51 - بَاب إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا 5767 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّهُ قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ، أَوْ : إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ قَوْلُهُ : ( بَابُ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَالْأَصِيلِيِّ السِّحْرَ . قَوْلُهُ : ( قَدِمَ رَجُلَانِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمَا صَرِيحًا ، وَقَدْ زَعَمَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُمَا الزِّبْرِقَانِ بِكَسْرِ الزَّايِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ وَبِالْقَافِ ، وَاسْمُهُ الْحُصَيْنُ وَلُقِّبَ الزِّبْرِقَانِ لِحُسْنِهِ ، وَالزِّبْرِقَانُ مِنْ أَسْمَاءِ الْقَمَرِ ، وَهُوَ ابْنُ بَدْرِ بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ خَلَفٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ ، وَاسْمُ الْأَهْتَمِ سِنَانُ بْنُ سُمَيٍّ يَجْتَمِعُ مَعَ الزِّبْرِقَانِ فِي كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةِ ابْنِ تَمِيمٍ ، فَهُمَا تَمِيمِيَّانِ ، قَدِمَا فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَاسْتَنَدُوا فِي تَعْيِينِهِمَا إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ ، فَفَخَرَ الزِّبْرِقَانُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَا سَيِّدُ بَنِي تَمِيمٍ وَالْمُطَاعُ فِيهِمْ وَالْمُجَابُ ، أَمْنَعُهُمْ مِنَ الظُّلْمِ وَآخُذُ مِنْهُمْ بِحُقُوقِهِمْ ، وَهَذَا يَعْلَمُ ذَلِكَ - يَعْنِي عَمْرَو بْنَ الْأَهْتَمِ - ، فَقَالَ عَمْرٌو : إِنَّهُ لَشَدِيدُ الْعَارِضَةِ ، مَانِعٌ لِجَانِبِهِ مُطَاعٌ فِي أُذُنَيْهِ . فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ مِنِّي غَيْرَ مَا قَالَ ، وَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِلَّا الْحَسَدُ ، فَقَالَ عَمْرٌو : أَنَا أَحْسُدُكَ ؟ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَئِيمُ الْخَالِ ، حَدِيثُ الْمَالِ ، أَحْمَقُ الْوَالِدِ ، مُضَيَّعٌ فِي الْعَشِيرَةِ . وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُ فِي الْأُولَى وَمَا كَذَبْتُ فِي الْآخِرَةِ ، وَلَكِنِّي رَجُلٌ إِذَا رَضِيتُ قُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمْتُ ، وَإِذَا غَضِبْتُ قُلْتُ أَقْبَحَ مَا وَجَدْتُ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ عَلَيْهِمْ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ ، وَالزِّبْرِقَانُ ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرٍو : مَا تَقُولُ فِي الزِّبْرِقَانِ ؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الزِّبْرِقَانُ ، وَعَمْرُو هُمَا الْمُرَادُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ إِنَّمَا هُوَ عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ وَحْدَهُ ، وَكَانَ كَلَامُهُ فِي مُرَاجَعَتِهِ الزِّبْرِقَانَ ، فَلَا يَصِحُّ نِسْبَةُ الْخُطْبَةِ إِلَيْهِمَا إِلَّا عَلَى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ . قَوْلُهُ : ( مِنَ الْمَشْرِقِ ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ ، وَكَانَتْ سُكْنَى بَنِي تَمِيمٍ مِنْ جِهَةِ الْعِرَاقِ وَهِيَ فِي شَرْقِيِّ الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( فَخَطَبَا ، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْبَيَانُ اثْنَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا تَقَعُ بِهِ الْإِبَانَةُ عَنِ الْمُرَادِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ ، وَالْآخَرُ : مَا دَخَلَتْهُ الصَّنْعَةُ بِحَيْثُ يَرُوقُ لِلسَّامِعِينَ وَيَسْتَمِيلُ قُلُوبَهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي يُشَبَّهُ بِالسِّحْرِ إِذَا خَلَبَ الْقَلْبَ وَغَلَبَ عَلَى النَّفْسِ حَتَّى يُحَوِّلَ الشَّيْءَ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَيَصْرِفَهُ عَنْ جِهَتِهِ ، فَيَلُوحُ لِلنَّاظِرِ فِي مَعْرِضِ غَيْرِهِ . وَهَذَا إِذَا صُرِفَ إِلَى الْحَقِّ يُمْدَحُ ، وَإِذَا صُرِفَ إِلَى الْبَاطِلِ يُذَمُّ . قَالَ : فَعَلَى هَذَا فَالَّذِي يُشَبَّهُ بِالسِّحْرِ مِنْهُ هُوَ الْمَذْمُومُ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْآخَرِ سِحْرًا ، لِأَنَّ السِّحْرَ يُطْلَقُ عَلَى الِاسْتِمَالَةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي أَوَّلِ بَابِ السِّحْرِ ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمُ الْحَدِيثَ عَلَى الْمَدْحِ وَالْحَثِّ عَلَى تَحْسِينِ الْكَلَامِ وَتَحْبِيرِ الْأَلْفَاظِ ، وَهَذَا وَاضِحٌ إِنْ صَحَّ أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي قِصَّةِ عَمْرِو بْنِ الْأَهْتَمِ ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الذَّمِّ لِمَنْ تَصَنَّعَ فِي الْكَلَامِ وَتَكَلَّفَ لِتَحْسِينِهِ وَصَرَفَ الشَّيْءَ عَنْ ظَاهِرِهِ ، فَشُبِّهَ بِالسِّحْرِ الَّذِي هُوَ تَخْيِيلٌ لِغَيْرِ حَقِيقَةٍ ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مَالِكٌ ؛ حَيْثُ أَدْخَلَ هذا الْحَدِيثَ فِي الْمُوَطَّأِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْخِطْبَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِ صَعْصَعَةَ بْنِ صُوحَانَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ ، وَهُوَ أَلْحَنُ بِالْحُجَّةِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ فَيَسْحَرُ النَّاسَ بِبَيَانِهِ فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ ، وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا صَحِيحٌ ، لَكِنْ لَا يَمْنَعُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ إِذَا كَانَ فِي تَزْيِينِ الْحَقِّ ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ فُضَلَاءِ الْمَالِكِيَّةِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَحْسَنُ مَا يُقَالُ فِي هَذَا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ ذَمًّا لِلْبَيَانِ كُلِّهِ وَلَا مَدْحًا لِقَوْلِهِ مِنَ الْبَيَانِ ، فَأَتَى بِلَفْظَةٍ مِنَ الَّتِي لِلتَّبْعِيضِ قَالَ : وَكَيْفَ يُذَمُّ الْبَيَانُ وَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ حَيْثُ قَالَ : خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيَانِ فِي الْآيَةِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ ، لَا خُصُوصَ مَا نَحْنُ فِيهِ . وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَدْحِ الْإِيجَازِ ، وَالْإِتْيَانِ بِالْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ بِالْأَلْفَاظِ الْيَسِيرَةِ ، وَعَلَى مَدْحِ الْإِطْنَابِ فِي مَقَامِ الْخَطَابَةِ بِحَسَبِ الْمَقَامِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْبَيَانِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي . نَعَمِ الْإِفْرَاطُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَذْمُومٌ ، وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا · ص 247 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من البيان سحر · ص 285 باب : من البيان سحر أي : هذا باب يذكر فيه من البيان سحر ، في رواية الأصيلي والكشميهني ، وفي رواية المستملي السحر بالألف واللام . 81 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن من البيان لسحرا ، أو إن بعض البيان لسحر . مطابقته للترجمة في لفظ : البيان سحر فقط ؛ لأن لفظ الحديث : إن من البيان إلى آخره . ومضى الحديث أيضا في كتاب النكاح في باب الخطبة : إن من البيان سحرا بدون لام التأكيد في خبر إن ، وكذا لفظ أبي داود أخرجه في كتاب الأدب في باب رواية الشعر من حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - . ولفظ الترمذي : إن من البيان سحرا ، أو إن بعض البيان سحر أخرجه في أبواب البر ، عن قتيبة ، عن عبد العزيز بن محمد ، عن زيد بن أسلم ، ومضى الكلام فيه في كتاب النكاح ، ولنذكر بعض شيء ، فقال ابن بشكوال : رواه أكثر رواة الموطأ مرسلا ، ليس فيه ابن عمر ، وقال ابن بطال : الرجلان هما عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر ، وقال أبو عمر : عمرو بن الأهتم التميمي المنقري أبو ربعي ، والأهتم أبوه اسمه سنان بن خالد بن سمي ، قدم وافدا في وجوه قومه من بني تميم فأسلم وذلك في سنة تسع من الهجرة ، وكان فيمن قدم معه الزبرقان بن بدر بن امرئ القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم البهدلي السعدي التميمي ، يكنى أبا عياش ، فأسلم وولاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقات قومه ، وأقره أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - على ذلك ، وقال الأصمعي : الزبرقان القمر والزبرقان الرجل الخفيف اللحية ، واسمه الحصين بن بدر ، وإنما سمي الزبرقان لحسنه ، شبه بالقمر ، وقد ذكرنا خطبة الزبرقان في كتاب النكاح وما جرى له مع عمرو بن الأهتم . واختلف العلماء في تأويل الحديث المذكور ، فقال قوم من أصحاب مالك : إنه خرج على الذم للبيان ، ولهذا مالك أدخله في باب ما يكره من الكلام وقالوا : إنه - صلى الله عليه وسلم - شبه البيان بالسحر ، والسحر مذموم محرم قليله وكثيره ، وذلك لما في البيان من التفيهق وتصوير الباطل في صورة الحق ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون ، ويقال : الرجل يكون على الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق ، وقال آخرون : هو كلام خرج على مدح البيان ، واستدلوا عليه بقوله في الحديث : فعجب الناس لبيانهما ، قالوا : والإعجاب لا يكون إلا بما يحسن ويطيب سماعه ، قالوا : وتشبيهه بالسحر مدح ؛ لأن معنى السحر الاستمالة ، وكل من استمالك فقد سحرك ، وكان - صلى الله عليه وسلم - أميز الناس بفضل البلاغة لبلاغته فأعجبه ذلك القول واستحسنه ، فلذلك شبهه بالسحر ، ويقال : أحسن ما يقال في هذا الحديث أنه ليس بذم للبيان كله ولا بمدح له كله ، ألا ترى أن فيه كلمة من للتبعيض ، وقد شك المحدث أنه قال : إن من البيان أو إن من بعض البيان ، وكيف يذم البيان كله وقد عده نعمة على عبيده ، فقال : خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ قوله : من المشرق أراد به النجد ؛ لأنه في شرق المدينة ، وهي سكنى بني تميم من جهة العراق . قوله : سحرا ، أي : هو شبيه بالسحر في جلب العقول من حيث إنه خارق للعادة .