31 - شُرْبِ الْبَرَكَةِ وَالْمَاءِ الْمُبَارَكِ 5639 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ : رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ حَضَرَتْ الْعَصْرُ ، وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ ، فَجُعِلَ فِي إِنَاءٍ ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ ، ثُمَّ قَالَ : حَيَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ ، الْبَرَكَةُ مِنْ اللَّهِ ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ . فَتَوَضَّأَ النَّاسُ وَشَرِبُوا ، فَجَعَلْتُ لَا آلُو مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ . قُلْتُ لِجَابِرٍ : كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ . تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ ، وَقَالَ حُصَيْنٌ وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً . وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ جَابِرٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ شُرْبِ الْبَرَكَةِ ، وَالْمَاءُ الْمُبَارَكُ ) قَالَ الْمُهَلَّبُ : سُمِّيَ الْمَاءُ بَرَكَةً ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ مُبَارَكًا فِيهِ يُسَمَّى بَرَكَةً . قَوْلُهُ : ( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) فِي رِوَايَةِ حُصَيْنٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ سَمِعْتُ جَابِرًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْمَغَازِي . قَوْلُهُ : ( قَدْ رَأَيْتُنِي ) بِضَمِّ التَّاءِ ، وَفِيهِ نَوْعُ تَجْرِيدٍ . قَوْلُهُ : ( وَحَضَرَتِ الْعَصْرُ ) أَيْ وَقْتَ صَلَاتِهَا ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ : حَيَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ ) كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ حَيَّ عَلَى الْوُضُوءِ بِإِسْقَاطِ لَفْظِ أَهْلٍ وَهِيَ أَصْوَبُ ، وَقَدْ وُجِّهَتْ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا بِأَنْ يَكُونَ أَهْلُ بِالنَّصْبِ عَلَى النِّدَاءِ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ : حَيَّ عَلَى الْوُضُوءِ الْمُبَارَكِ يَا أَهْلَ الْوُضُوءِ ، كَذَا قَالَ عِيَاضٌ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَجْرُورَ بِعَلَى غَيْرُ مَذْكُورٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الصَّوَابُ حَيَّ هَلًا عَلَى الْوُضُوءِ الْمُبَارَكِ ، فَتَحَرَّفَ لَفْظُ هَلًا فَصَارَتْ أَهْلُ وَحُوِّلَتْ عَنْ مَكَانِهَا ، وَ حَيَّ اسْمُ فِعْلٍ لِلْأَمْرِ بِالْإِسْرَاعِ ، وَتُفْتَحُ لِسُكُونِ مَا قَبْلَهَا مِثْلَ لَيْتَ وَهَلًا بِتَخْفِيفِ اللَّامِ وَالتَّنْوِينِ كَلِمَةُ اسْتِعْجَالٍ . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلْتُ لَا آلُو ) بِالْمَدِّ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ الْمَضْمُومَةِ أَيْ لَا أُقَصِّرُ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ جَعَلَ يَسْتَكْثِرُ مِنْ شُرْبِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ لِأَجْلِ الْبَرَكَةِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا سَرَفَ وَلَا شَرَهَ فِي الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ الْبَرَكَةُ بِالْمُعْجِزَةِ ، بَلْ يُسْتَحَبُّ الِاسْتِكْثَارُ مِنْهُ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : فِي تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الشُّرْبِ مِنْهُ الْإِكْثَارُ دُونَ الْمُعْتَادِ الَّذِي وَرَدَ بِاسْتِحْبَابِ جَعْلِ الثُّلُثِ لَهُ ، وَلِئَلَّا يُظَنُّ أَنَّ الشُّرْبَ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ مَمْنُوعٌ ، فَإِنَّ فِعْلَ جَابِرٍ مَا ذَكَرَ دَالٌ عَلَى أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى الْبَرَكَةِ أَكْثَرُ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى الرِّيِّ ، وَالظَّاهِرُ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَمْنُوعًا لَنَهَاهُ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ لِجَابِرٍ ) الْقَائِلُ هُوَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ رَاوِيهِ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( كَمْ كُنْتُمْ يَوْمئِذٍ ؟ قَالَ : أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ ) كَذَا لَهُمْ بِالرَّفْعِ ، وَالتَّقْدِيرُ نَحْنُ يَوْمئِذٍ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى خَبَرِ كَانَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ عَلَى جَابِرٍ فِي عَدَدِهِمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بَابِ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنَ الْمَغَازِي ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ هُنَاكَ ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ شَرْحِ الْمَتْنِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرٍ ) وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ مُخْتَصَرًا كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ مَقْصُودُهُ بِالْمُتَابَعَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا جَمِيعُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ حُصَيْنٌ ، وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ، عَنْ سَالِمٍ ) هُوَ ابْنُ أَبِي الْجَعْدِ ( خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ ) أَمَّا رِوَايَةُ حُصَيْنٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْمَغَازِي ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ ، وَأَحْمَدُ بِلَفْظِ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُمْ كَانُوا زِيَادَةً عَلَى أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، فَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا أَلْغَى الْكَسْرَ ، وَمَنْ قَالَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ جَبَرَهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي ، وَبَيَانُ تَوْجِيهِ مَنْ قَالَ أَلْفٌ وَثَلَثُمِائَةٍ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . ( خَاتِمَةٌ ) اشْتَمَلَ كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَحَدٍ وَتِسْعِينَ حَدِيثًا ، الْمُعَلَّقِ مِنْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ طَرِيقًا وَالْبَاقِي مَوْصُولٌ ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى سَبْعُونَ طَرِيقًا وَالْبَاقِي خَالِصٌ ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ ، وَأَبِي عَامِرٍ فِي الْمَعَازِفِ ، وَحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فِي الْجَرِّ الْأَخْضَرِ ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْأَقْدَاحِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ مُعَلَّقٌ ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْكَرْعِ ، وَحَدِيثِ عَلِيٍّ فِي الشُّرْبِ قَائِمًا ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ ، وَحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ فِي قَدَحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَثَرًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب شُرْبِ الْبَرَكَةِ وَالْمَاءِ الْمُبَارَكِ · ص 104 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب شرب البركة والماء المبارك · ص 206 باب شرب البركة والماء المبارك أي: هذا باب في بيان شرب البركة، وأراد بالبركة الماء، وأطلق عليه هذا الاسم؛ لأن العرب تسمي الشيء المبارك فيه بركة. ولا شك أن الماء مبارك فيه، فلذلك قال جابر في حديث الباب: فعلمت أنه بركة، ومنه قول أيوب عليه السلام: لا غنى لي عن بركتك، فسمي الذهب بركة وذلك فيما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه عز وجل: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك. 63 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا جرير ، عن الأعمش قال: حدثني سالم بن أبي الجعد ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما هذا الحديث قال: قد رأيتني مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد حضرت العصر وليس معنا ماء غير فضلة، فجعل في إناء فأتي النبي صلى الله عليه وسلم به، فأدخل يده فيه وفرج أصابعه ثم قال: حي على أهل الوضوء البركة من الله، فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه فتوضأ الناس وشربوا، فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه، فعلمت أنه بركة . قلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفا وأربعمائة. مطابقته للترجمة في قوله: فعلمت أنه بركة ويمكن أن يجعل قوله: البركة من الله مطابقا للجزء الثاني للترجمة وهو قوله: والماء المبارك. وجرير هو ابن عبد الحميد، والأعمش هو سليمان. والحديث قد مر في علامات النبوة من رواية حصين ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر. قوله: هذا الحديث أشار به إلى الذي بعده . قوله: قد رأيتني أي: قد رأيت نفسي، وهذا يعد من باب التجريد . قوله: وقد حضرت العصر أي: صلاة العصر وكان ذلك في الحديبية . قوله: غير فضلة الفضلة ما فضل من الشيء . قوله: فأتي على صيغة المجهول . قوله: حي على أهل الوضوء هكذا في رواية الأكثرين، وفي رواية النسفي حي على الوضوء بإسقاط لفظ أهل وهذه أصوب، ووجه الأول أن حي معناه أسرعوا، وأهل الوضوء منصوب على النداء وحذف منه حرف النداء. وقال بعضهم: كأنه قال حي على الوضوء المبارك يا أهل الوضوء. قلت: ليس كذلك بل تقديره حي علي بتشديد الياء يعني أسرعوا إلي يا أهل الوضوء، وهو بفتح الواو اسم لما يتوضأ به . قوله: يتفجر من التفجر وهو التفتح بالسعة والكثرة . قوله: من بين أصابعه يحتمل أن يكون الانفجار من نفس الأصابع ينبع منها، وأن يخرج من بين الأصابع لا من نفسها، وعلى كل تقدير فالكل معجزة عظيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول أقوى لأنه من اللحم . قوله: لا آلو أي: لا أقصر في الاستكثار من شربه، ولا أفتر فيما أقدر أن أجعله في بطني من ذلك الماء. وفيه من الفقه أن الإسراف في الطعام والشراب مكروه إلا الأشياء التي أرى الله فيها بركة غير معهودة، وأنه لا بأس بالاستكثار منها، وليس في ذلك سرف ولا استكثار ولا كراهية. قوله: قلت لجابر القائل هو سالم بن أبي الجعد . قوله: ألفا وأربعمائة بالنصب على أنه خبر كان، والتقدير كنا ألفا وأربعمائة، وعند الأكثرين ألف وأربعمائة بالرفع، تقديره نحن يومئذ ألف وأربعمائة، فيكون ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقد مر الكلام على الاختلاف على جابر في عددهم يوم الحديبية .