4 - باب الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ 525 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَقِيقٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ ؟ قُلْتُ : أَنَا ، كَمَا قَالَهُ . قَالَ : إِنَّكَ عَلَيْهِ - أَوْ عَلَيْهَا - لَجَرِيءٌ . قُلْتُ : فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ . قَالَ : لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ ، وَلَكِنْ الْفِتْنَةُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ . قَالَ : لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا . قَالَ : أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ ؟ قَالَ : يُكْسَرُ . قَالَ : إِذن لَا يُغْلَقَ أَبَدًا . قُلْنَا : أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . كَمَا أَنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ . إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ . فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : الْبَابُ عُمَرُ . قَوْلُهُ ( بَابُ الصَّلَاةِ كَفَّارَةٌ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِي بَابُ تَكْفِيرِ الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ الْقَطَّانُ ، وَشَقِيقٌ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ . قَوْلُهُ ( سمعت حذيفة ) لِلْمُسْتَمْلِي حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ . قَوْلُهُ ( فِي الْفِتْنَةِ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَإِرَادَةِ الْخَاصِّ . إِذْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ إِلَّا عَنْ فِتْنَةٍ مَخْصُوصَةٍ . وَمَعْنَى الْفِتْنَةِ فِي الْأَصْلِ الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَكْشِفُهُ الِامْتِحَانُ عَنْ سُوءٍ . وَتُطْلَقُ عَلَى الْكُفْرِ ، وَالْغُلُوِّ فِي التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ ، وَعَلَى الْفَضِيحَةِ وَالْبَلِيَّةِ وَالْعَذَابِ وَالْقِتَالِ وَالتَّحَوُّلِ مِنَ الْحَسَنِ إِلَى الْقَبِيحِ وَالْمَيْلِ إِلَى الشَّيْءِ وَالْإِعْجَابِ بِهِ ، وَتَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً قَوْلُهُ ( أَنَا كَمَا قَالَهُ ) أَيْ أَنَا أَحْفَظُ مَا قَالَهُ ، وَالْكَافُ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ، أَوْ هِيَ بِمَعْنَى عَلَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمِثْلِيَّةُ ، أَيْ أَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَهُ . قَوْلُهُ ( عَلَيْهِ ) أَيْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَوْ عَلَيْهَا ) أَيْ عَلَى الْمَقَالَةِ ، وَالشَّكُّ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ . قَوْلُهُ ( الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ ) أَيِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الزَّكَاةِ . قَوْلُهُ ( قُلْنَا ) هُوَ مَقُولُ شَقِيقٍ . وَ قَوْلُهُ ( إِنِّي حَدَّثْتُهُ ) هُوَ مَقُولُ حُذَيْفَةَ . وَ ( الْأَغَالِيطُ ) جَمْعُ أُغْلُوطَةٍ . وَقَوْلُهُ ( فَهَبْنَا ) أَيْ خِفْنَا ، وَهُوَ مَقُولُ شَقِيقٍ أَيْضًا . وَقَوْلُهُ ( الْبَابُ عُمَرُ ) لَا يُغَايِرُ قَوْلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ( إِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِتْنَةِ بَابًا ) ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا ، أَيْ بَيْنَ زَمَانِكَ وَبَيْنَ زَمَانِ الْفِتْنَةِ وُجُودُ حَيَاتِكَ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ · ص 11 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاة كفارة · ص 34 4 - باب الصلاة كفارة فيه حديثان : الأول : كفارة الصلاة : قال : 525 - حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن الأعمش : حدثني شقيق : حدثني حذيفة ، قال : كنا جلوسا عند عمر ، فقال : أيكم يحفظ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة ؟ قلت : أنا كما قاله . قال : إنك عليه - أو عليها - لجريء . قلت : فتنة الرجل في أهله وماله ، ولده وجاره ، تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي . قال : ليس هذا أريد ، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر . قال : ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين ، إن بينك وبينها بابا مغلقا . قال : يكسر أم يفتح ؟ قال : يكسر . قال : إذن لا يغلق أبدا . قلنا : أكان عمر يعلم الباب ؟ قال : نعم ، كما أن دون غد الليلة ، إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط ، فهبنا أن نسأل حذيفة ، فأمرنا مسروقا فسأله ، فقال : الباب عمر . أصل الفتنة : الابتلاء والامتحان والاختبار ، ويكون تارة بما يسوء ، وتارة بما يسر ، كما قال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وقال : وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وغلب في العرف استعمال الفتنة في الوقوع فيما يسوء . والفتنة نوعان : أحدهما : خاصة ، تختص بالرجل في نفسه . والثاني : عامة ، تعم الناس . فالفتنة الخاصة : ابتلاء الرجل في خاصة نفسه بأهله وماله وولده وجاره ، وقد قال [تعالى] : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ؛ فإن ذلك غالبا يلهي عن طلب الآخرة والاستعداد لها ، ويشغل عن ذلك . ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب على المنبر ، ورأى الحسن والحسين يمشيان ويعثران وهما صغيران ، نزل فحملهما ، ثم قال : ( صدق الله ورسوله ، إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ إني رأيت هذين الغلامين يمشيان ويعثران فلم أصبر ) . وقد ذم الله تعالى من ألهاه ماله وولده عن ذكره ، فقال : لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ فظهر بهذا : أن الإنسان يبتلى بماله وولده وأهله وبجاره المجاور له ، ويفتتن بذلك ، فتارة يلهيه الاشتغال به عما ينفعه في آخرته ، وتارة تحمله محبته على أن يفعل لأجله بعض ما لا يحبه الله ، وتارة يقصر في حقه الواجب عليه ، وتارة يظلمه ويأتي إليه ما يكرهه الله من قول أو فعل ، فيسأل عنه ويطالب به . فإذا حصل للإنسان شيء من هذه الفتن الخاصة ، ثم صلى أو صام أو تصدق أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر كان ذلك كفارة له ، وإذا كان الإنسان تسوؤه سيئته ، ويعمل لأجلها عملا صالحا كان ذلك دليلا على إيمانه . وفي مسند بقي بن مخلد ، عن رجل سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما الإيمان يا رسول الله ؟ قال : ( أن تؤمن بالله ورسوله ) ، فأعادها ثلاثا ، فقال له في الثالثة : ( أتحب أن أخبرك ما صريح الإيمان ؟ ) فقال : ذلك الذي أردت . فقال : ( إن صريح الإيمان إذا أسأت أو ظلمت أحدا : عبدك أو أمتك ، أو واحدا من الناس ، صمت أو تصدقت وإذا أحسنت استبشرت ) . وأما الفتن العامة : فهي التي تموج موج البحر ، وتضطرب ، ويتبع بعضها بعضا كأمواج البحر ، فكان أولهما فتنة قتل عثمان - رضي الله عنه - وما نشأ منها من افتراق قلوب المسلمين ، وتشعب أهوائهم وتكفير بعضهم بعضا ، وسفك بعضهم دماء بعض ، وكان الباب المغلق الذي بين الناس وبين الفتن عمر - رضي الله عنه - ، وكان قتل عمر كسرا لذلك الباب ، فلذلك لم يغلق ذلك الباب بعده أبدا . وكان حذيفة أكثر الناس سؤالا للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن الفتن ، وأكثر الناس علما بها ، فكان عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم بالفتن العامة والخاصة ، وهو حدث عمر تفاصيل الفتن العامة ، وبالباب الذي بين الناس وبينها ، وأنه هو عمر ، ولهذا قال : إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط ، والأغاليط : جمع أغلوطة ، وهي التي يغالط بها ، واحدها : أغلوطة ومغلطة ، والمعنى : أنه حدثه حديثا حقا ، ليس فيه مرية ، ولا إيهام . وهذا مما يستدل به على أن رواية مثل حذيفة يحصل بها لمن سمعها العلم اليقيني الذي لا شك فيه ؛ فإن حذيفة ذكر أن عمر علم ذلك وتيقنه كما تيقن أن دون غد الليلة لما حدثه به من الحديث الذي لا يحتمل غير الحق والصدق . وقد كانت الصحابة تعرف في زمان عمر أن بقاء عمر أمان للناس من الفتن . وفي مسند الإمام أحمد أن خالد بن الوليد لما عزله عمر ، قال له رجل : اصبر أيها الأمير ، فإن الفتن قد ظهرت . فقال خالد : وابن الخطاب حي ! إنما يكون بعده - رضي الله عنهما - . وقد روي من حديث عثمان بن مظعون ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى عمر : غلق الفتنة ، وقال : ( لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين أظهركم ) . خرجه البزار . وروي نحوه من حديث أبي ذر . وروى كعب ، أنه قال لعمر : أجدك مصراع الفتنة ، فإذا فتح لم يغلق أبدا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلاة كفارة · ص 8 ( باب الصلاة كفارة ) أي هذا باب يذكر فيه الصلاة كفارة هكذا الصلاة كفارة في أكثر الروايات ، وفي رواية المستملي : باب تكفير الصلاة الكفارة عبارة عن الفعلة والخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة ، أي : تسترها وتمحوها وهي على وزن فعالة بالتشديد للمبالغة كقتالة وضرابة وهي من الصفات الغالبة في باب الاسمية واشتقاقها من الكفر بالفتح ، وهو تغطية الشيء بالاستهلاك ، والتكفير : مصدر من كفر بالتشديد . 4 - ( حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى ، عن الأعمش ، قال : حدثني شقيق ، قال : سمعت حذيفة قال : كنا جلوسا عند عمر رضي الله عنه ، فقال : أيكم يحفظ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة ؟ قلت : أنا ، كما قاله ، قال : إنك عليه أو عليها لجريء ، ( قلت ) : فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة ، والأمر والنهي ، قال : ليس هذا أريد ، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر ، قال : ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين ، إن بينك وبينها بابا مغلقا ، قال : أيكسر أم يفتح ؟ قال : يكسر ، قال : إذًا لا يغلق أبدا ، قلنا : أكان عمر يعلم الباب ؟ قال : نعم ، كما أن دون الغد الليلة إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط ، فهبنا أن نسأل حذيفة ، فأمرنا مسروقا فسأله ، فقال : الباب عمر ) مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله : ( تكفرها الصلاة ) . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول مسدد بن مسرهد ، الثاني يحيى القطان ، الثالث سليمان الأعمش ، الرابع شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي ، الخامس حذيفة بن اليمان - رضي الله تعالى عنه - . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في الموضعين ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه حدثني حذيفة رواية المستملي ، وفي رواية غيره سمعت حذيفة ، وفيه بصريان ، وهما مسدد ويحيى ، وكوفيان الأعمش وشقيق . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الزكاة ، عن قتيبة ، عن جرير ، وفي علامات النبوة ، عن عمر بن حفص قاله المزي في الأطراف ، وهو وهم ، وإنما أخرجه ، عن عمر بن حفص في الفتن ، وفي الصوم ، عن علي بن عبد الله ، وأخرجه مسلم في الفتن ، عن ابن نمير وأبي بكر كلاهما ، عن أبي معاوية قاله المزي ، وهو وهم ، وإنما رواه مسلم من طريق أبي معاوية ، عن ابن نمير وأبي كريب ومحمد بن المثنى ، ثلاثتهم عن أبي معاوية ، فوهم في ذكره لأبي بكر ، وفي إسقاطه لابن المثنى ، وأخرجه الترمذي في الفتن أيضا ، عن محمود بن غيلان ، وأخرجه ابن ماجه فيه أيضا ، عن ابن نمير ، عن أبيه وأبي معاوية ، كلاهما عن الأعمش به . ( ذكر معناه ) قوله : ( كنا جلوسا ) ، أي : جالسين ، قوله : ( في الفتنة ) وهي الخبرة والإعجاب بالشيء فتنه يفتنه فتنا وفتونا وأفتنه وأباها الأصمعي . وقال سيبويه : فتنه : جعل فيه فتنة ، وأفتنه : أوصل الفتنة إليه ، قال : إذا قال أفتنته ، فقد تعرض الفتن ، وإذا قال : فتنته فلم يتعرض الفتن ، وحكى أبو زيد : أفتن الرجل بصيغة ما لم يسم فاعله ، أي : فتن ، والفتنة الضلال والإثم ، وفتن الرجل أماله عما كان عليه ، قال تعالى : وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ والفتنة الكفر ، قال تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ والفتنة الفضيحة ، والفتنة العذاب ، والفتنة ما يقع بين الناس من القتال ، ذكره ابن سيده ، والفتنة : البلية ، وأصل ذلك كله من الاختبار ، وأنه من فتنت الذهب في النار إذا اختبرته ، وفي الغريبين الفتنة الغلو في التأويل المظلم . وقال ابن طريف : فتنته وأفتنته ، وفتن بكسر التاء فتونا : تحول من حسن إلى قبيح ، وفتن إلى النساء وفتن فيهن : أراد الفجور بهن ، وفي الجمهرة : فتنت الرجل أفتنه وأفتنته إفتانا ، وفي الصحاح : قال الفراء : أهل الحجاز يقولون ( ما أنتم عليه بفاتنين ) وأهل نجد يقولون : بمفتنين من أفتنت ، وزعم عياض : أنها الابتلاء والامتحان ، قال : وقد صار في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء ، ويكون في الخير والشر ، قال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً قوله : ( قلت : أنا ) ، كما قاله ، أي : أحفظ كما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم . ( فإن قلت : ) الكاف هاهنا لماذا ، وهو حافظ لنفس قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا كمثله ( قلت ) يجوز أن تكون الكاف هنا للتعليل ؛ لأنها اقترنت بكلمة ما المصدرية ، أي : أحفظ لأجل حفظ كلامه ، ويجوز أن تكون للاستعلاء ، يعني : أحفظ على ما عليه قوله . وقال الكرماني : لعله نقله بالمعنى فاللفظ مثل لفظه في أداء ذلك المعنى ( قلت ) حاصل كلامه يؤول إلى معنى المثلية ، وهو في سؤاله نفي المثلية فانتفى بذلك أن تكون الكاف للتشبيه . وقال بعضهم : الكاف زائدة . ( قلت ) هذا أخذه من الكرماني ولم يبين واحد منهما أن الكاف إذا كانت زائدة ما تكون فائدته . ( فإن قلت ) لفظ أنا مفرد ، وهو مقول قوله . ( قلت ) وقد علم أن مقول القول يكون جملة . ( قلت ) أنا مبتدأ وخبره محذوف تقديره أنا أحفظ أو أضبط أو نحوهما ، قوله : ( عليه ) ، أي : قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قوله : ( أو عليها ) ، أي : أو على مقالته والشك من حذيفة قاله الكرماني . ( قلت ) يجوز أن يكون ممن دونه ، قوله : ( لجريء ) خبر إن في قوله : ( إنك ) واللام للتأكيد والجريء على وزن فعيل من الجراءة وهي الإقدام على الشيء ، قوله : ( فتنة الرجل في أهله ) قال ابن بطال : فتنة الرجل في أهله أن يأتي من أجلهم ما لا يحل له من القول أو العمل مما لم يبلغ كبيرة . وقال المهلب : يريد ما يعرض له معهن من شر أو حزن أو شبهه ، قوله : ( وماله ) فتنة الرجل في ماله أن يأخذه من غير مأخذه ويصرفه في غير مصرفه أو التفريط بما يلزمه من حقوق المال فتكثر عليه المحاسبة ، قوله : ( وولده ) فتنة الرجل في ولده فرط محبتهم وشغله بهم عن كثير من الخير أو التوغل في الاكتساب من أجلهم من غير اكتراث من أن يكون من حلال أو حرام ، قوله : ( وجاره ) فتنة الرجل في جاره أن يتمنى أن يكون حاله مثل حاله إن كان متسعا ، قال تعالى : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً قوله : ( تكفرها الصلاة ) ، أي : تكفر فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره أداء الصلاة ، قال تعالى : إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ يعني : الصلوات الخمس إذا اجتنبت الكبائر هذا قول أكثر المفسرين . وقال مجاهد : هي قول العبد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر . وقال ابن عبد البر : قال بعض المنتسبين إلى العلم من أهل عصرنا : إن الكبائر والصغائر تكفرها الصلاة والطهارة ، واستدل بظاهر هذا الحديث وبحديث الصنابحي : " إذا توضأ خرجت الخطايا من فيه " الحديث . وقال أبو عمر : هذا جهل وموافقة للمرجئة وكيف يجوز أن تحمل هذه الأخبار على عمومها ، وهو يسمع قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا في آي كثير ، فلو كانت الطهارة وأداء الصلوات وأعمال البر مكفرة لما احتاج إلى التوبة ، وكذلك الكلام في الصوم والصدقة والأمر والنهي ، فإن المعنى أنها تكفر إذا اجتنبت الكبائر ، قوله : ( والأمر ) ، أي : الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، كما صرح به البخاري في الزكاة . ( فإن قلت ) ما النكتة في تعيين هذه الأشياء الخمسة . ( قلت ) الحقوق لما كانت في الأبدان والأموال والأقوال فذكر من أفعال الأبدان أعلاها ، وهو الصلاة والصوم ؛ قال الله تعالى : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ وذكر من حقوق الأموال أعلاها وهي الصدقة ، ومن الأقوال أعلاها وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قوله : ( تموج ) من ماج البحر ، أي : تضطرب ويدفع بعضها بعضها لعظمها . وكلمة ما في ( كما تموج ) مصدرية ، أي : كموج البحر ، وهو تشبيه غير بليغ ، قوله : ( قال ) ، أي : قال حذيفة ، قوله : ( بأس ) ، أي : شدة ، قوله : ( لبابا ) ويروى ( بابا ) بدون اللام ، قوله : ( مغلقا ) صفة الباب ، قال ثعلب في الفصيح : أغلقت الباب فهو مغلق . وقال ابن درستويه : والعامة تقول : غلقت بغير ألف ، وهو خطأ ، وذكره أبو علي الدينوري في باب ما تحذف منه العامة الألف . وقال ابن سيده في العويص ، والجوهري في الصحاح : فأغلقت ، قال الجوهري : وهي لغة رديئة متروكة . وقال ابن هشام في شرحه : الأفصح غلقت بالتشديد ، قال الله تعالى : وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وفيه نظر ؛ لأن غلقت مشددة للتكثير ، قاله الجوهري وغيره ، وفي المحكم : غلق الباب وأغلقه وغلقه الأولى من ابن دريد عزاها إلى أبي زيد ، وهي نادرة ، والمقصود من هذا الكلام أن تلك الفتن لا يخرج منها شيء في حياتك ، قوله : ( قال أيكسر ) ، أي : قال عمر - رضي الله تعالى عنه - أيكسر هذا الباب أم يفتح ، قوله : ( قال يكسر ) ، أي : قال حذيفة يكسر ، قوله : ( قال إذا لا يغلق أبدا ) ، أي : قال عمر - رضي الله تعالى عنه - إذا لا يغلق أبدا هذا الباب وإذا هو جواب وجزاء ، أي : إذا انكسر لا يغلق أبدا ؛ لأن المكسور لا يعاد بخلاف المفتوح ، والكسر لا يكون غالبا إلا عن إكراه وغلبة وخلاف عادة ، ولفظ لا يغلق روي مرفوعا ومنصوبا ، وجه الرفع أن يقال : إنه خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : الباب إذا لا يغلق ، ووجه النصب أن لا يقدر ذلك ، فلا يكون ما بعده معتمدا على ما قبله ، والحاصل أنه فعل مستقبل منصوب بإذن ، وإذن تعمل النصب في الفعل المستقبل بثلاثة أشياء ، وهي أن يعتمد ما قبلها على ما بعدها ، وأن يكون الفعل فعل حال ، وأن لا يكون معها واو العطف ، وهذه الثلاثة معدومة في النصب ، قوله : ( قلنا ) هو مقول شقيق ، قوله : ( كما أن دون الغد الليلة ) ، أي : كما يعلم أن الغد أبعد منا من الليلة يقال : هو دون ذلك ، أي : أقرب منه ، قوله : ( إني حدثته ) مقول حذيفة ، قوله : ( ليس بالأغاليط ) جمع أغلوطة وهي ما يغالط بها قال النووي : معناه حدثته حديثا صدقا محققا من أحاديث رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لا من اجتهاد رأي ونحوه ، وغرضه أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت ، كما جاء في بعض الروايات ، قال : ويحتمل أن يكون حذيفة علم أن عمر يقتل ولكنه كره أن يخاطب عمر بالقتل ، فإن عمر كان يعلم أنه هو الباب ، فأتى بعبارة يحصل منها الغرض ولا يكون إخبارا صريحا بقتله . قال : والحاصل أن الحائل بين الفتنة والإسلام عمر - رضي الله تعالى عنه - ، وهو الباب فما دام عمر حيا لا تدخل الفتن فيه فإذا مات دخلت ، وكذا كان قوله : ( فهبنا ) ، أي : خفنا من هاب ، وهو مقول شقيق أيضا ، قوله : ( مسروقا ) هو مسروق بن الأجدع ، وقد تقدم ذكره ، قوله : ( فقال : الباب عمر ) ، أي : قال مسروق الباب هو عمر - رضي الله تعالى عنه . ( فإن قلت ) : قال أولا أن بينك وبينها بابا ، فالباب يكون بين عمر وبين الفتنة ، وهنا يقول الباب هو عمر وبين الكلامين مغايرة . ( قلت ) لا مغايرة بينهما ؛ لأن المراد بقوله ( بينك وبينها ) ، أي : بين زمانك وبين زمان الفتنة وجود حياتك . وقال الكرماني : أو المراد بين نفسك وبين الفتنة بدنك ، إذ الروح غير البدن أو بين الإسلام والفتنة . وقال أيضا : ( فإن قلت ) من أين علم حذيفة أن الباب عمر وهل علم من هذا السياق أنه مسند إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بل كل ما ذكر في هذا الباب لم يسند منه شيء إليه صلى الله تعالى عليه وسلم . ( قلت ) الكل ظاهر مسند إليه صلى الله تعالى عليه وسلم بقرينة السؤال ، والجواب : ولأنه قال حدثته بحديث ولفظ الحديث المطلق لا يستعمل إلا في حديثه صلى الله عليه وسلم . ( فإن قلت ) كيف سأل عمر - رضي الله تعالى عنه - ، عن الفتنة التي تأتي بعده خوفا أن يدركها مع علمه بأنه هو الباب . ( قلت ) من شدة خوفه خشي أن يكون نسي فسأل من يذكره .