6 - بَاب الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَةٌ 528 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ ؟ قَالُوا : لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا . قَالَ : فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا . قَوْلُهُ ( بَابٌ ) بِالتَّنْوِينِ ( الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَةٌ ) كَذَا ثَبَتَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَهِيَ أَخَصُّ مِنَ التَّرْجَمَةِ السَّابِقَةِ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا . وَسَقَطَتِ التَّرْجَمَةُ مِنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، وَعَلَيْهِ مَشَى ابْنُ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَزَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا إِذَا صَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ فِي الْجَمَاعَةِ وَغَيْرِهَا . قَوْلُهُ ( ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ ) كُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى عَبْدُ الْعَزِيزِ ، وَهُمَا مَدَنِيَّانِ ، وَكَذَا بَقِيَّةُ رِجَالِ الْإِسْنَادِ . قَوْلُهُ ( عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) أَيِ ابْنِ أَبِي أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيِّ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَبَكْرِ بْنِ مُضَرَ كِلَاهُمَا عَنْهُ . نَعَمْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْهُ ، لَكِنَّهُ شَاذٌّ ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْمَشِ إِنَّمَا رَوَوْهُ عَنْهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَوْلُهُ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ) هُوَ التَّيْمِيُّ رَاوِي حَدِيثِ الْأَعْمَالِ ، وَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ أَيْضًا ، فَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ تَابِعِيُّونَ عَلَى نَسَقٍ قَوْلُهُ ( أَرَأَيْتُمْ ) هُوَ اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ مُتَعَلِّقٍ بِالِاسْتِخْبَارِ ، أَيْ أَخْبِرُونِي هَلْ يَبْقَى . قَوْلُهُ ( لَوْ أَنَّ نَهْرًا ) قَالَ الطِّيبِيُّ : لَفْظُ لَوْ يَقْتَضِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْفِعْلِ وَأَنْ يُجَابَ ، لَكِنَّهُ وَضَعَ الِاسْتِفْهَامَ مَوْضِعَهُ تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا ، وَالتَّقْدِيرُ لَوْ ثَبَتَ نَهْرٌ صِفَتُهُ كَذَا لَمَا بَقِيَ كَذَا ، وَالنَّهْرُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا مَا بَيْنَ جَنْبَيِ الْوَادِي ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسِعَتِهِ ، وَكَذَلِكَ سُمِّيَ النَّهَارُ لِسِعَةِ ضَوْئِهِ . قَوْلُهُ ( مَا تَقُولُ ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ بِإِفْرَادِ الْمُخَاطَبِ ، وَالْمَعْنَى مَا تَقُولُ يَا أَيُّهَا السَّامِعُ ؟ وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى مُسْلِمٍ ، وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَالْجَوْزَقِيِّ مَا تَقُولُونَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، وَالْإِشَارَةُ فِي ذَلِكَ إِلَى الِاغْتِسَالِ ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : فِيهِ شَاهِدٌ عَلَى إِجْرَاءِ فِعْلِ الْقَوْلِ مَجْرَى فِعْلِ الظَّنِّ ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُضَارِعًا مُسْنَدًا إِلَى الْمُخَاطَبِ مُتَّصِلًا بِاسْتِفْهَامٍ . قَوْلُهُ ( يُبْقِي ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ . قَوْلُهُ ( مِنْ دَرَنِهِ ) زَادَ مُسْلِمٌ شَيْئًا وَالدَّرَنُ الْوَسَخُ ، وَقَدْ يُطْلَقُ الدَّرَنُ عَلَى الْحَبِّ الصِّغَارِ الَّتِي تَحْصُلُ فِي بَعْضِ الْأَجْسَادِ ، وَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ ( قَالُوا لَا يُبْقِي ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْضًا ، وَ ( شَيْئًا ) مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ . وَلِمُسْلِمٍ لَا يَبْقَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَ شَيْءٌ بِالرَّفْعِ ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَذَلِكَ جَوَابُ شَيْءٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ فَهُوَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ إِلَخْ . وَفَائِدَةُ التَّمْثِيلِ التَّأْكِيدُ ، وَجَعْلُ الْمَعْقُولِ كَالْمَحْسُوسِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُبَالَغَةٌ فِي نَفْيِ الذُّنُوبِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْتَصِرُوا فِي الْجَوَابِ عَلَى لَا بل أَعَادُوا اللَّفْظَ تَأْكِيدًا . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَجْهُ التَّمْثِيلِ أَنَّ الْمَرْءَ كَمَا يَتَدَنَّسُ بِالْأَقْذَارِ الْمَحْسُوسَةِ فِي بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ وَيُطَهِّرُهُ الْمَاءُ الْكَثِيرُ ، فَكَذَلِكَ الصَّلَوَاتُ تُطَهِّرُ الْعَبْدَ عَنْ أَقْذَارِ الذُّنُوبِ حَتَّى لَا تُبْقِي لَهُ ذَنْبًا إِلَّا أَسْقَطَتْهُ انْتَهَى . وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَطَايَا فِي الْحَدِيثِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : يُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ الصَّغَائِرُ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَ الْخَطَايَا بِالدَّرَنِ ، وَالدَّرَنُ صَغِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ مِنَ الْقُرُوحِ وَالْخُرَاجَاتِ ، انْتَهَى . وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّرَنِ فِي الْحَدِيثِ الْحَبُّ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَسَخُ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُهُ الِاغْتِسَالُ وَالتَّنَظُّفُ . وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ ، وَهُوَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ مُعْتَمَلٌ ، وَبَيْنَ مُنْزِلِهِ وَمُعْتَمَلِهِ خَمْسَةُ أَنْهَارٍ ، فَإِذَا انْطَلَقَ إِلَى مُعْتَمَلِهِ عَمِلَ مَا شَاءَ اللَّهُ فَأَصَابَهُ وَسَخٌ أَوْ عَرَقٍ ، فَكُلَّمَا مَرَّ بِنَهْرٍ اغْتَسَلَ مِنْهُ . الْحَدِيثَ . وَلِهَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تَسْتَقِلُّ بِتَكْفِيرِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ ، وَهُوَ مُشْكِلٌ ، لَكِنْ رَوَى مُسْلِمٌ قَبْلَهُ حَدِيثَ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ . فَعَلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ يُحْمَلُ مَا أُطْلِقَ فِي غَيْرِهِ . ( فَائِدَةٌ ) : قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ فِي شَرْحِ الْأَحْكَامِ : يَتَوَجَّهُ عَلَى حَدِيثِ الْعَلَاءِ إِشْكَالٌ يَصْعُبُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّغَائِرَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ مُكَفَّرَةٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا الَّذِي تُكَفِّرُهُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ؟ انْتَهَى . وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ السُّؤَالَ غَيْرُ وَارِدٍ ؛ لِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ إِنْ تَجْتَنِبُوا أَيْ فِي جَمِيعِ الْعُمُرِ ، وَمَعْنَاهُ الْمُوَافَاةُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ وَقْتِ الْإِيمَانِ أَوِ التَّكْلِيفِ إِلَى الْمَوْتِ ، وَالَّذِي فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهَا - أَيْ فِي يَوْمِهَا - إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَعَلَى هَذَا لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ ، انْتَهَى . وَعَلَى تَقْدِيرِ وُرُودِ السُّؤَالِ فَالتَّخَلُّصُ مِنْهُ بِحَمْدِ اللَّهِ سَهْلٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ إِلَّا بِفِعْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْهَا لَمْ يَعُدْ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا مِنَ الْكَبَائِرِ فَوَقَفَ التَّكْفِيرُ عَلَى فِعْلِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ فَصَّلَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ أَحْوَالَ الْإِنْسَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنْ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ ، فَقَالَ : تَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةٍ ، أَحَدِهَا : أَنْ لَا يَصْدُرَ مِنْهُ شَيْءٌ الْبَتَّةَ ، فَهَذَا يُعَاوَضُ بِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ . ثَانِيهَا : يَأْتِي بِصَغَائِرَ بِلَا إِصْرَارٍ ، فَهَذَا تُكَفَّرُ عَنْهُ جَزْمًا . ثَالِثِهَا : مِثْلُهُ لَكِنْ مَعَ الْإِصْرَارِ فَلَا تُكَفَّرُ إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغَائِرِ كَبِيرَةٌ . رَابِعِهَا : أَنْ يَأْتِيَ بِكَبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ وَصَغَائِرَ . خَامِسِهَا : أَنْ يَأْتِيَ بِكَبَائِرَ وَصَغَائِرَ ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ يُحْتَمَلُ إِذَا لَمْ يَجْتَنِبِ الْكَبَائِرَ أَنْ لَا تُكَفِّرَ الْكَبَائِرَ بَلْ تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تُكَفِّرَ شَيْئًا أَصْلًا ، وَالثَّانِي أَرْجَحُ ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ إِذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ جِهَتُهُ لَا يُعْمَلُ بِهِ ، فَهُنَا لَا تُكَفِّرُ شَيْئًا إِمَّا لِاخْتِلَاطِ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ أَوْ لِتَمَحُّضِ الْكَبَائِرِ أَوْ تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ ، فَلَمْ تَتَعَيَّنْ جِهَةُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ لِدَوَرَانِهِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مُقْتَضَى تَجَنُّبِ الْكَبَائِرِ أَنَّ هُنَاكَ كَبَائِرَ ، وَمُقْتَضَى مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ أَنْ لَا كَبَائِرَ فَيُصَانُ الْحَدِيثُ عَنْهُ . ( تنبيه ) : لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ وَأَحْمَدَ بِلَفْظِ مَا تَقُولُ إِلَّا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَصْلًا ، وَهُوَ عِنْدُ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ لَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ كَانَ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ وَعَلَى لَفْظِهِ اقْتَصَرَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَكَذَا الْحُمَيْدِيُّ ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ بِلَفْظِ مَا تَقُولُونَ أَنَّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَصْلَ الْحَدِيثِ ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَصْلًا وَلَا ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُتَأَخِّرَةِ مِنَ الْبُخَارِيِّ بِالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ آخِرَ الْحُرُوفِ مَنْ يَقُولُ فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ أَنَّهُ غَلَطٌ ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، وَاعْتَمَدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ مِمَّا قَدَّمْتُهُ وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ ، بَلْ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ ، وَالتَّقْدِيرُ : مَا يَقُولُ أَحَدُكُمْ فِي ذَلِكَ . وَالشَّرْطُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُ مِنَ النُّحَاةِ إِنَّمَا هُوَ لِإِجْرَاءِ فِعْلِ الْقَوْلِ مَجْرَى فِعْلِ الظَّنِّ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَمَّا إِذَا تُرِكَ الْقَوْلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَلَا ، وَهَذَا ظَاهِرٌ ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَةٌ · ص 14 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلوات الخمس كفارة للخطايا إذا صلاهن لوقتهن في الجماعة وغيرها · ص 51 6 - باب الصلوات الخمس كفارة للخطايا إذا صلاهن لوقتهن في الجماعة وغيرها 528 - حدثني إبراهيم بن حمزة : ثنا ابن أبي حازم والدراوردي ، عن يزيد بن عبد الله ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقول ذلك يبقي من درنه ؟ ) قالوا : لا يبقي من درنه شيئا . قال : ( فذلك مثل الصلوات الخمس ، يمحو الله بها الخطايا ) . هذا مثل ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم - لمحو الخطايا بالصلوات الخمس ، فجعل مثل ذلك مثل من ببابه نهر يغتسل فيه كل يوم خمس مرار ، كما أن درنه ووسخه ينقى بذلك حتى لا يبقى منه شيء ، فكذلك الصلوات الخمس في كل يوم تمحو الذنوب والخطايا حتى لا يبقى منها شيء . واستدل بذلك بعض من يقول : إن الصلاة تكفر الكبائر والصغائر ، لكن الجمهور القائلون بأن الكبائر لا يكفرها مجرد الصلاة بدون توبة ، يقولون : هذا العموم خص منه الكبائر بما خرجه مسلم من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ، ما اجتنبت الكبائر ) . وفيه - أيضا - : عن عثمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة ، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها ؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ، ما لم تؤت كبيرة وكذلك الدهر كله ) . وخرج النسائي وابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( والذي نفسي بيده ، ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة ، ثم قيل له : ادخل بسلام ) . وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي أيوب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معناه - أيضا . وقال ابن مسعود : الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر . وروي عنه مرفوعا . والموقوف أصح . وقال سلمان : حافظوا على هذه الصلوات الخمس ؛ فإنهن كفارة لهذه الجراح ، ما لم تصب المقتلة . وقد حكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك ، وأن الكبائر لا تكفر بمجرد الصلوات الخمس ، وإنما تكفر الصلوات الخمس الصغائر خاصة . وقد ذهب طائفة من العلماء ، منهم : أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا - إلى أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصلوات الصغائر ، فإن لم تجتنب الكبائر لم تكفر الصلوات شيئا من الصغائر ، وحكاه ابن عطية في تفسيره عن جمهور أهل السنة ؛ لظاهر قوله : ( ما اجتنبت الكبائر ) . والصحيح الذي ذهب إليه كثير من العلماء ، ورجحه ابن عطية ، وحكاه عن الحذاق : أن ذلك ليس بشرط ، وأن الصلوات تكفر الصغائر مطلقا إذا لم يصر عليها ، فإنها بالإصرار عليها تصير من الكبائر . وحديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري في هذا الباب وغيره من الأحاديث يدل على ذلك ، وقد ذكر البخاري في تبويبه عليه أن صلاتهن في وقتهن شرط لتكفير الخطايا ، وأخذ ذلك من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( يغتسل فيه كل يوم خمسا ) ، وهذا يدل على تفريق الصلوات خمس مرار في كل يوم وليلة ، ومن جمع بينهما في وقت واحد أو في وقتين أو ثلاثة لغير عذر لم يحصل منه هذا التفريق ولا تكرير الاغتسال ، وهو بمنزلة من اغتسل مرة أو مرتين أو ثلاثا . وحديث عثمان الذي خرجه مسلم يدل على أن كل صلاة تكفر ذنوب ما بينها وبين الصلاة الأخرى خاصة ، وقد ورد مصرحا بذلك في أحاديث كثيرة . وحينئذ ؛ فمن ترك صلاة إلى وقت صلاة أخرى لغير عذر وجمع بينهما فلا يتحقق أن هاتين الصلاتين المجموعتين في وقت واحد لغير عذر يكفران ما مضى من الذنوب في الوقتين معا ، وإنما يكون ذلك إن كان الجمع لعذر يبيح الجمع . وتمثيله - صلى الله عليه وسلم - بالنهر هو مبالغة في إنقاء الدرن ؛ فإن النهر الجاري يذهب الدرن الذي غسل فيه ولا يبقى له فيه أثر ، بخلاف الماء الراكد ؛ فإن الدرن الذي غسل فيه يمكث في الماء ، وربما ظهر مع كثرة الاغتسال فيه على طول الزمان ؛ ولهذا روي النهي عن الاغتسال في الماء الدائم كما سبق ذكره في الطهارة . وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غمر على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات ) . قال : قال الحسن : وما يبقي ذلك من الدرن . وقد روي عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن عبيد بن عمير ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا . قال أبو حاتم : كذلك أرسله الحفاظ ، وهو أشبه . وروي تشبيه الصلوات بخمسة أنهار . خرجه ابن جرير الطبري والطبراني والبزار من طريق يحيى بن أيوب : وحدثني عبد الله بن قريط ، أن عطاء بن يسار حدثه ، أنه سمع أبا سعيد الخدري يحدث ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( الصلوات الخمس كفارة ما بينهما ) . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أرأيت لو أن رجلا كان له معتمل ، وبين منزله ومعتمله خمسة أنهار ، فإذا انطلق إلى معتمله عمل ما شاء الله ، فأصابه الوسخ والعرق ، فكلما مر بنهر اغتسل ما كان ذلك مبقيا من درنه ، فكذلك الصلوات ، كلما عمل خطيئة أو ما شاء الله ، ثم صلى صلاة فدعا واستغفر غفر له ما كان قبلها ) . وخرج البزار نحوه - أيضا - من طريق عمر بن صهبان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وهذه متابعة لابن قريط ، ولكن ابن صهبان فيه ضعف شديد . وأما استنباط البخاري : أن هذا التكفير لا يشترط له أن تكون الصلاة في جماعة ، فإنه أخذه من قوله ( بباب أحدكم ) ، ومن صلى في بيته فهو كمن صلى في باب منزله . ولقائل أن يقول : لو كان الأمر على ذلك لجعل النهر في المنزل ، فلما جعله ببابه دل على أنه خارج من بيته ، ففيه إشارة إلى الصلاة في المساجد ، وإن قربت من المنازل . وحديث أبي سعيد صريح في أن النهر بين المنزل وبين المعتمل ، وهو المكان الذي يعمل فيه المرء عمله وينتشر فيه لمصالح اكتسابه ونحو ذلك . وهذا مما يدل على أن المراد بالدرن الصغائر التي تصيب الإنسان في كسبه ومعاشه ومخالطته للناس المخالطة المباحة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلوات الخمس كفارة · ص 15 ( باب الصلوات الخمس كفارة ) باب منون تقديره هذا باب يذكر فيه الصلوات الخمس كفارة ، وهكذا وقع في أكثر الروايات ، وفي بعض الروايات الترجمة سقطت وعليه مشى ابن بطال ومن تبعه ، وفي رواية الكشميهني ( باب الصلوات الخمس كفارة للخطايا إذا صلاهن لوقتهن ) في الجماعة وغيرها ، وقوله الصلوات مبتدأ والخمس صفته وكفارة خبره ، وقد مر تفسير الكفارة . والخطايا جمع خطيئة وهي الإثم ، يقال : خطأ يخطأ خطأ وخطأة ، على وزن فعلة بكسر الفاء والخطيئة على وزن فعيلة الإثم ولك أن تشدد الياء ؛ لأن كل ياء ساكنة قبلها كسرة أو واو ساكنة قبلها ضمة وهما زائدتان للمد لا للإلحاق ولا هما من نفس الكلمة فإنك تقلب الهمزة بعد الواو واوا وبعد الياء ياء ، وتدغم وتقول في مقروء مقرو ، وفي خطيئة خطية وأصل الخطايا خطائي على وزن فعائل فلما اجتمعت الهمزتان ، قلبت الثانية ياء ؛ لأن قبلها كسرة ، ثم استثقلت والجمع ثقيل ، وهو معتل مع ذلك فقلبت الياء ألفا ، ثم قلبت الهمزة الأولى ياء لخفائها بين الألفين . 7 - ( حدثنا إبراهيم بن حمزة ، قال : حدثني ابن أبي حازم والدراوردي ، عن يزيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ، ما تقول ، ذلك يبقي من درنه ؟ قالوا : لا يبقي من درنه شيئا . قال : فذلك مثل الصلوات الخمس ، يمحو الله به الخطايا . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والباب الذي قبل الباب الذي قبله أعم من هذه الترجمة ؛ لأنه يتناول الصلوات الخمس وغيرها من أنواع الصلاة . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول إبراهيم بن حمزة بالحاء المهملة ، وقد مر في كتاب الإيمان . الثاني عبد العزيز بن أبي حازم بالحاء المهملة ، وقد مر في باب نوم الرجال . الثالث عبد العزيز بن محمد الدراوردي نسبة إلى دراورد بفتح الدال والراء المهملتين ، ثم ألف ، ثم واو مفتوحة ، ثم راء ساكنة ، ثم دال مهملة وهي قرية بخراسان . وقال أكثرهم : منسوب إلى دار بجرد مدينة بفارس وهي من شواذ النسب . الرابع يزيد من الزيادة ابن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي الأعرج ، مات سنة تسع وثلاثين ومائة . الخامس محمد بن إبراهيم التيمي مات سنة عشرين ومائة . السادس أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف . السابع أبو هريرة ، سماه البخاري : عبد الله . وقال عمرو بن علي : لا يعرف له اسم . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد وبصيغة الجمع في موضع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه اثنان اسم كل منهما عبد العزيز ، وفيه ثلاثة تابعيون ؛ وهم يزيد وهو تابعي صغير ، ومحمد وأبو سلمة ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الصلاة ، عن قتيبة ، عن ليث وبكر بن مضر ، عن ابن الهاد ، وأخرجه الترمذي في الأمثال ، عن قتيبة به ، وأخرجه النسائي في الصلاة ، عن قتيبة ، عن الليث وحده به . ( ذكر معناه ) قوله : " أرأيتم " الهمزة للاستفهام على سبيل التقرير ، والتاء للخطاب ، ومعناه : أخبروني ، ويروى : " أرأيتكم " بالكاف والميم لا محل لهما من الإعراب ، قوله : " لو أن نهرا " قال الطيبي : لفظ لو يقتضي أن يدخل على الفعل وأن يجاب ، لكنه وضع الاستفهام موضعه تأكيدا أو تقريرا ، والتقدير : لو ثبت نهر صفته كذا لما بقي كذا ، والنهر بفتح الهاء وسكونها : ما بين جنبي الوادي ، سمي بذلك لسعته ، وكذلك سمي النهار لسعة ضوئه ، قوله : " ما تقول " ، أي : أيها السامع ، وفي رواية مسلم : ما تقولون ، قوله : " ذلك " إشارة إلى الاغتسال . وقال ابن مالك : فيه شاهد على إجراء فعل القول مجرى فعل الظن والشرط فيه أن يكون فعلا مضارعا مسندا إلى المخاطب متصلا بالاستفهام ، كما في هذا الحديث ، ولغة سليم إجراء فعل القول مجرى الظن بلا شرط فيجوز على لغتهم أن يقال : قلت زيدا منطلقا ونحوه ، وقوله : ( ما تقول ) كلمة ما الاستفهامية في موضع نصب بلفظ يبقى وقدم ؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام ، والتقدير : أي شيء تظن ذلك الاغتسال مبقيا من درنه ، وتقول يقتضي مفعولين أحدهما هو قوله : ( ذلك ) ، والآخر وهو المفعول الثاني قوله : ( يبقي ) وهو بضم الياء من الإبقاء ، قوله : ( من درنه ) بفتح الدال والراء ، وهو الوسخ ، قوله : ( شيئا ) منصوب ؛ لأنه مفعول لا يبقي بضم الياء أيضا وكسر القاف ، وفي رواية مسلم : " لا يبقى من درنه شيء " فشيء مرفوع ؛ لأنه فاعل ، قوله : ( لا يبقى ) بفتح الياء والقاف ، قوله : ( فكذلك ) الفاء فيه جواب شرط محذوف ، أي : إذا أقررتم ذلك وصح عندكم فهو مثل الصلوات ، وفائدة التمثيل التقييد ، وجعل المعقول كالمحسوس . وقال ابن العربي : وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه ويطهره الماء الكثير ، فكذلك الصلوات تطهر العبد من أقذار الذنوب حتى لا تبقي له ذنبا إلا أسقطته وكفرته ، فإن قلت : ظاهر الحديث يتناول الصغائر والكبائر ؛ لأن لفظ الخطايا يطلق عليها . قلت : روى مسلم من حديث العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، مرفوعا : " الصلوات الخمس كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر " . قال ابن بطال : يؤخذ من الحديث أن المراد الصغائر خاصة ؛ لأنه شبه الخطايا بالدرن ، والدرن صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه من القروح والجراحات ، فإن قلت : لم لا يجوز أن يكون المراد بالدرن الحب ، ( قلت ) : لا بل المراد به الوسخ ؛ لأنه هو الذي يناسبه التنظيف والتطهير ويؤيد ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " أرأيت لو أن رجلا كان له معتمل وبين منزله ومعتمله خمسة أنهار فإذا انطلق إلى معتمله عمل ما شاء الله ، فأصابه وسخ أو عرق فكلما مر بنهر اغتسل منه " الحديث . رواه البزار والطبراني بإسناد لا بأس به من طريق عطاء بن يسار عنه ، فإن قلت : الصغائر مكفرة بنص القرآن باجتناب الكبائر ، فما الذي تكفره الصلوات الخمس ، ( قلت ) : لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس ، فإذا لم يفعلها لم يكن مجتنبا للكبائر ؛ لأن تركها من الكبائر فيتوقف التكفير على فعلها ، قوله : ( بها ) ، أي : بالصلوات ويروى به بتذكير الضمير ، أي : بأداء الصلوات .