5868 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اصْطَنَعُوا الْخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ وَلَبِسُوهَا ، فَطَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمَهُ ، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ . تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَزِيَادٌ وَشُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ مُسَافِرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ : أَرَى خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ . الحديث الثاني ، قَوْلُهُ : ( يُونُسُ ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ . قَوْلُهُ : ( إِنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا ، وَإنَّ النَّاسَ اصْطَنَعُوا الْخَوَاتِيمَ مِنْ وَرِقٍ فَلَبِسُوهَا ، فَطَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمَهُ ، فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ ) هَكَذَا رَوَى الْحَدِيثَ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَخْرِيجِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَنُسِبَ فِيهِ إِلَى الْغَلَطِ ، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ الْخَاتَمَ الَّذِي طَرَحَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَبَبِ اتِّخَاذِ النَّاسِ مِثْلَهُ إِنَّمَا هُوَ خَاتَمُ الذَّهَبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ : قَالَ جَمِيعُ أَهْلِ الْحَدِيثِ هَذَا وَهْمٌ مِنَ ابْنِ شِهَابٍ لِأَنَّ الْمَطْرُوحَ مَا كَانَ إِلَّا خَاتَمَ الذَّهَبِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ كَمَا سَيَأْتِي . قُلْتُ : وَحَاصِلُ الْأَجْوِبَةِ ثَلَاثَةٌ : أَحَدُهَا قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ : إِنْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ مَحْفُوظًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ أَنَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ عَلَى لَوْنٍ مِنَ الْأَلْوَانِ وَكَرِهَ أَنْ يَتَّخِذَ غَيْرُهُ مِثْلَهُ ، فَلَمَّا اتَّخَذُوهُ رَمَى بِهِ حَتَّى رَمَوْا بِهِ ثُمَّ اتَّخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا اتَّخَذَهُ وَنَقَشَ عَلَيْهِ مَا نُقِشَ لِيَخْتِمَ بِهِ ، ثَانِيهَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا أَنَّهُ اتَّخَذَهُ زِينَةً فَلَمَّا تَبِعَهُ النَّاسُ فِيهِ رَمَى بِهِ ، فَلَمَّا احْتَاجَ إِلَى الْخَتْمِ اتَّخَذَهُ لِيَخْتِمَ بِهِ ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بَعْدَ أَنْ حَكَى قَوْلَ الْمُهَلَّبِ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مُتَكَلِّفٌ ، قَالَ : وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوهَا لِلزِّينَةِ فَطَرَحَ خَاتَمَهُ لِيَطْرَحُوا ، ثُمَّ لَبِسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ إِلَى الْخَتْمِ بِهِ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي جَوَابُ الْبَيْهَقِيِّ عَنْ ذَلِكَ فِي بَابِ اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ . ثَالِثُهَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : خَالَفَ ابْنُ شِهَابٍ رِوَايَةَ قَتَادَةَ ، وَثَابِتٍ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ فِي كَوْنِ الْخَاتَمِ الْفِضَّةِ اسْتَقَرَّ فِي يَدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْتِمُ بِهِ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ لِلْجَمَاعَةِ ، وَإِنْ وَهِمَ الزُّهْرِيُّ فِيهِ ، لَكِنْ قَالَ الْمُهَلَّبُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُتَأَوَّلَ لِابْنِ شِهَابٍ مَا يَنْفِي عَنْهُ الْوَهْمَ وَإِنْ كَانَ الْوَهْمُ أَظْهَرَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا عَزَمَ عَلَى إِطْرَاحِ خَاتَمِ الذَّهَبِ اصْطَنَعَ خَاتَمَ الْفِضَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَغْنِي عَنِ الْخَتْمِ عَلَى الْكُتُبِ إِلَى الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَمَرَاءِ السَّرَايَا وَالْعُمَّالِ ، فَلَمَّا لَبِسَ خَاتَمَ الْفِضَّةِ أَرَادَ النَّاسُ أَنْ يَصْطَنِعُوا مِثْلَهُ فَطَرَحَ عِنْدَ ذَلِكَ خَاتَمَ الذَّهَبِ فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ الذَّهَبِ ، قُلْتُ : وَلَا يَخْفَى وَهْيُ هَذَا الْجَوَابُ ، وَالَّذِي قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَقْرَبُ مَعَ أَنَّهُ يَخْدِشُ فِيهِ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ اتِّخَاذَ الْوَرِقِ مَرَّتَيْنِ . وَقَدْ نَقَلَ عِيَاضٌ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ بَطَّالٍ قَائِلًا : قَالَ بَعْضُهُمْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ لَمَّا عَزَمَ عَلَى تَحْرِيمِ خَاتَمِ الذَّهَبِ اتَّخَذَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فَلَمَّا لَبِسَهُ أَرَاهُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِيَعْلَمُوا إِبَاحَتَهُ ثُمَّ طَرَحَ خَاتَمَ الذَّهَبِ وَأَعْلَمَهُمْ تَحْرِيمَهُ فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ مِنَ الذَّهَبِ ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ فَطَرَحَ خَاتَمَهُ وَطَرَحُوا خَوَاتِيمَهُمْ أَيِ الَّتِي مِنَ الذَّهَبِ . وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَوْصُوفَ فِي قَوْلِهِ فَطَرَحَ خَاتَمَهُ فَطَرَحُوا خَوَاتِيمَهُمْ خَاتَمَ الذَّهَبِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ . قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا يُسَوِّغُ أَنْ لَوْ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ مُجْمَلَةً . ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ شِهَابٍ لَا تَحْتَمِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ ، فَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَارْتَضَى هَذَا التَّأْوِيلَ وَقَالَ : هَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَمْنَعُهُ ، قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهُ فَصَنَعَ النَّاسُ الْخَوَاتِيمَ مِنَ الْوَرِقِ فَلَبِسُوهَا ثُمَّ قَالَ فَطَرَحَ خَاتَمَهُ فَطَرَحُوا خَوَاتِيمَهُمْ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرِيدُ أَنْ يَصْطَنِعَ لِنَفْسِهِ خَاتَمَ فِضَّةٍ اصْطَنَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ خَوَاتِيمَ الْفِضَّةِ وَبَقِيَتْ مَعَهُمْ خَوَاتِيمُ الذَّهَبِ كَمَا بَقِيَ مَعَهُ خَاتَمُهُ إِلَى أَنِ اسْتَبْدَلَ خَاتَمَ الْفِضَّةِ وَطَرَحَ خَاتَمَ الذَّهَبِ فَاسْتَبْدَلُوا وَطَرَحُوا ، ا هـ . وَأَيَّدَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَاتَمَ الْمَطْرُوحَ كَانَ مِنْ وَرِقٍ بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ ، فَيُحْمَلُ عَلَى خَاتَمِ الذَّهَبِ أَوْ عَلَى مَا نُقِشَ عَلَيْهِ نَقْشُ خَاتَمِهِ ، قَالَ : وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ يَجُوزُ تَوْهِيمُ الرَّاوِي . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا رَابِعًا لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرٌ وَلَا زِيَادَةُ اتِّخَاذٍ وَهُوَ أَنَّهُ اتَّخَذَ خَاتَمَ الذَّهَبِ لِلزِّينَةِ فَلَمَّا تَتَابَعَ النَّاسُ فِيهِ وَافَقَ وُقُوعَ تَحْرِيمِهِ فَطَرَحَهُ وَلِذَلِكَ قَالَ : لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا ، وَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ تَبَعًا لَهُ ، وَصَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْ لُبْسِ خَاتَمِ الذَّهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ ، ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى الْخَاتَمِ لِأَجْلِ الْخَتْمِ بِهِ فَاتَّخَذَهُ مِنْ فِضَّةٍ وَنَقَشَ فِيهِ اسْمَهُ الْكَرِيمَ فَتَبِعَهُ النَّاسُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ فَرَمَى بِهِ حَتَّى رَمَى النَّاسُ تِلْكَ الْخَوَاتِيمَ الْمَنْقُوشَةَ عَلَى اسْمِهِ لِئَلَّا تَفُوتَ مَصْلَحَةُ نَقْشِ اسْمِهِ بِوُقُوعِ الِاشْتِرَاكِ ، فَلَمَّا عَدِمَتْ خَوَاتِيمُهُمْ بِرَمْيِهَا رَجَعَ إِلَى خَاتَمِهِ الْخَاصِّ بِهِ فَصَارَ يَخْتِمُ بِهِ ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي بَابِ الْخَاتَمِ فِي الْخِنْصَرِ إِنَّا اتَّخَذْنَا خَاتَمًا وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا فَلَا يَنْقُشُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ أَوْ بَعْضَ مَنْ بَلَغَهُ مِمَّنْ لَمْ يَرْسَخْ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانُ مِنْ مُنَافِقٍ وَنَحْوِهِ اتَّخَذُوا وَنَقَشُوا فَوَقَعَ مَا وَقَعَ ، وَيَكُونُ طَرْحُهُ لَهُ غَضَبًا مِمَّنْ تَشَبَّهَ بِهِ فِي ذَلِكَ النَّقْشِ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْكِرْمَانِيُّ مُخْتَصَرًا جِدًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَتِهِ أنَّهُ رَآهُ فِي يَدِهِ يَوْمًا لَا يُنَافِي ذَلِكَ ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ سُئِلَ أَنَسٌ هَلِ اتَّخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمًا ؟ قَالَ : أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ - إلى أن قال - فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ رَآهُ كَذَلِكَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَاسْتَمَرَّ فِي يَدِهِ بَقِيَّةَ يَوْمِهَا ثُمَّ طَرَحَهُ فِي آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ اتَّخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَلَبِسَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِنْ قُلْنَا إِنَّ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ خَاتَمٌ مِنْ وَرِقٍ سَهْوٌ وَإِنَّ الصَّوَابَ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَوْلُهُ يَوْمًا وَاحِدًا ظَرْفٌ لِرُؤْيَةِ أَنَسٍ لَا لِمُدَّةِ اللُّبْسِ ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ظَرْفٌ لِمُدَّةِ اللُّبْسِ ، وَإِنْ قُلْنَا أَنْ لَا وَهْمَ فِيهَا وَجَمَعْنَا بِمَا تَقَدَّمَ فَمُدَّةُ لُبْسِ خَاتَمِ الذَّهَبِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا ، وَمُدَّةُ لُبْسِ خَاتَمِ الْوَرِقِ الْأَوَّلِ كَانَتْ يَوْمًا وَاحِدًا كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ثُمَّ لَمَّا رَمَى النَّاسُ الْخَوَاتِيمَ الَّتِي نَقَشُوهَا عَلَى نَقْشِهِ ، ثُمَّ عَادَ فَلَبِسَ خَاتَمَ الْفِضَّةِ وَاسْتَمَرَّ إِلَى أَنْ مَاتَ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَزِيَادٌ ، وَشُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ) أَمَّا مُتَابَعَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَهُوَ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِهِ بِمِثْلِ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ لَا مُخَالَفَةَ إِلَّا فِي بَعْضِ لَفْظٍ ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ زِيَادٍ - وَهُوَ ابْنُ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ ثُمَّ الْيَمَنِ - فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ أَيْضًا وَأَشَارَ إِلَيْهَا أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَلَفْظُهُ عَنْهُ كَذَلِكَ لَكِنْ قَالَ اضْطَرَبُوا وَاصْطَنَعُوا . وَأَمَّا مُتَابَعَةُ شُعَيْبٍ فَوَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ كَذَلِكَ وَأَشَارَ إِلَيْهَا أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ مُسَافِرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَرَى خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ) هَذَا التَّعْلِيقُ لَمْ أَرَهُ فِي أَصْلٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ ثَابِتٌ لِلْبَاقِينَ إِلَّا النَّسَفِيَّ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا ، وَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عُفَيْرٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنِ ابْنِ مُسَافِرٍ - وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسٍ كَذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظٌ أَرَى فَكَأَنَّهَا مِنَ الْبُخَارِيِّ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : رَوَاهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَذَلِكَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْهُمَا قَالَ مِثْلَ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ . وَفِي حَدِيثَيِ الْبَابِ مُبَادَرَةُ الصَّحَابَةِ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَهْمَا أَقَرَّ عَلَيْهِ اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ وَمَهْمَا أَنْكَرَهُ امْتَنَعُوا مِنْهُ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُورَثُ وَإِلَّا لَدُفِعَ خَاتَمُهُ لِلْوَرَثَةِ ، كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْخَاتَمُ اتُّخِذَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ فَانْتَقَلَ لِلْإِمَامِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِيمَا صُنِعَ لَهُ . وَفِيهِ حِفْظُ الْخَاتَمِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ إِذَا نَزَعَهُ الْكَبِيرُ مِنْ إصْبَعِهِ . وَفِيهِ أَنَّ يَسِيرَ الْمَالِ إِذَا ضَاعَ لَا يُهْمَلُ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مِنْ أَثَرِ أَهْلِ الْخَيْرِ ، وَفِيهِ بَحْثٌ سَيَأْتِي ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَبَثَ الْيَسِيرَ بِالشَّيْءِ حَالَ التَّفَكُّرِ لَا عَيْبَ فِيهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب خَاتَمِ الْفِضَّةِ · ص 332 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب · ص 31 85 - حدثني يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب قال : حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه أنه رأى في يد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاتما من ورق يوما واحدا ، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ، ولبسوها ، فطرح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاتمه ، فطرح الناس خواتيمهم . مطابقته لترجمة باب خاتم الفضة ظاهرة ، والباب المجرد لا عمدة عليه . ورواة هذا الحديث على الترتيب المذكور قد مضوا غير مرة . والحديث أخرجه مسلم في اللباس أيضا ، عن محمد بن عبد الله بن نمير نحو رواية البخاري في المتن . قوله : فطرح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاتمه قيل : لم طرح الخاتم الذي من ورق وهو حلال ؟ قال النووي ناقلا عن عياض : قال جميع أهل الحديث : هذا وهم من ابن شهاب ؛ لأن المطروح ما كان إلا خاتم الذهب ، ومنهم من تأوله ، ولفق بينه وبين سائر الروايات ، وقال : الضمير راجع إلى خاتم الذهب ، يعني لما أراد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تحريم خاتم الذهب اتخذ خاتم فضة فهم أيضا اصطنعوا لأنفسهم خواتم فضة فبعد ذلك طرح خاتم الذهب واستبدل الفضة ، فطرحوا الذهب واستبدلوا الفضة ، وقال الكرماني : ليس في الحديث أن الختم المطروح كان من الورق ، بل هو مطلق فيحمل على خاتم من ذهب ، وقد طول بعضهم هنا . وذكر كلاما كثيرا . وفيما ذكرنا كفاية ، والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب · ص 32 تابعه إبراهيم بن سعد وزياد وشعيب ، عن الزهري . وقال ابن مسافر ، عن الزهري : أرى خاتما من ورق . أي تابع يونس إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وكذا تابعه زياد - بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف - ابن سعد الخراساني نزيل مكة ، ثم اليمن مات بها ، وكذا تابعه شعيب بن أبي حمزة الحمصي في روايته عن محمد بن مسلم الزهري ، أما متابعة إبراهيم فوصلها مسلم ، حدثنا أبو عمران محمد بن جعفر بن زياد ، أخبرنا إبراهيم ، يعني ابن سعد ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك أنه أبصر في يد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاتما من ورق يوما واحدا ، فصنع الناس الخواتيم من ورق ، فلبسوه ، فطرح النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاتمه ، فطرح الناس خواتيمهم . وأما متابعة زياد فوصلها أيضا مسلم ، حدثني محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا روح ، حدثنا ابن جريج ، أخبرني زياد أن ابن شهاب أخبره أن أنس بن مالك أخبره أنه رأى في يد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاتما من ورق يوما واحدا ، الحديث ، نحو المذكور ، غير أن فيه اضطربوا بدل اصطنعوا . وأما متابعة شعيب فوصلها الإسماعيلي ، عن الفضل بن عبد الله ، حدثنا عمرو بن عثمان ، حدثنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة ، حدثني أبي ، عن الزهري . قوله : وقال ابن مسافر هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر أبو خالد الفهمي المصري واليها ، مولى الليث من أفراد البخاري ، وحديثه رواه الإسماعيلي عن إبراهيم بن موسى أخبرنا أبو الأحوص ، حدثنا ابن عفير ، حدثنا الليث عنه ، وليس فيه لفظ أرى ، قيل : كأنه من البخاري .