4- بَاب الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ 5682 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ ، وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذِكْرِ الْآيَةِ إِلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِيهَا لِلْعَسَلِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ لِلْقُرْآنِ . وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ : قَوْلَهُ - تَعَالَى - : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ أَيْ : لِبَعْضِهِمْ ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تَنَاوُلَ الْعَسَلِ قَدْ يَضُرُّ بِبَعْضِ النَّاسِ كَمَنْ يَكُونُ حَارَّ الْمِزَاجِ ، لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ مَا يَمْنَعُ أَنَّهُ قَدْ يَضُرُّ ببعض الْأَبْدَانَ بِطَرِيقِ الْعَرْضِ . وَالْعَسَلُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، وَأَسْمَاؤُهُ تَزِيدُ عَلَى الْمِائَةِ ، وَفِيهِ مِنَ الْمَنَافِعِ مَا لَخَّصَهُ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُهُ ، فَقَالُوا : يَجْلُو الْأَوْسَاخَ الَّتِي فِي الْعُرُوقِ وَالْأَمْعَاءِ ، وَيَدْفَعُ الْفَضَلَاتِ ، وَيَغْسِلُ خَمْلَ الْمَعِدَةِ ، وَيُسَخِّنُهَا تَسْخِينًا مُعْتَدِلًا ، وَيَفْتَحُ أَفْوَاهَ الْعُرُوقِ ، وَيَشُدُّ الْمَعِدَةَ وَالْكَبِدَ وَالْكُلَى وَالْمَثَانَةَ وَالْمَنَافِذَ ، وَفِيهِ تَحْلِيلٌ لِلرُّطُوبَاتِ أَكْلًا وَطِلَاءً وَتَغْذِيَةً ، وَفِيهِ حِفْظُ الْمَعْجُونَاتِ وَإِذْهَابٌ لِكَيْفِيَّةِ الْأَدْوِيَةِ الْمُسْتَكْرَهَةِ ، وَتَنْقِيَةُ الْكَبِدِ وَالصَّدْرِ ، وَإِدْرَارُ الْبَوْلِ وَالطَّمْثِ ، وَنَفْعٌ لِلسُّعَالِ الْكَائِنِ مِنَ الْبَلْغَمِ ، وَنَفْعٌ لِأَصْحَابِ الْبَلْغَمِ وَالْأَمْزِجَةِ الْبَارِدَةِ . وَإِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ الْخَلُّ نَفَعَ أَصْحَابَ الصَّفْرَاءِ . ثُمَّ هُوَ غِذَاءٌ مِنَ الْأَغْذِيَةِ ، وَدَوَاءٌ مِنَ الْأَدْوِيَةِ ، وَشَرَابٌ مِنَ الْأَشْرِبَةِ ، وَحَلْوَى مِنَ الْحَلَاوَاتِ ، وَطِلَاءٌ مِنَ الْأَطْلِيَةِ ، وَمُفْرِحٌ مِنَ الْمُفْرِحَاتِ . وَمِنْ مَنَافِعِهِ أَنَّهُ إِذَا شُرِبَ حَارًّا بِدُهْنِ الْوَرْدِ نَفَعَ مِنْ نَهْشِ الْحَيَوَانِ ، وَإِذَا شُرِبَ وَحْدَهُ بِمَاءٍ نَفَعَ مِنْ عَضَّةِ الْكَلْبِ للْكَلِبِ ، وَإِذَا جُعِلَ فِيهِ اللَّحْمُ الطَّرِيُّ حَفِظَ طَرَاوَتَهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، وَكَذَلِكَ الْخِيَارُ وَالْقَرْعُ وَالْبَاذِنْجَانُ وَاللَّيْمُونُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَاكِهِ ، وَإِذَا لُطِّخَ بِهِ الْبَدَنُ لِلْقَمْلِ قَتَلَ الْقَمْلَ وَالصِّئْبَانَ ، وَطَوَّلَ الشَّعْرَ وَحَسَّنَهُ وَنَعَّمَهُ ، وَإِنِ اكْتُحِلَ بِهِ جَلَا ظُلْمَةَ الْبَصَرِ ، وَإِنِ اسْتُنَّ بِهِ صَقَلُ الْأَسْنَانِ وَحَفِظَ صِحَّتَهَا . وَهُوَ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ جُثَثِ الْمَوْتَى فَلَا يَسْرُعُ إِلَيْهَا الْبِلَى ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ قَلِيلُ الْمَضَرَّةِ ، وَلَمْ يَكُنْ يُعَوِّلُ قُدَمَاءُ الْأَطِبَّاءِ فِي الْأَدْوِيَةِ الْمُرَكَّبَةِ إِلَّا عَلَيْهِ ، وَلَا ذِكْرَ لِلسُّكَّرِ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِمْ أَصْلًا . وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ : مَنْ لَعِقَ الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمُ بَلَاءٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ في الباب ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ : حَدِيثُ عَائِشَةَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْإِعْجَابُ أَعَمُّ مِنْ أنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَاءِ أَوِ الْغِذَاءِ . فَتُؤْخَذُ الْمُنَاسَبَةُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ · ص 146 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الدواء بالعسل · ص 232 باب الدواء بالعسل أي: هذا باب في بيان الدواء بالعسل وهو يذكر ويؤنث، وأسماؤه تزيد على المائة، وله منافع كثيرة يجلي الأوساخ التي في العروق والأمعاء، ويدفع الفضلات، ويغسل خمل المعدة ويسخنها تسخينا معتدلا، ويفتح أفواه العروق ويشد المعدة والكبد والكلى والمثانة، وفيه تحليل للرطوبات أكلا وطلاء وتغذية، وفيه حفظ للمعجونات وإذهاب لكيفية الأدوية المستكرهة، وتنقية للكبد والصدر وإدرار البول والطمث، ونفع للسعال الكائن من البلغم، ونفع لأصحاب البلاغم والأمزجة الباردة، وإذا أضيف إليه الخل نفع أصحاب الصفراء، ثم هو غذاء من الأغذية، ودواء من الأدوية، وشراب من الأشربة، وحلوى من الحلاوات وطلاء من الأطلية، ومفرح من المفرحات. ومن منافعه أنه إذا شرب حارا بدهن الورد نفع من نهش الحيوان، وإذا شرب بماء نفع من عضة الكلب الكلب، وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذا الخيار والقرع والباذنجان والليمون ونحو ذلك من الفواكه، وإذا لطخ به البدن للقمل قتل القمل والصيبان وطول الشعر وحسنه ونعمه، وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر، وإن استن به صقل الأسنان وحفظ صحتها، وهو عجيب في حفظ جثة الموتى فلا يسرع إليها البلاء، وهو مع ذلك مأمون الغائلة قليل المضرة، ولم يكن معول قدماء الأطباء في الأدوية المركبة إلا عليه، ولا ذكر للسكر في أكثر كتبهم أصلا، وهو في أكثر الأمراض والأحوال أنفع من السكر؛ لأنه مليح ويجلو ويدر ويحلل ويغسل وهذه الأفعال في السكر ضعيفة، وفي السكر إرخاء المعدة وليس ذلك في العسل، وكان صلى الله عليه وسلم يشرب كل يوم قدح عسل ممزوجا بماء على الريق، وهي حكمة عجيبة في حفظ الصحة ولا يعقلها إلا العالمون، وكان بعد ذلك يتغدى بخبز الشعير مع الملح أو الخل ونحوه، ويصابر شطف العيش ولا يضره لما سبق من شربه العسل. وقول الله تعالى: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ وقول الله بالجر عطفا على قوله: الدواء بالعسل إنما ذكر قوله: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ لينبه به على فضيلة العسل على سائر ما يشرب من المشروبات، وكيف وقد أخبر الله بأنه شفاء، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا خرجت به قرحة أو شيء لطخ الموضع بالعسل، ويقرأ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ وكان يقول: عليكم بالشفاءين القرآن والعسل. وقال شقيق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المبطون شهيد ودواء المبطون العسل. فإن قلت: الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخي يشتكي بطنه فقال: اسقه عسلا فسقاه فلم يفده حتى أتى الثانية والثالثة، فكذلك حتى قال صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك. الحديث على ما يأتي في هذا الباب قلت: قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، عن غيب أطلعه الله عليه وأعلمه بالوحي أن شفاءه بالعسل فكرر عليه الأمر يسقي العسل ليظهر ما وعد به، وأيضا قد علم أن ذلك النوع من المرض يشفيه العسل. وقال النووي: اعترض بعض الملاحدة فقال: العسل مسهل فكيف يشفي صاحب الإسهال؟ وهذا جهل من المعترض وهو كما قال: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ فإن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة ومنها الإسهال الحادث من الهيضة، وقد أجمع الأطباء على أن علاجه بأن تترك الطبيعة وفعلها وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت، فيحتمل أن يكون إسهاله من الهيضة، وأمره بشرب العسل معاونة إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال، وقد يكون ذلك من باب التبرك ومن دعائه وحسن أثره، ولا يكون ذلك حكما عاما لكل الناس وقد يكون ذلك خارقا للعادة من جملة المعجزات ، وقيل: المعنى فيه شفاء لبعض الناس وأولوا الآية، وحديث أبي سعيد الذي يأتي على الخصوص وقالوا: الحجامة وشرب العسل والكي إنما هي شفاء لبعض الأمراض دون بعض ألا ترى . قوله: أو لذعة بنار توافق الداء فشرط صلى الله عليه وسلم موافقتها للداء، فدل هذا على أنها إذا لم توافق الداء فلا دواء فيها، وقد جاء في القرآن ما لفظه لفظ العموم والمراد به الخصوص كقوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ يريد المؤمنين وقال في بلقيس: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ولم تؤت ملك سليمان عليه الصلاة والسلام ومثله كثير، واختلف أهل التأويل فيما عادت عليه الهاء في قوله: فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ فقال بعضهم: على القرآن وهو قول مجاهد، وقال آخرون: على العسل روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس، وهو قول الحسن وقتادة وهو أولى بدليل حديثي الباب. 5 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا أبو أسامة قال: أخبرني هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الحلواء والعسل. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: يعجبه لأن الإعجاب أعم من أن يكون على سبيل الدواء أو الغذاء. وعلي بن عبد الله هو ابن المديني، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير ، عن عائشة أم المؤمنين. والحديث مضى في كتاب الأشربة في باب شرب الحلواء والعسل بعين هذا الإسناد والمتن.