بَاب الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ
بَاب الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ 5682 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي هِشَامٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ ، وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذِكْرِ الْآيَةِ إِلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِيهَا لِلْعَسَلِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ لِلْقُرْآنِ . وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ : قَوْلَهُ - تَعَالَى - : فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ أَيْ : لِبَعْضِهِمْ ، وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تَنَاوُلَ الْعَسَلِ قَدْ يَضُرُّ بِبَعْضِ النَّاسِ كَمَنْ يَكُونُ حَارَّ الْمِزَاجِ ، لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ مَا يَمْنَعُ أَنَّهُ قَدْ يَضُرُّ ببعض الْأَبْدَانَ بِطَرِيقِ الْعَرْضِ .
وَالْعَسَلُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، وَأَسْمَاؤُهُ تَزِيدُ عَلَى الْمِائَةِ ، وَفِيهِ مِنَ الْمَنَافِعِ مَا لَخَّصَهُ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُهُ ، فَقَالُوا : يَجْلُو الْأَوْسَاخَ الَّتِي فِي الْعُرُوقِ وَالْأَمْعَاءِ ، وَيَدْفَعُ الْفَضَلَاتِ ، وَيَغْسِلُ خَمْلَ الْمَعِدَةِ ، وَيُسَخِّنُهَا تَسْخِينًا مُعْتَدِلًا ، وَيَفْتَحُ أَفْوَاهَ الْعُرُوقِ ، وَيَشُدُّ الْمَعِدَةَ وَالْكَبِدَ وَالْكُلَى وَالْمَثَانَةَ وَالْمَنَافِذَ ، وَفِيهِ تَحْلِيلٌ لِلرُّطُوبَاتِ أَكْلًا وَطِلَاءً وَتَغْذِيَةً ، وَفِيهِ حِفْظُ الْمَعْجُونَاتِ وَإِذْهَابٌ لِكَيْفِيَّةِ الْأَدْوِيَةِ الْمُسْتَكْرَهَةِ ، وَتَنْقِيَةُ الْكَبِدِ وَالصَّدْرِ ، وَإِدْرَارُ الْبَوْلِ وَالطَّمْثِ ، وَنَفْعٌ لِلسُّعَالِ الْكَائِنِ مِنَ الْبَلْغَمِ ، وَنَفْعٌ لِأَصْحَابِ الْبَلْغَمِ وَالْأَمْزِجَةِ الْبَارِدَةِ . وَإِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ الْخَلُّ نَفَعَ أَصْحَابَ الصَّفْرَاءِ . ثُمَّ هُوَ غِذَاءٌ مِنَ الْأَغْذِيَةِ ، وَدَوَاءٌ مِنَ الْأَدْوِيَةِ ، وَشَرَابٌ مِنَ الْأَشْرِبَةِ ، وَحَلْوَى مِنَ الْحَلَاوَاتِ ، وَطِلَاءٌ مِنَ الْأَطْلِيَةِ ، وَمُفْرِحٌ مِنَ الْمُفْرِحَاتِ .
وَمِنْ مَنَافِعِهِ أَنَّهُ إِذَا شُرِبَ حَارًّا بِدُهْنِ الْوَرْدِ نَفَعَ مِنْ نَهْشِ الْحَيَوَانِ ، وَإِذَا شُرِبَ وَحْدَهُ بِمَاءٍ نَفَعَ مِنْ عَضَّةِ الْكَلْبِ للْكَلِبِ ، وَإِذَا جُعِلَ فِيهِ اللَّحْمُ الطَّرِيُّ حَفِظَ طَرَاوَتَهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، وَكَذَلِكَ الْخِيَارُ وَالْقَرْعُ وَالْبَاذِنْجَانُ وَاللَّيْمُونُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَاكِهِ ، وَإِذَا لُطِّخَ بِهِ الْبَدَنُ لِلْقَمْلِ قَتَلَ الْقَمْلَ وَالصِّئْبَانَ ، وَطَوَّلَ الشَّعْرَ وَحَسَّنَهُ وَنَعَّمَهُ ، وَإِنِ اكْتُحِلَ بِهِ جَلَا ظُلْمَةَ الْبَصَرِ ، وَإِنِ اسْتُنَّ بِهِ صَقَلُ الْأَسْنَانِ وَحَفِظَ صِحَّتَهَا . وَهُوَ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ جُثَثِ الْمَوْتَى فَلَا يَسْرُعُ إِلَيْهَا الْبِلَى ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ قَلِيلُ الْمَضَرَّةِ ، وَلَمْ يَكُنْ يُعَوِّلُ قُدَمَاءُ الْأَطِبَّاءِ فِي الْأَدْوِيَةِ الْمُرَكَّبَةِ إِلَّا عَلَيْهِ ، وَلَا ذِكْرَ لِلسُّكَّرِ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِمْ أَصْلًا . وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَفَعَهُ : مَنْ لَعِقَ الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمُ بَلَاءٍ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ في الباب ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ : حَدِيثُ عَائِشَةَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْإِعْجَابُ أَعَمُّ مِنْ أنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَاءِ أَوِ الْغِذَاءِ .
فَتُؤْخَذُ الْمُنَاسَبَةُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ .