25 - بَاب لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ ، وَقَدْرِ مَا يَجُوزُ مِنْهُ 5828 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ قال : أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ بِأَذْرَبِيجَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا ، وَأَشَارَ بِأصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَ . قَالَ فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي الْأَعْلَامَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ ، وَقَدْرِ مَا يَجُوزُ مِنْهُ ) أَيْ فِي بَعْضِ الثِّيَابِ . وَوَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ بَطَّالٍ وَ مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ زِيَادَةُ افْتِرَاشِهِ فِي التَّرْجَمَةِ ، وَالْأَوْلَى مَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقَدْ تَرْجَمَ لِلِافْتِرَاشِ مُسْتَقِلًّا كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ . وَالْحَرِيرُ مَعْرُوفٌ ، وَهُوَ عَرَبِيٌّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوصِهِ يُقَالُ لِكُلِّ خَالِصٍ مُحَرَّرٌ ، وَحَرَّرْتُ الشَّيْءَ خَلَّصْتُهُ مِنَ الِاخْتِلَاطِ بِغَيْرِهِ . وَقِيلَ : هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ ، وَالتَّقْيِيدُ بِالرِّجَالِ يُخْرِجُ النِّسَاءَ ، وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اخْتُلِفَ فِي الْحَرِيرِ فَقَالَ قَوْمٌ : يَحْرُمُ لُبْسُهُ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ حَتَّى عَلَى النِّسَاءِ ، نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَقَالَ قَوْمٌ : يَجُوزُ لُبْسُهُ مُطْلَقًا وَحَمَلُوا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ لُبْسِهِ عَلَى مَنْ لَبِسَهُ خُيَلَاءَ أَوْ عَلَى التَّنْزِيهِ . قُلْتُ : وَهَذَا الثَّانِي سَاقِطٌ لِثُبُوتِ الْوَعِيدِ عَلَى لُبْسِهِ . وَأَمَّا قَوْلُ عِيَاضٍ : حَمَلَ بَعْضُهُمُ النَّهْيَ الْعَامَّ فِي ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ ، فَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ : قَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : إِنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ بَعْدَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ وَإِبَاحَتِهِ لِلنِّسَاءِ ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ أَلَا لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمُ الْحَرِيرَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْآتِيَ فِي الْبَابِ ، قَالَ : فَإِثْبَاتُ قَوْلٍ بِالْكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ إِمَّا أَنْ يَنْقُضَ مَا نَقَلَهُ الْإِجْمَاعِ وَإِمَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ الْحُكْمَ الْعَامَّ قَبْلَ التَّحْرِيمِ عَلَى الرِّجَالِ كَانَ هُوَ الْكَرَاهَةَ ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى التَّحْرِيمِ عَلَى الرِّجَالِ وَالْإِبَاحَةِ لِلنِّسَاءِ ، وَمُقْتَضَاهُ نَسْخُ الْكَرَاهَةِ السَّابِقَةِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا . وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَقِيَ عُمَرُ ، عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَنَهَاهُ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ فَقَالَ : لَوْ أَطَعْتَنَا لَلَبِسْتَهُ مَعَنَا ، وَهُوَ يَضْحَكُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَهِمَ مِنْ إِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ نَسْخَ التَّحْرِيمِ وَلَمْ يَرَ تَقْيِيدَ الْإِبَاحَةِ بِالْحَاجَةِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ عَلَى رَأْيَيْنِ مَشْهُورَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ ، وَالثَّانِي : لِكَوْنِهِ ثَوْبَ رَفَاهِيَةٍ وزينة فَيَلِيقُ بِزِيِّ النِّسَاءِ دُونَ شَهَامَةِ الرِّجَالِ . وَيَحْتَمِلُ عِلَّةً ثَالِثَةً وَهِيَ التَّشَبُّهُ بِالْمُشْرِكِينَ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهَذَا قَدْ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مِنْ سِمَةِ الْمُشْرِكِينَ ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْنَيَانِ مُعْتَبَرَيْنِ إِلَّا أَنَّ الْمَعْنَى الثَّانِيَ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْأُمِّ : وَلَا أَكْرَهُ لِبَاسَ اللُّؤْلُؤِ إِلَّا لِلْأَدَبِ فَإِنَّهُ زِيُّ النِّسَاءِ . وَاسْتَشْكَلَ بِثُبُوتِ اللَّعْنِ لِلْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مَنْعَ مَا كَانَ مَخْصُوصًا بِالنِّسَاءِ فِي جِنْسِهِ وَهَيْئَتِهِ . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ عِلَّةً أُخْرَى وَهِيَ السَّرَفُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ عُمَرَ ذَكَرَهُ مِنْ طُرُقٍ : الْأُولَى : قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ قَالَ : أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ ) كَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ وَشَذَّ عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ فَقَالَ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ عُثْمَانَ فَذَكَرَ الْمَرْفُوعَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَأَشَارَ إِلَى تَفَرُّدِهِ بِهِ ، فَلَوْ كَانَ ضَابِطًا لَقُلْنَا سَمِعَهُ أَبُو عُثْمَانَ مِنْ كِتَابِ عُمَرَ ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، لَكِنْ طُرُقُ الْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَنْ عُمَرَ لَا عَنْ عُثْمَانَ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ عُمَرَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكِتَابَةِ إِلَيْهِ هُوَ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ ، وَأَبُو عُثْمَانَ سَمِعَ الْكِتَابَ يُقْرَأُ ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ رِوَايَتُهُ لَهُ عَنْ عُمَرَ بِطَرِيقِ الْوِجَادَةِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةِ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ وَهُوَ عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ عُتْبَةَ ، وَقَدْ نَبَّهَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَصْلٌ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابَةِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ، قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنِ اسْتَدْرَكَهُ عَلَيْهِمَا ، وَفِي ذَلِكَ رُجُوعٌ مِنْهُ عَنِ الِاسْتِدْرَاكِ عَلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ ) صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ سُمِّيَ أَبُوهُ بِاسْمِ النَّجْمِ ، وَاسْمُ جَدِّهِ يَرْبُوعُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ مَالِكٍ السُّلَمِيُّ ، وَيُقَالُ : إِنَّ يَرْبُوعَ هُوَ فَرْقَدٌ وَإنَّهُ لَقَبٌ لَهُ ، وَكَانَ عُتْبَةُ أَمِيرًا لِعُمَرَ فِي فُتُوحِ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ . قَوْلُهُ : ( بِأَذْرَبِيجَانَ ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ ، وَذَكَرَ الْمُعَافَى فِي تَارِيخِ الْمَوْصِلِ أَنَّ عُتْبَةَ هُوَ الَّذِي افْتَتَحَهَا سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ . وَرَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ أُمِّ عَاصِمٍ امْرَأَةِ عُتْبَةَ أَنَّ عُتْبَةَ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَتَيْنِ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُعَافَى إِنَّهُ شَهِدَ خَيْبَرَ وَقَسَمَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا فَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ حُنَيْنٌ ، ورُوِّينَا فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ لِلطَبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ عَاصِمٍ امْرَأَةِ عُتْبَةَ عَنْ عُتْبَةَ قَالَ : أَخَذَنِي الشَّرَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَأَمَرَنِي فَتَجَرَّدْتُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى بَطْنِي وَظَهْرِي فَعَبِقَ بِي الطِّيبُ مِنْ يَوْمئِذٍ قَالَتْ أُمُّ عَاصِمٍ : كُنَّا عِنْدَهُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ فَكُنَّا نَجْتَهِدُ فِي الطِّيبِ وَمَا كَانَ هُوَ يَمَسُّهُ وَإِنَّهُ كَانَ لَأَطْيَبَنَا رِيحًا . قَوْلُهُ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ ، عَنْ شُعْبَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ أَمَّا بَعْدُ فَاتَّزِرُوا وَارْتَدُوا وَانْتَعِلُوا وَأَلْقُوا الْخِفَافَ وَالسَّرَاوِيلَاتِ ، وَعَلَيْكُمْ بِلِبَاسِ أَبِيكُمْ إِسْمَاعِيلَ ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ الْعَجَمِ ، وَعَلَيْكُمْ بِالشَّمْسِ فَإِنَّهَا حَمَّامُ الْعَرَبِ ، وَتَمَعْدَدُوا وَاخْشَوْشِنُوا وَاخْلَوْلَقُوا وَاقْطَعُوا الرَّكْبَ وَانْزُوا نَزْوًا وَارْمُوا الْأَغْرَاضَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( نَهَى عَنِ الْحَرِيرِ ) أَيْ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا هَكَذَا ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : وَهَكَذَا . قَوْلُهُ : ( وَأَشَارَ بِأصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَ ) الْمُشِيرُ بِذَلِكَ يَأْتِي فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَأُبَيِّنُهُ . قَوْلُهُ : اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَ يَعْنِي السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ . قَوْلُهُ : ( فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي الْأَعْلَامَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ عَلَمٍ بِالتَّحْرِيكِ أَيِ الَّذِي حَصَلَ فِي عَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْتَثْنَى الْأَعْلَامُ وَهُوَ مَا يَكُونُ فِي الثِّيَابِ مِنْ تَطْرِيفٍ وَتَطْرِيزٍ وَنَحْوِهِمَا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ فَمَا بِفَتْحِ الْفَاءِ بَعْدَهَا حَرْفُ نَفْيٍ عَتَّمْنَا بِمُثَنَّاةٍ بَدَلَ اللَّامِ أَيْ مَا أَبْطَأْنَا فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لِمَا سَمِعْنَاهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدة : الْعَاتِمُ الْبَطِيءُ ، يُقَالُ : عَتَّمَ الرَّجُلُ الْقِرَى إِذَا أَخَّرَهُ . الطَّرِيقُ الثَّانِيةُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ وَقَدْرِ مَا يَجُوزُ مِنْهُ · ص 295 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه · ص 8 ( باب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه ) أي هذا باب في بيان حكم لبس الحرير . وفي بيان حكم افتراشه . قوله : " للرجال " يتعلق بالاثنين جميعا ، وهو قيد يُخرج النساء . قوله : " وقدر " أي في بيان قدر ما يجوز استعماله للرجال . قوله : " منه " أي من الحرير ، ولم يذكر في ( شرح ابن بطال ) زيادة افتراشه ؛ لأنه ترجم للافتراش مستقلا كما سيأتي بعد أبواب . والحرير معروف ، وهو عربي ؛ وسمي بذلك لخلوصه ، يقال لكل خالص : محرر ، وحررت الشيء خلصته من الاختلاط بغيره . وقيل : هو فارسي معرب . 45 - حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا قتادة قال : سمعت أبا عثمان النهدي قال : أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان : أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الحرير إلا هكذا ، وأشار بإصبعيه اللتي تليان الإبهام ، قال : فيما علمنا أنه يعني الأعلام . مطابقته للترجمة ظاهرة . وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي بفتح النون وسكون الهاء . وعتبة - بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة - ابن فرقد - بفتح الفاء وسكون الراء وفتح القاف وبالدال المهملة - السلمي ، أبو عبد الله ، قال أبو عمر : له صحبة ورؤية ، وكان أميرا لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على بعض فتوحات العراق . وروى شعبة عن حصين ، عن امرأة عتبة بن فرقد أن عتبة غزا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غزوتين . والحديث أخرجه البخاري أيضا عن أحمد بن يونس ، وعن مسدد ، وعن الحسن بن عمر في هذا الباب ، عن كلهم . وأخرجه مسلم أيضا في اللباس ، عن أحمد بن يونس ، وعن جماعة آخرين . وأخرجه أبو داود فيه ، عن موسى بن إسماعيل . وأخرجه النسائي في الزينة ، عن إسحاق بن إبراهيم وغيره . وأخرجه ابن ماجه في الجهاد ، وفي اللباس ، عن أبي بكر بن أبي شيبة . وأذربيجان هو الإقليم المعروف ، وقال الكرماني : ما وراء العراق . قلت : ليس كذلك ، بل العراق جنوبيها عند ظهر حلوان وشيء من حدود الجزيرة ، وشماليها جبال العقيق ، وغربيها حدود بلاد الروم وشيء من الجزيرة ، وشرقيها بلاد الجيل ، وتمامه بلاد الديلم ، وهي اسم لبلاد تبريز ، وتبريز أجل مدنها . وهي بفتح الألف المقصورة وسكون الذال المعجمة وكسر الراء والباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الجيم ثم ألف ونون . وقال الكرماني : وأهلها يقولون بفتح الهمزة والمد وفتح المعجمة وإسكان الراء وفتح الموحدة وبالألف وبالجيم والألف والنون . وضبطه المحدثون بوجهين ؛ بفتح الهمزة بغير المد وإسكان المعجمة وفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتانية ، وبمد الهمزة وفتح المعجمة . قلت : العمدة في ذلك على ضبط أهلها . وقال النووي : هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على البخاري ، وقال : لم يسمعه أبو عثمان من عمر رضي الله عنه ، بل أخبر عن كتابه ، وهذا الاستدراك باطل ؛ فإن الصحيح جواز العمل بالكتاب وروايته عنه ، وذلك معدود عندهم في المتصل ، وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكتب إلى أمرائه وعماله ويفعلون ما فيها ، وكتب عمر إلى عتبة بن فرقد وفي الجيش خلائق من الصحابة ، فدل على حصول الاتفاق منهم ، وأبو عثمان هذا أسلم على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصدق إليه ، ولم يلقه . وروى عن جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وابن عباس وعائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهم . قوله : " نهى عن الحرير " أي لبس الحرير . قوله : " وأشار " أي النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قوله : " اللتين تليان الإبهام " يعني السبابة والوسطى ، وصرح بذلك في رواية عاصم . قوله : " قال فيما علمنا " أي قال أبو عثمان : حصل في علمنا أنه يريد بالمستثنى الأعلام - بفتح الهمزة جمع علم - وهو ما يجوزه الفقهاء من التطريف والتطريز ونحوهما ، ووقع في رواية مسلم والإسماعيلي : قال أبو عثمان : فيما عتمنا أنه يعني الأعلام . وعتمنا بفتح العين المهملة والتاء المثناة من فوق ، يقال : عتم إذا أبطأ وتأخر ، يعني ما أبطأنا في معرفة أنه أراد به الأعلام التي في الثياب . واختلفوا في الحكمة في تحريم الحرير على الرجل ، فقيل : السرف . وقيل : الخيلاء . وقيل : للتشبه بالنساء ، وحكى ابن دقيق العيد عن بعضهم أن تعليل التحريم التشبه بالكفار ، ويدل عليه قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث : " هو لهم في الدنيا ولنا في الآخرة " وقال ابن العربي : والذي يصح من ذلك ما هو فيه السرف ، وقال شيخنا : السرف منهي عنه في حق الرجال والنساء ، وإنما هو من زينة النساء ، وقد أذن للنساء في التزين ، ونهى الرجال عن التشبه بهن ، ولعن الشارع الرجال المتشبهين بالنساء ، وهذا الحديث حجة للجمهور بأن الحرير حرام على الرجال ، وقال النووي : الإجماع انعقد على ذلك . وحكى القاضي أبو بكر بن العربي في المسألة عشرة أقوال : الأول : أنه حرام على الرجال والنساء ، وهو قول عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما . الثاني : أنه حلال للجميع . الثالث : حرام إلا في الحرب . الرابع : أنه حرام إلا في السفر . الخامس : أنه حرام إلا في المرض . السادس : أنه حرام إلا في الغزو . السابع : أنه حرام إلا في العلم . الثامن : أنه حرام في الأعلى دون الأسفل ، أي افتراشه . التاسع : أنه حرام وإن خلط بغيره . العاشر : أنه حرام إلا في الصلاة عند عدم غيره . وفيه حجة على إباحة قدر الإصبعين في الأعلام ، ولكن وقع عند أبي داود من طريق حماد بن سلمة ، عن عاصم الأحول في هذا الحديث أن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الحرير إلا ما كان هكذا وهكذا ، إصبعين وثلاثة وأربعة . وروى مسلم من حديث سويد بن غفلة - بفتح الغين المعجمة والفاء واللام الخفيفتين – " أن عمر رضي الله تعالى عنه خطب ، فقال : نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثا أو أربعا " وكلمة أو هنا للتنويع ، والتخيير . وأخرجه ابن أبي شيبة من هذا الوجه بلفظ : " إن الحرير لا يصلح منه إلا هكذا وهكذا وهكذا " يعني إصبعين وثلاثا وأربعا ، وقال شيخنا : في حديث عمر رضي الله تعالى عنه حجة لما قاله أصحابنا من أنه لا يرخص في التطريز ، والعلم في الثوب إذا زاد على أربعة أصابع ، وأنه تجوز الأربعة فما دونها . وممن ذكره من أصحابنا البغوي في ( التهذيب ) وتبعه الرافعي ، والنووي . انتهى . وذكر الزاهدي من أصحابنا الحنفية أن العمامة إذا كانت طرتها قدر أربع أصابع من إبريسم بأصابع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وذلك قيس شبرنا يرخص فيه ، والأصابع لا مضمومة كل الضم ، ولا منشورة كل النشر . وقيل : أربع أصابع كما هي على هيئتها . وقيل : أربع أصابع منشورة . وقيل : التحرز عن مقدار المنشورة أولى . والعلم في مواضع قال بعضهم : يجمع ، وقيل : لا يجمع . وإذا كان نظره إلى الثلج يضره فلا بأس أن يشد على عينيه خمارا أسود من إبريسم ، قال : وفي العين الرمدة أولى . وقيل : لا يجوز ، وعن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه لا بأس بالعلم من الفضة في العمامة قدر أربع أصابع ويكره من الذهب . وقيل : لا يكره ، والذهب المنسوج في العلم كذلك ، وعن محمد لا يجوز . وفي ( جامع مختصر ) الشيخ أبي محمد قيل لمالك : ملاحف أعلامها حرير قدر إصبعين ؟ قال : لا أحبه ، وما أراه حراما .