حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من البيان سحر

حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن من البيان لسحرا ، أو إن بعض البيان لسحر . مطابقته للترجمة في لفظ : البيان سحر فقط ؛ لأن لفظ الحديث : إن من البيان إلى آخره . ومضى الحديث أيضا في كتاب النكاح في باب الخطبة : إن من البيان سحرا بدون لام التأكيد في خبر إن ، وكذا لفظ أبي داود أخرجه في كتاب الأدب في باب رواية الشعر من حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - .

ولفظ الترمذي : إن من البيان سحرا ، أو إن بعض البيان سحر أخرجه في أبواب البر ، عن قتيبة ، عن عبد العزيز بن محمد ، عن زيد بن أسلم ، ومضى الكلام فيه في كتاب النكاح ، ولنذكر بعض شيء ، فقال ابن بشكوال : رواه أكثر رواة الموطأ مرسلا ، ليس فيه ابن عمر ، وقال ابن بطال : الرجلان هما عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر ، وقال أبو عمر : عمرو بن الأهتم التميمي المنقري أبو ربعي ، والأهتم أبوه اسمه سنان بن خالد بن سمي ، قدم وافدا في وجوه قومه من بني تميم فأسلم وذلك في سنة تسع من الهجرة ، وكان فيمن قدم معه الزبرقان بن بدر بن امرئ القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم البهدلي السعدي التميمي ، يكنى أبا عياش ، فأسلم وولاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقات قومه ، وأقره أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - على ذلك ، وقال الأصمعي : الزبرقان القمر والزبرقان الرجل الخفيف اللحية ، واسمه الحصين بن بدر ، وإنما سمي الزبرقان لحسنه ، شبه بالقمر ، وقد ذكرنا خطبة الزبرقان في كتاب النكاح وما جرى له مع عمرو بن الأهتم . واختلف العلماء في تأويل الحديث المذكور ، فقال قوم من أصحاب مالك : إنه خرج على الذم للبيان ، ولهذا مالك أدخله في باب ما يكره من الكلام وقالوا : إنه - صلى الله عليه وسلم - شبه البيان بالسحر ، والسحر مذموم محرم قليله وكثيره ، وذلك لما في البيان من التفيهق وتصوير الباطل في صورة الحق ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون ، ويقال : الرجل يكون على الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق ، وقال آخرون : هو كلام خرج على مدح البيان ، واستدلوا عليه بقوله في الحديث : فعجب الناس لبيانهما ، قالوا : والإعجاب لا يكون إلا بما يحسن ويطيب سماعه ، قالوا : وتشبيهه بالسحر مدح ؛ لأن معنى السحر الاستمالة ، وكل من استمالك فقد سحرك ، وكان - صلى الله عليه وسلم - أميز الناس بفضل البلاغة لبلاغته فأعجبه ذلك القول واستحسنه ، فلذلك شبهه بالسحر ، ويقال : أحسن ما يقال في هذا الحديث أنه ليس بذم للبيان كله ولا بمدح له كله ، ألا ترى أن فيه كلمة من للتبعيض ، وقد شك المحدث أنه قال : إن من البيان أو إن من بعض البيان ، وكيف يذم البيان كله وقد عده نعمة على عبيده ، فقال : خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ قوله : من المشرق أراد به النجد ؛ لأنه في شرق المدينة ، وهي سكنى بني تميم من جهة العراق . قوله : سحرا ، أي : هو شبيه بالسحر في جلب العقول من حيث إنه خارق للعادة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث