49 - بَاب هَلْ يَسْتَخْرِجُ السِّحْرَ ؟ وَقَالَ قَتَادَةُ قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ - أَوْ يُؤَخَّذُ عَنْ امْرَأَتِهِ - أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشَّرُ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الْإِصْلَاحَ ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ 5765 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ : أَوَّلُ مَنْ حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ : حَدَّثَنِي آلُ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، فَسَأَلْتُ هِشَامًا عَنْهُ ، فَحَدَّثَنَا عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ ، قَالَ سُفْيَانُ : وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ السِّحْرِ إِذَا كَانَ كَذَا ، فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ أَعَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ ، أَتَانِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلْآخَرِ : مَا بَالُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ : مَطْبُوبٌ ، قَالَ : وَمَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ : لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ ، كَانَ مُنَافِقًا ، قَالَ : وَفِيمَ ؟ قَالَ : فِي مُشْطٍ وَمُشَاطةٍ ، قَالَ : وَأَيْنَ ؟ قَالَ : فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ ، قَالَتْ : فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ ، فَقَالَ : هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا ، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ، قَالَ : فَاسْتُخْرِجَ ، قَالَتْ فَقُلْتُ : أَفَلَا - أَيْ تَنَشَّرْتَ - ؟ فَقَالَ : أَمَّا واللَّه فَقَدْ شَفَانِي ، وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ شَرًّا . قَوْلُهُ : ( بَابُ هَلْ يُسْتَخْرَجُ السِّحْرُ ) ؟ كَذَا أَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ بِالِاسْتِفْهَامِ إِشَارَةً إِلَى الِاخْتِلَافِ ، وَصَدَّرَ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مِنَ الْجَوَازِ إِشَارَةً إِلَى تَرْجِيحِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ قَتَادَةُ قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ إِلَخْ ) وَصَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ فِي كِتَابِ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ الْعَطَّارِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَمِثْلُهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ يَلْتَمِسُ مَنْ يُدَاوِيهِ ، فَقَالَ : إِنَّمَا نَهَى اللَّهُ عَمَّا يَضُرُّ وَلَمْ يَنْهَ عَمَّا يَنْفَعُ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي التَّهْذِيبِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا إِذَا كَانَ بِالرَّجُلِ سِحْرٌ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى مَنْ يُطْلِقُ عَنْهُ ، فَقَالَ : هُوَ صَلَاحٌ . قَالَ قَتَادَةُ : وَكَانَ الْحَسَنُ يَكْرَهُ ذَلِكَ يَقُولُ : لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا سَاحِرٌ ، قَالَ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ . إِنَّمَا نَهَى اللَّهُ عَمَّا يَضُرُّ وَلَمْ يَنْهَ عَمَّا يَنْفَعُ . وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ عَنِ الْحَسَنِ رَفَعَهُ النُّشْرَةُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ وَوَصَلَهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : النُّشْرَةُ حَلُّ السِّحْرِ عَنِ الْمَسْحُورِ ، وَلَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ يَعْرِفُ السِّحْرَ . وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّنْ يُطْلِقُ السِّحْرَ عَنِ الْمَسْحُورِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ . وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ . وَيُجَابُ عَنِ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ بِأَنَّ قَوْلَهُ : النُّشْرَةُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِشَارَةٌ إِلَى أَصْلِهَا ، وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِالْقَصْدِ ، فَمَنْ قَصَدَ بِهَا خَيْرًا كَانَ خَيْرًا وَإِلَّا فَهُوَ شَرٌّ . ثُمَّ الْحَصْرُ الْمَنْقُولُ عَنِ الْحَسَنِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْحَلُّ بِالرُّقَى وَالْأَدْعِيَةِ وَالتَّعْوِيذِ ، وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ النُّشْرَةُ نَوْعَيْنِ . قَوْلُهُ : ( بِهِ طِبٌّ ) بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ سِحر ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ . قَوْلُهُ : ( أَوْ يُؤْخَذُ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ مَهْمُوزٌ وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ أَيْ يُحْبَسُ عَنِ امْرَأَتِهِ ، وَلَا يَصِلُ إِلَى جِمَاعِهَا ، وَالْأُخْذَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ هِيَ الْكَلَامُ الَّذِي يَقُولُهُ السَّاحِرُ ، وَقِيلَ : خرَزَةٌ يُرْقَى عَلَيْهَا ، أَوْ هِيَ الرُّقْيَةُ نَفْسُهَا . قَوْلُهُ : ( أَوْ يُحَلُّ عَنْهُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ . قَوْلُهُ : ( أَوْ يُنَشَّرُ ) بِتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ النُّشْرَةِ بِالضَّمِّ ، وَهِيَ ضَرْبٌ مِنَ الْعِلَاجِ يُعَالَجُ بِهِ مَنْ يُظَنُّ أَنَّ بِهِ سِحْرًا أَوْ مَسًّا مِنَ الْجِنِّ ، قِيلَ لَهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يُكْشَفُ بِهَا عَنْهُ مَا خَالَطَهُ مِنَ الدَّاءِ ، وَيُوَافِقُ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الرُّقْيَةِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا : مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ ، وَيُؤَيِّدُ مَشْرُوعِيَّةَ النُّشْرَةِ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ : الْعَيْنُ حَقٌّ ، فِي قِصَّةِ اغْتِسَالِ الْعَائِنِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : لَا بَأْسَ بِالنُّشْرَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي إِذَا وُطِئَتْ لَا تَضُرُّهُ ، وَهِيَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِنْسَانُ فِي مَوْضِعِ عِضَاهُ فَيَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ مِنْ كُلٍّ ثُمَّ يَدُقُّهُ وَيَقْرَأُ فِيهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ بِهِ . وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ فِي كُتُبِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنْ يَأْخُذَ سَبْعَ وَرَقَاتٍ مِنْ سِدْرٍ أَخْضَرَ فَيَدُقُّهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ثُمَّ يَضْرِبُهُ بِالْمَاءِ ، وَيَقْرَأُ فِيهِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَالْقَوَافِلَ ثُمَّ يَحْسُوُ مِنْهُ ثَلَاثَ حَسَوَاتٍ ثُمَّ يَغْتَسِلُ بِهِ ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ عَنْهُ كُلَّ مَا بِهِ ، وَهُوَ جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ إِذَا حُبِسَ عَنْ أَهْلِهِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِجَوَازِ النُّشْرَةِ الْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى صِفَةِ النُّشْرَةِ فِي كِتَابِ الطِّبِّ النَّبَوِيِّ لِجَعْفَرٍ الْمُسْتَغْفِرِيِّ قَالَ : وَجَدْتُ فِي خَطِّ نَصُوحِ بْنِ وَاصِلٍ عَلَى ظَهْرِ جُزْءٍ مِنْ تَفْسِيرِ قُتَيْبَةَ بْنِ أَحْمَدَ الْبُخَارِيِّ قَالَ : قَالَ قَتَادَةُ ، لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أُخِذَ عَنِ امْرَأَتِهِ أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يُنَشَّرَ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ الْإِصْلَاحَ ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ . قَالَ نَصُوحٌ : فَسَأَلَنِي حَمَّادُ بْنُ شَاكِرٍ : مَا الْحَلُّ وَمَا النُّشْرَةُ ؟ فَلَمْ أَعْرِفْهُمَا ، فَقَالَ : هُوَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُجَامَعَةِ أَهْلِهِ وَأَطَاقَ مَا سِوَاهَا ، فَإِنَّ الْمُبْتَلَى بِذَلِكَ يَأْخُذُ حُزْمَةَ قُضْبَانٍ وَفَأْسًا ذَا قِطَارَيْنِ وَيَضَعُهُ فِي وَسَطِ تِلْكَ الْحُزْمَةِ ثُمَّ يُؤَجِّجُ نَارًا فِي تِلْكَ الْحُزْمَةِ حَتَّى إِذَا مَا حَمِيَ الْفَأْسُ اسْتَخْرَجَهُ مِنَ النَّارِ وَبَالَ عَلَى حَرِّهِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ - تَعَالَى - ، وَأَمَّا النُّشْرَةُ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ أَيَّامَ الرَّبِيعِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ وَرْدِ الْمُفَارَةِ وَوَرْدِ الْبَسَاتِينِ ثُمَّ يُلْقِيهَا فِي إِنَاءٍ نَظِيفٍ ، وَيَجْعَلُ فِيهِمَا مَاءً عَذْبًا ، ثُمَّ يَغْلِي ذَلِكَ الْوَرْدُ فِي الْمَاءِ غَلْيًا يَسِيرًا ، ثُمَّ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا فَتَرَ الْمَاءُ أَفَاضَهُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ - تَعَالَى - . قَالَ حَاشِدٌ : تَعَلَّمْتُ هَاتَيْنِ الْفَائِدَتَيْنِ بِالشَّامِ . قُلْتُ : وَحَاشِدٌ هَذَا مِنْ رُوَاةِ الصَّحِيحِ عَنِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ أَغْفَلَ الْمُسْتَغْفِرِيُّ أَنَّ أَثَرَ قَتَادَةَ هَذَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَأَنَّهُ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَلَوِ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ مَا اكْتَفَى بِعَزْوِهِ إِلَى تَفْسِيرِ قُتَيْبَةَ بْنِ أَحْمَدَ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ ، وَأَغْفَلَ أَيْضًا أَثَرَ الشَّعْبِيِّ فِي صِفَتِهِ وَهُوَ أَعْلَى مَا اتَّصَلَ بِنَا مِنْ ذَلِكَ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ سِحْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى قَرِيبًا . وَقَوْلُهُ فِيهِ قَالَ سُفْيَانُ : وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ . وَلَمْ أَقِفْ عَلَى كَلَامِ سُفْيَانَ هَذَا فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ ، وَلَا ابْنِ أَبِي عُمَرَ وَلَا غَيْرِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فِي جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ رَاعُوفَةٍ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ بَعْدَ الرَّاءِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ ، وَعَكَسَ ابْنُ التِّينِ وَزَعَمَ أَنَّ رَاعُوفَةً لِلْأَصِيلِيِّ فَقَطْ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ ، وَفِي لُغَةٍ أُخْرَى أُرْعُوفَةٌ وَوَقَعَ كَذَلِكَ فِي مُرْسَلِ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ تَحْتَ رَعُوثَةٍ بِمُثَلَّثَةٍ بَدَلَ الْفَاءِ ، وَهِيَ لُغَةٌ أُخْرَى مَعْرُوفَةٌ ، وَوَقَعَ فِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى زَعُوبَةٍ بِزَايٍ وَمُوَحَّدَةٍ ، وَقَالَ : هِيَ بِمَعْنَى رَاعُوفَةٍ ا هـ . وَالرَّاعُوفَةُ حَجَرٌ يُوضَعُ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ لَا يُسْتَطَاعُ قَلْعُهُ يَقُومُ عَلَيْهِ الْمُسْتَقِي . وَقَدْ يَكُونُ فِي أَسْفَلِ الْبِئْرِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدة : هِيَ صَخْرَةٌ تُنْزَلُ فِي أَسْفَلِ الْبِئْرِ إِذَا حُفِرَتْ يَجْلِسُ عَلَيْهَا الَّذِي يُنَظِّفُ الْبِئْرَ ، وَهُوَ حَجَرٌ يُوجَدُ صُلْبًا لَا يُسْتَطَاعُ نَزْعُهُ فَيُتْرَكُ ، وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهَا فَقِيلَ : لِتَقَدُّمِهَا وَبُرُوزِهَا يُقَالُ : جَاءَ فُلَانٌ يُرْعِفُ الْخَيْلَ أَيْ يَتَقَدَّمُهَا ; وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ عَنْ شَمِرٍ قَالَ : رَاعُوفَةُ الْبِئْرِ النَّظَافَةُ ، هِيَ مِثْلُ عَيْنٍ عَلَى قَدْرِ حَجَرِ الْعَقْرَبِ فِي أَعْلَى الرَّكِيَّةِ فَيُجَاوِزُ فِي الْحَفْرِ خَمْسَ قِيَمٍ وَأَكْثَرَ فَرُبَّمَا وَجَدُوا مَاءً كَثِيرًا ، قَالَ شَمِرٌ : فَمَنْ ذَهَبَ بِالرَّاعُوفَةِ إِلَى النَّظَافَةِ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ رُعَافِ الْأَنْفِ ، وَمَنْ ذَهَبَ بِالرَّاعُوفَةِ إِلَى الْحَجَرِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ طَيَّ الْبِئْرِ فَهُوَ مِنْ رَعَفَ الرَّجُلُ إِذَا سَبَقَ . قُلْتُ : وَتَنْزِيلُ الرَّاعُوفَةِ عَلَى الْأَخِيرِ وَاضِحٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَأَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ إِلَى أَنْ قَالَ : فَاسْتَخْرَجَ ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْرِجْهُ لِلنَّاسِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ : أَفَلَا أَخْرَجْتَهُ ؟ قَالَ : لَا . وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ الَّتِي بَعْدَ هَذَا الْبَابِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : ذَكَرَ الْمُهَلَّبُ أَنَّ الرُّوَاةَ اخْتَلَفُوا عَلَى هِشَامٍ فِي إِخْرَاجِ السِّحْرِ الْمَذْكُورِ ، فأثبته سُفْيَانُ وَجَعَلَ سُؤَالَ عَائِشَةَ عَنِ النُّشْرَةِ ، وَنَفَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، وَجَعَلَ سُؤَالَهَا عَنِ الِاسْتِخْرَاجِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجَوَابَ ، وَصَرَّحَ بِهِ أبو أُسَامَةَ ، قَالَ : وَالنَّظَرُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ سُفْيَانَ لِتَقَدُّمِهِ فِي الضَّبْطِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ النُّشْرَةَ لَمْ تقَعْ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ سُفْيَانَ مَقْبُولَةٌ ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتُهُمْ ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّهُ كَرَّرَ اسْتِخْرَاجَ السِّحْرِ فِي رِوَايَتِهِ مَرَّتَيْنِ ، فَيَبْعُدُ مِنَ الْوَهْمِ ، وَزَادَ ذِكْرَ النُّشْرَةِ وَجَعَلَ جَوَابَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا بِلَا بَدَلًا منِ الِاسْتِخْرَاجِ ، قَالَ : وَيَحْتَمَلُ وَجْهًا آخَرَ فَذَكَرَ مَا مُحَصِّلُهُ : أَنَّ الِاسْتِخْرَاجَ الْمَنْفِيَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ غَيْرُ الِاسْتِخْرَاجِ الْمُثْبَتِ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، فَالْمُثْبَتُ هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْجُفِّ وَالْمَنْفِيُّ اسْتِخْرَاجُ مَا حَوَاهُ ، قَالَ : وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَرَاهُ النَّاسُ فَيَتَعَلَّمُهُ مَنْ أَرَادَ اسْتِعْمَالَ السِّحْرِ . قُلْتُ : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ : فَاسْتَخْرَجَ جُفَّ طَلْعَةٍ مِنْ تَحْتِ رَاعُوفَةٍ ، وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ : فَأَخْرَجُوهُ ، فَرَمَوْا بِهِ ، وَفِي مُرْسَلِ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّ الَّذِي اسْتَخْرَجَ السِّحْرَ قَيْسُ بْنُ مُحَصِّنٍ ، وكُلُّ هَذَا لَا يُخَالِفُ الْحَمْلَ الْمَذْكُورَ ، لَكِنْ فِي آخِرِ رِوَايَةِ عَمْرَةَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ وَجَدُوا وَتَرًا فِيهِ عُقَدٌ ، وَأَنَّهَا انْحَلَّتْ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ ، فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِاسْتِكْشَافِ مَا كَانَ دَاخِلَ الْجُفِّ ، فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَقُدِحَ فِي الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ ، لَكِنْ لَا يَخْلُو إِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ ضَّعْفِ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ مُخَالَفَةٌ فِي لَفْظَةٍ أُخْرَى : فَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْهُ : أَفَلَا أَخْرَجْتَهُ ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ : أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَقَافٍ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحٌ ، كَأَنَّهَا طَلَبَتْ أَنَّهُ يُخْرِجُهُ ثُمَّ يُحَرِّقُهُ . قُلْتُ : لَكِنْ لَمْ يَقَعَا مَعًا فِي رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَإِنَّمَا وَقَعَتِ اللَّفْظَةُ مَكَانَ اللَّفْظَةِ ، وَانْفَرَدَ أَبُو كُرَيْبٍ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ ، فَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّ رِوَايَتَهُ شَاذَّةٌ . وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَجَعَلَ الضَّمِيرَ فِي أَحْرَقْتُهُ لِلَبِيدِ بْنِ أَعْصَمَ ، قَالَ : وَاسْتَفْهَمَتْهُ عَائِشَةُ عَنْ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى مَا صَنَعَ مِنَ السِّحْرِ ، فَأَجَابَهَا بِالِامْتِنَاعِ ، وَنَبَّهَ عَلَى سَبَبِهِ وَهُوَ خَوْفُ وُقُوعِ شَرٍّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ لِأَجْلِ الْعَهْدِ ، فَلَوْ قَتَلَهُ لَثَارَتْ فِتْنَةٌ . كَذَا قَالَ . وَلَا أَدْرِي مَا وَجْهُ تَعَيُّنِ قَتْلِهِ بِالْإِحْرَاقِ ، وَأنْ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ الرِّوَايَةَ ثَابِتَةٌ وَأَنَّ الضَّمِيرَ لَهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ : فَقُلْتُ : أَفَلَا ؟ أَيْ تَنَشَّرْتُ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلَّا ؟ قَالَ سُفْيَانُ : بِمَعْنَى تَنَشَّرْتُ . فَبَيَّنَ الَّذِي فَسَّرَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا : أَفَلَا ، كَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرِ اللَّفْظَةَ فَذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى ، وَظَاهِرُ هَذا اللَّفْظِ أَنَّهُ مِنَ النُّشْرَةِ . وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَوْ أَنَّكَ تَعْنِي تُنَشَّرُ ، وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ ذَكَرَ النُّشْرَةَ فِي التَّرْجَمَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ النَّشْرِ بِمَعْنَى الْإِخْرَاجِ فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ : فَهَلَّا أَخْرَجْتَهُ ، وَيكون لَفْظِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ : هَلَّا اسْتَخْرَجْتَ وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمَخْرَجِ مَا حَوَاهُ الْجُفُّ لَا الْجُفُّ نَفْسُهُ ، فَيَتَأَيَّدُ الْجَمْعُ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهُ . ( تَكْمِيلٌ ) : قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ مِنْ أَنْفَعِ الْأَدْوِيَةِ وَأَقْوَى مَا يُوجَدُ مِنَ النُّشْرَةِ مُقَاوَمَةُ السِّحْرِ الَّذِي هُوَ مِنْ تَأْثِيرَاتِ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ بِالْأَدْوِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْقِرَاءَةِ ، فَالْقَلْبُ إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا مِنَ اللَّهِ مَعْمُورًا بِذِكْرِهِ وَلَهُ وِرْدٌ مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوَجُّهِ لَا يُخِلُّ بِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ إِصَابَةِ السِّحْرِ لَهُ . قَالَ : وَسُلْطَانُ تَأْثِيرِ السِّحْرِ هُوَ فِي الْقُلُوبِ الضَّعِيفَةِ ، وَلِهَذَا غَالِبُ مَا يُؤَثِّرُ فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْجُهَّالِ ، لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ الْخَبِيثَةَ إِنَّمَا تَنْشَطُ عَلَى أَرْوَاحٍ تَلْقَاهَا مُسْتَعِدَّةً لِمَا يُنَاسِبُهَا . انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ ، وَجَوَازُ السِّحْرِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عَظِيمِ مَقَامِهِ وَصِدْقِ تَوَجُّهِهِ وَمُلَازَمَةِ وِرْدِهِ ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ ، وَأَنَّ مَا وَقَعَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَيَانِ تَجْوِيزِ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هَلْ يَسْتَخْرِجُ السِّحْرَ · ص 243 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هل يستخرج السحر · ص 283 باب هل يستخرج السحر . أي : هذا باب في بيان هل يستخرج السحر ؟ إنما ذكره بحرف الاستفهام إشارة إلى الاختلاف فيه . وقال قتادة : قلت لسعيد بن المسيب : رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته ، أيحل عنه أو ينشر ؟ قال : لا بأس به ، إنما يريدون به الإصلاح ، فأما ما ينفع فلم ينه عنه . لما ذكر الترجمة بالاستفهام أورد الذي روي عن قتادة إشارة إلى ترجيح جواز استخراج السحر ، وعلقه عن قتادة ووصله أبو بكر الأثرم في كتاب السنن من طريق أبان العطار مثله . قوله : به طب بكسر الطاء وتشديد الباء ، أي : سحر . قوله : أو يؤخذ بضم الياء آخر الحروف وفتح الهمزة على الواو وتشديد الخاء المعجمة وبالذال المعجمة ، أي : يحبس الرجل عن مباشرة امرأته ولا يصل إلى جماعها ، وهذا هو المشهور بعقد الرجل ، وقال الجوهري : الأخذة بالضم الرقية كالسحر ، أو خرزة يؤخذ بها الرجال عن النساء ، من التأخيذ . قوله : أيحل ؟ بهمزة الاستفهام على صيغة المجهول . قوله : أو ينشر بضم الياء آخر الحروف وفتح النون وتشديد الشين المعجمة وبالراء على صيغة المجهول أيضا من التنشير من النشرة بضم النون وسكون الشين وهي كالتعويذ والرقية يعالج به المجنون ، ينشر عنه تنشيرا ، وكلمة أو يحتمل أن تكون شكا وأن تكون تنوعا شبيها باللف والنشر ، بأن يكون الحل في مقابلة الطب والتنشير في مقابلة التأخيذ . قوله : فأما ما ينفع ويروى : ما ينفع الناس ، فلم ينه عنه على صيغة المجهول .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هل يستخرج السحر · ص 284 79 - حدثني عبد الله بن محمد ، قال : سمعت ابن عيينة يقول : أول من حدثنا به ابن جريج يقول : حدثني آل عروة ، عن عروة ، فسألت هشاما عنه فحدثنا عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سحر ، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ، قال سفيان : وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا ، فقال : يا عائشة ، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه ، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ، فقال الذي عند رأسي للآخر : ما بال الرجل ؟ قال : مطبوب ، قال : ومن طبه ؟ قال : لبيد بن أعصم ، رجل من بني زريق حليف ليهود كان منافقا ، قال : وفيم ؟ قال : في مشط ومشاقة ، قال : وأين ؟ قال : في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان ، قالت : فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - البئر حتى استخرجه ، فقال : هذه البئر التي أريتها وكأن ماءها نقاعة الحناء ، وكأن نخلها رؤوس الشياطين ، قال : فاستخرج ، قالت : فقلت : أفلا ؟ أي : تنشرت ، فقال : أما والله فقد شفاني الله ، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا . مطابقته للترجمة في قوله : حتى استخرجه ، وفي قوله : فاستخرج . وهذا الحديث قد مضى في باب السحر عن قريب ، أخرجه عن عبد الله بن محمد المعروف بالمسندي ، عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، عن آل عروة إلى آخره ، وقد مضى الكلام فيه هناك مستوفى . قوله : قال سفيان ، هو ابن عيينة ، وهو موصول بالسند المذكور . قوله : تحت راعوفة هكذا بزيادة ألف في رعوفة ، رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : تحت رعوفة ، وقال ابن التين : راعوفة رواية الأصيلي فقط ، وهو عكس ما قاله الأكثرون ، ووقع في مرسل عمر بن الحكم أرعوفة ، ووقع عند أحمد رعوثة بثاء مثلثة بدل الفاء ، والمشهور في الروايات راعوفة ، وهو حجر يوضع على رأس البئر لا يستطاع قلعه يقوم عليه المستقي ، وقد يكون في أسفل البئر إذا حفرت ، وقال أبو عبيد : هي صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفر تجلس عليها الذي ينظف البئر ، وقيل : هي حجر تأتي في بعض البئر صلبا لا يمكنهم حفره فيترك على حاله ، وفي التلويح : راعوفة البئر وراعوفها وأرعوفتها : حجر تأتي على رأسها ، إلى آخر ما ذكرناه أولا ، وقال الزهري : قال شمر ، عن خالد : راعوفة البئر النظافة ، قال : وهي مثل عين على قدر حجر العقرب نيط في أعلى الركبة فيجاوزونها في الحفر خمس قيم وأكثر ، فربما وجدوا ماء كثيرا ، قال شمر : من ذهب بالراعوفة إلى النظافة فكأنه أخذه من رعاف الأنف وهو سيلان دمه وقطراته ، ومن ذهب بالراعوفة إلى الحجر الذي يتقدم طي البئر فهو من رعف الرجل أو الفرس إذا تقدم وسبق ، وكذلك استرعف . قوله : فأتى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - البئر حتى استخرجه إلى أن قال : فاستخرج ، كذا وقع في رواية سفيان بن عيينة ، وفي رواية عيسى بن يونس ، قلت : يا رسول الله ، أفلا استخرجته ؟ وفي رواية وهيب ، فقلت : يا رسول الله ، فأخرجه للناس ، وفي رواية ابن نمير : أفلا أخرجته ؟ قال : لا ، وكذا في رواية أبي أسامة التي تأتي بعد هذا الباب ، وقال ابن بطال : ذكر المهلب أن الرواة اختلفوا على هشام في إخراج السحر المذكور ، فأثبته سفيان ، وجعل سؤال عائشة عن النشرة ، ونفاه عيسى بن يونس وجعل سؤالها عن الاستخراج ، ولم يذكر الجواب ، وأجيب بأن رواية سفيان مرجحة لتقدمه في الضبط والإتقان ، ولا سيما أنه كرر استخراج السحر في روايته مرتين ، فبعد من الوهم وزاد ذكر النشرة ، والزيادة منه مقبولة ، وقيل : استخراج المنفي غير استخراج المثبت في رواية سفيان ، فالمثبت هو استخراج الجف والمنفي استخراج ما حواه ، ووقع في رواية عمرة : فاستخرج جف طلعة من تحت راعوفة ، فإن قلت : وقع في رواية أبي أسامة : أفلا أخرجته ؟ ووقع عند مسلم ، عن أبي كريب ، عن أبي أسامة : أفلا أحرقته ؟ بالحاء المهملة والقاف ، من الإحراق ، قلت : قال النووي : كلتا الروايتين صحيحة ، كأنها ، أي : كأن عائشة طلبت أن يخرجه ، ثم يحرقه ، وقيل : رواية أبي كريب شاذة ، وأغرب من هذا أن القرطبي جعل الضمير في أحرقته للبيد بن أعصم . قوله : التي أريتها على صيغة المجهول . قوله : فقلت : أفلا ، أي : تنشرت ، ووقع في رواية الحميدي : فقلت : يا رسول الله ، فهلا ؟ قال سفيان : يعني تنشرت . قوله : أي : تنشرت ، تفسير لقوله : أفلا ، فكأن سفيان عين الذي أرادت بقولها : أفلا ، فلم يستحضر اللفظ ، فذكره بالمعنى ، وقال الكرماني : قوله : أفلا ، أي : تنشرت ، بزيادة كلمة التفسير ، ويروى : أفلا أتي بنشرة بلفظ المجهول ماضي الإتيان ، ثم قال : والنشرة بضم النون وسكون الشين المعجمة وهي الرقية التي بها يحل عقد الرجل عن مباشرة الأهل ، وهذا يدل على جواز النشرة وأنها كانت مشهورة عندهم ، ومعناها اللغوي ظاهر فيها وهو نشر ما طوى الساحر وتفريق ما جمعه ، فإن قلت : روى عبد الرزاق ، عن عقيل بن معقل ، عن همام بن منبه قال : سئل جابر بن عبد الله عن النشرة ، فقال : من عمل الشيطان ، قلت : ترك النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - الإنكار على عائشة لما ذكرت له النشرة دليل الجواز ، وما روي عن جابر فمحمول على نشرة بألفاظ لا يعلم معانيها ، وقال الشعبي : لا بأس بالنشرة العربية التي لا تضر إذا وطئت ، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه فيأخذ عن يمينه وشماله من كل ، ثم يذيبه ويقرأ فيه ، ثم يغتسل به ، وفي كتب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقها بين حجرين ، ثم يضربها بالماء ، ثم يقرأ فيه آية الكرسي وذوات قل ، ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به ، فإنه يذهب عنه كل عاهة ، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله .