخ ، والنبيذ . وقال أبو الحسن : إن كان البخاري أراد سكر الأشربة ، فيمكن أن يكون سقط من الكلام شيء ، وهو ذكر السؤال عن ذلك ، وإن كان أراد السكر بفتح السين وسكون الكاف ، فهو الذي يسد به النهر ، فيكون السؤال من ابن مسعود عن السكر عند التداوي بشيء من المحرمات ، فقال : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم . 38 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا أبو أسامة قال : أخبرني هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الحلواء والعسل . هذا يطابق الترجمة من غير تعسف ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وأبو أسامة هو حماد بن أسامة يروي عن هشام بن عروة ، يروي عن أبيه عروة بن الزبير ، عن عائشة ، والحديث قد مر في كتاب الأطعمة في باب الحلواء والعسل ، ومر الكلام فيه هناك .