10 - بَاب الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ 539 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ مَوْلَى لِبَنِي تَيْمِ اللَّهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبْرِدْ . ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ : أَبْرِدْ . حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَتَفَيَّأُ يتَمَيَّلُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ ) أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْإِبْرَادَ لَا يَخْتَصُّ بِالْحَضَرِ ، لَكِنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الْمُسَافِرُ نَازِلًا ، أَمَّا إِذَا كَانَ سَائِرًا أَوْ عَلَى سَيْرٍ فَفِيهِ جَمْعُ التَّقْدِيمِ أَوِ التَّأْخِيرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ . وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ الْمَاضِيَ مُقَيَّدًا بِالسَّفَرِ ، مُشِيرًا بِهِ إِلَى أَنَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ الْمُطْلَقَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى هَذِهِ الْمُقَيَّدَةِ . قَوْلُهُ : ( فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ شَبَابَةَ ، وَمُسَدَّدٍ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدٍ ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، وَأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ ، وَوَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ ، وَالطَّحَاوِيِّ ، وَالْجَوْزَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَهْبٍ أَيْضًا ، كُلِّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ بِلَالٌ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ أَبْرِدْ ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ ، عَنْ شُعْبَةَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَجَزَمَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ شُعْبَةَ بِذِكْرِ الثَّالِثَةِ ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْأَذَانِ لِلْمُسَافِرِينَ فَإِنْ قِيلَ : الْإِبْرَادُ لِلصَّلَاةِ فَكَيْفَ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ بِهِ لِلْأَذَانِ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ هَلْ هُوَ لِلْوَقْتِ أَوْ لِلصَّلَاةِ ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ ، وَالْأَمْرُ الْمَذْكُورُ يُقَوِّي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لِلصَّلَاةِ . وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ عَادَتَهُمْ جَرَتْ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَخَلَّفُونَ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ عَنِ الْحُضُورِ إِلَى الْجَمَاعَةِ ، فَالْإِبْرَادُ بِالْأَذَانِ لِغَرَضِ الْإِبْرَادِ بِالْعِبَادَةِ ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْذِينِ هُنَا الْإِقَامَةُ . قُلْتُ : وَيَشْهَدُ لَهُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ ، لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُؤَذِّنَ ، وَفِيهِ : ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إِقَامَتَهُ كَانَتْ لَا تَتَخَلَّفُ عَنِ الْأَذَانِ لِمُحَافَظَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، فَرِوَايَةُ : فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ أَيْ أَنْ يُؤَذِّنَ ثُمَّ يُقِيمَ ، وَرِوَايَةُ : فَأَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ ؛ أَيْ : ثُمَّ يُقِيمَ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ ) هَذِهِ الْغَايَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ فَقَالَ لَهُ أَبْرِدْ أَيْ كَانَ يَقُولُ لَهُ فِي الزَّمَانِ الَّذِي قَبْلَ الرُّؤْيَةِ أَبْرِدْ ، أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَبْرِدْ أَيْ قَالَ لَهُ : أَبْرِدْ إِلَى أَنْ تَرَى ، أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ ؛ أَيْ : قَالَ لَهُ : أَبْرِدْ ، فَأَبْرَدَ إِلَى أَنْ رَأَيْنَا ، وَالْفَيْءُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ : هُوَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنَ الظِّلِّ ، وَالتُّلُولُ جَمْعُ تَلٍّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ : كُلُّ مَا اجْتَمَعَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ رَمْلٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَهِيَ فِي الْغَالِبِ مُنْبَطِحَةٌ غَيْرُ شَاخِصَةٍ فَلَا يَظْهَرُ لَهَا ظِلٌّ إِلَّا إِذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ وَقْتِ الظُّهْرِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي غَايَةِ الْإِبْرَادِ ، فَقِيلَ : حَتَّى يَصِيرَ الظِّلُّ ذِرَاعًا بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ ، وَقِيلَ : رُبُعَ قَامَةٍ ، وَقِيلَ ثُلُثَهَا ، وَقِيلَ نِصْفَهَا ، وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ . وَنَزَّلَهَا الْمَازِرِيُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ ، وَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَمْتَدَّ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَذَانِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَخَّرَهَا إِلَى أَنْ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَذِهِ الْمُسَاوَاةِ ظُهُورُ الظِّلِّ بِجَنْبِ التَّلِّ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا فَسَاوَاهُ فِي الظُّهُورِ لَا فِي الْمِقْدَارِ ، أَوْ يُقَالُ : قَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ فَلَعَلَّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا مَعَ الْعَصْرِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَتَفَيَّأُ : يَتَمَيَّلُ ) أَيْ قَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ مَعْنَاهُ يَتَمَيَّلُ ، كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْفَيْءَ سُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ ظِلٌّ مَائِلٌ مِنْ جِهَةٍ إِلَى أُخْرَى ، وَتَتَفَيَّأُ فِي رِوَايَتِنَا بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ أَيِ الظِّلَالُ ، وَقُرِئَ أَيْضًا بِالتَّحْتَانِيَّةِ ، أَيِ الشَّيْءُ ، وَالْقِرَاءَتَانِ شَهِيرَتَانِ . وَهَذَا التَّعْلِيقُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَكَرِيمَةَ ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ · ص 25 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الإبراد بالظهر في السفر · ص 72 10 - باب الإبراد بالظهر في السفر 539 - حدثنا آدم : ثنا شعبة : ثنا مهاجر أبو الحسن مولى لبني تيم الله ، قال : سمعت زيد بن وهب ، [عن أبي ذر] الغفاري ، قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر ، فقال له : أبرد ، ثم أراد أن يؤذن ، فقال له : أبرد ، حتى رأينا فيء التلول ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن شدة الحر من فيح جهنم ، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة . وقال ابن عباس : يَتَفَيَّأُ يتميل . مقصود البخاري بهذا الباب : أن الإبراد بالظهر مشروع في الحضر والسفر ، وسواء كان جماعة المصلين مجتمعين في مكان الصلاة أو كانوا غائبين . وقد استدل الترمذي في جامعه بهذا الحديث على أن الإبراد لا يختص بالمصلي في مسجد ينتابه الناس من البعد ، كما يقوله الشافعي ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هو وأصحابه مجتمعين في السفر ، وقد أبرد بالظهر . وقوله : حتى رأينا فيء التلول - يعني : حتى مالت الشمس وبعدت عن وسط السماء ، حتى ظهر للتلول فيء . والفيء هو الظل العائد بعد زواله ، فإن الشمس إذا طلعت كان للتلول ونحوها ظل مستطيل ، ثم يقصر حتى يتناهى قصره وقت قيام الشمس بالظهيرة ، ثم إذا زالت الشمس عاد الظل وأخذ في الطول ، فما كان قبل الزوال يسمى ظلا ، وما كان بعده يسمى فيئا ؛ لرجوع الظل بعد ذهابه ، ومنه سمي الفيء فيئا ، كأنه عاد إلى المسلمين ما كانوا أحق به ممن كان في يده . وقد حكى البخاري عن ابن عباس أنه فسر قوله : يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ يتميل . وفي حديث أبي ذر دليل على أن حد الإبراد إلى [أن] يظهر فيء التلول ونحوها . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم من حديث ابن مسعود ، قال : كان قدر صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصيف ثلاثة أقدام ، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام . وقد روي موقوفا على ابن مسعود ، وأنه قال في الصيف : ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام . قال بعض أصحابنا : وهذا يدل على أنه إلى الطرف الأول أقرب ، وهذا يشبه قول الشافعية : أنه لا يؤخر إلى النصف الآخر من الوقت ، وهو الصحيح . وقد تقدم عن سفيان ، أنه حكى عن بعض العلماء ، أنه عد التأخير إلى النصف الثاني تفريطا ، فظاهر حديث أبي ذر الذي خرجه البخاري يدل على أنه يشرع الإبراد بالأذان عند إرادة الإبراد بالصلاة ، فلا يؤذن إلا في وقت يصلَّى فيه ، فإذا أخرت الصلاة أخر الأذان معها ، وإن عجلت عجل الأذان . وقد وقع في كلام بعض أصحابنا ما يدل على أن من أخر الصلاة في السفر إلى آخر وقتها وهو سائر ، أنه يؤذن إذا نزل وأراد الصلاة ، وحملوا فعل ابن مسعود بالمزدلفة على ذلك ، إذا دخل وقت الثانية أذن لها . ويشهد لذلك : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة جمع لما غربت له الشمس بعرفة ، ودفع ، لم ينقل عنه أنه أذن للصلاة ، فلما قدم جمعا أذن وأقام وصلى . وهذا يدل على أن الصلاتين المجموعتين في وقت الثانية لا يؤذن لهما إلا عند صلاتهما في وقت الثانية ، فيكون الأذان للوقت الذي يصلي فيه لا للوقت الذي يجمع فيه . ولكن قد روى أبو داود الطيالسي هذا الحديث في مسنده ، عن شعبة - وخرجه من طريقه الترمذي - ، ولفظه : قال أبو ذر : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ومعه بلال ، فأراد أن يقيم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أبرد ، ثم أراد أن يقيم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أبرد في الظهر . قال : حتى رأينا فيء التلول ، ثم أقام فصلى ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن شدة الحر من فيح جهنم ، فأبردوا عن الصلاة . ففي هذه الرواية التصريح بأن الإبراد إنما كان بالإقامة ، والإقامة تسمى أذانا ، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - : بين كل أذانين صلاة ، ومراده : بين الأذان والإقامة . وقد خرجه البخاري في الباب الماضي ، ولفظه : أذن مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر ، فقال : أبرد ، أبرد - أو قال : انتظر ، انتظر . وهذا - أيضا - يدل على أنه إنما أخره بالإبراد والانتظار بعد أن أذن ، وهو دليل على أنه يؤذن في أول وقت الصلاة بكل حال ، سواء أبرد أو لم يبرد . ولكن إن أراد تأخيرها عن وقتها بالكلية حتى يصليها في وقت الثانية جمعا ، فإنه يؤخر الأذان إلى وقت الثانية . ويدل على هذا : ما خرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة ، قال : كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس ، فلا يقيم حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا خرج أقام حين يراه . وفي الأذان للمجموعتين في وقت الثانية خلاف يذكر في موضع آخر . ومتى فرق بين المجموعتين في وقت الثانية تفريقا كثيرا ، فقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا : تحتاج الثانية إلى أذان آخر . وقد روي عن ابن مسعود في جمعه بالمزدلفة ما يشهد له . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الإبراد بالظهر في السفر · ص 24 ( باب الإبراد بالظهر في السفر ) أي هذا باب في بيان الإبراد بصلاة الظهر في حالة السفر ، وأشار بهذا إلى أن الإبراد بالظهر لا يختص بالحضر . 16 - حدثنا آدم بن إياس ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثنا مهاجر أبو الحسن مولى لبني تيم الله ، قال : سمعت زيد بن وهب ، عن أبي ذر الغفاري ، قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر ، فقال : النبي - صلى الله عليه وسلم - : أبرد ، ثم أراد أن يؤذن ، فقال له : أبرد حتى رأينا فيء التلول ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن شدة الحر من فيح جهنم ، فإذا اشتد الحر ، فأبردوا بالصلاة . هذا الحديث مضى في الباب الذي قبله غير أن هناك أخرجه عن محمد بن بشار ، عن غندر ، عن شعبة ، وهاهنا ، عن آدم بن أبي إياس ، وهو من أفراد البخاري ، عن شعبة بن الحجاج ، وفي هذا من الزيادة ما ليست هناك فاعتبرها ، وهذا مقيد بالسفر ، وذلك مطلق ، وأشار بذلك إلى أن المطلق محمول على المقيد ؛ لأن المراد من الإبراد التسهيل ودفع المشقة ، فلا تفاوت بين السفر والحضر ، قوله : ( فأراد المؤذن ) ، وهو بلال ، وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة ، عن شبابة ومسدد ، عن أمية بن خالد والترمذي من طريق أبي داود الطيالسي وأبو عوانة من طريق حفص بن عمر ووهب بن جرير والطحاوي والجوزقي من طريق وهب أيضا ، كلهم عن شعبة التصريح بأنه بلال ، قوله : ( ثم أراد أن يؤذن فقال له أبرد ) وفي رواية أبي داود ، عن أبي الوليد ، عن شعبة : مرتين أو ثلاثا ، وفي رواية البخاري عن مسلم بن إبراهيم في باب الأذان للمسافرين في هذا الحديث : فأراد المؤذن أن يؤذن ، فقال له : أبرد ، ثم أراد أن يؤذن ، فقال له : أبرد ، ثم أراد أن يؤذن ، فقال له : أبرد حتى ساوى الظل التلول . وقال الكرماني : فإن قلت : الإبراد إنما هو في الصلاة لا في الأذان ، ( قلت ) : كانت عادتهم أنهم لا يتخلفون عند سماع الأذان عن الحضور إلى الجماعة ، فالإبراد بالأذان ، إنما هو لغرض الإبراد بالصلاة ، أو المراد بالتأذين الإقامة ، ( قلت ) : يشهد للجواب الثاني رواية الترمذي ، حيث قال : حدثنا محمود بن غيلان ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : أنبأنا شعبة ، عن مهاجر أبي الحسن ، عن زيد بن وهب ، عن أبي ذر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر ومعه بلال ، فأراد أن يقيم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أبرد ، ثم أراد أن يقيم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أبرد في الظهر ، قال : حتى رأينا فيء التلول ، ثم أقام فصلى ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن شدة الحر من فيح جهنم ، فأبردوا عن الصلاة ، قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، فإن قلت : في ( صحيح أبي عوانة ) من طريق حفص بن عمر ، عن شعبة ، فأراد بلال أن يؤذن بالظهر ، وفيه بعد قوله : ( فيء التلول ) ، ثم أمره ، فأذن وأقام ، ( قلت ) : التوفيق بينهما بأن إقامته ما كانت تتخلف عن الأذان ، فرواية الترمذي : فأراد أن يقيم ، يعني : بعد الأذان ، ورواية أبي عوانة ، فأراد بلال أن يؤذن ، يعني : أن يؤذن ، ثم يقيم . وقال الترمذي في ( جامعه ) : وقد اختار قوم من أهل العلم تأخير صلاة الظهر في شدة الحر ، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق . وقال الشافعي : إنما الإبراد بصلاة الظهر ، إذا كان مسجدا ينتاب أهله من البعد ، فأما المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه ، فالذي أحب له أن لا يؤخر الصلاة في شدة الحر ، قال أبو عيسى : ومعن من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر ، فهو أولى وأشبه بالاتباع ، وأما ما ذهب إليه الشافعي أن الرخصة لمن ينتاب من البعد وللمشقة على الناس ، فإن في حديث أبي ذر ما يدل على خلاف ما قاله الشافعي ، قال أبو ذر : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فأذن بلال بصلاة الظهر ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا بلال أبرد ، ثم أبرد فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى لاجتماعهم في السفر ، فكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد . وقال الكرماني : أقول لا نسلم اجتماعهم ؛ لأن العادة في القوافل سيما في العساكر الكثيرة تفرقهم في أطراف المنزل لمصالح مع التخفيف على الأصحاب وطلب المرعى وغيره خصوصا إذا كان فيه سلطان جليل القدر ، فإنهم يتباعدون عنه احتراما وتعظيما له ، ( قلت ) : هذا ليس برد موجه لكلام الترمذي ، فإن كلامه على الغالب ، والغالب في المسافرين اجتماعهم في موضع واحد ؛ لأن السفر مظنة الخوف سيما إذا كان عسكر خرجوا لأجل الحرب مع الأعداء . وقال بعضهم عقيب كلام الكرماني : وأيضا فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم بل كانوا يتفرقون في ظلال الشجر ، وليس هناك كن يمشون فيه ، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي ، وغايته أنه استنبط من النص العام معنى يخصه ، انتهى ، ( قلت ) : هذا أكثر بعدا من كلام الكرماني ؛ لأن فيه إسقاط العمل بعموم النصوص الواردة في الإبراد بالظهر بأشياء ملفقة من الخارج ، وقوله : فليس في سياق الحديث إلى آخره غير صحيح ؛ لأن الخلاف لظاهر الحديث صريح لا يخفى ؛ لأن ظاهره عام والتقييد بالمسجد الذي ينتاب أهله من البعد خلاف ظاهر الحديث ، والاستنباط من النص العام معنى يخصصه لا يجوز عند الأكثرين ، ولئن سلمنا فلا بد من دليل للتخصيص ، ولا دليل لذلك هاهنا . ( وقال ابن عباس رضي الله عنهما : تتفيأ : تتميل ) . أي قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى : يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ أن معناه يتميل ، كأنه أراد أن الفيء سمي به ؛ لأنه ظل مال إلى جهة غير الجهة الأولى . وقال الجوهري : تفيأت الظلال ، أي : تقلبت ويتفيؤ بالياء آخر الحروف ، أي : وفاعله محذوف تقديره يتفيأ الظل ، ويروى تتفيأ بالتاء المثناة من فوق ، أي : الظلال . ومناسبة ذكر هذا عن ابن عباس لأجل ما في حديث الباب حتى رأينا فيء التلول ، وهذا تعليق وقع في رواية المستملي وكريمة ، وقد وصله ابن أبي حاتم في تفسيره .