باب الإبراد بالظهر في السفر
( باب الإبراد بالظهر في السفر ) 16 - حدثنا آدم بن إياس ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثنا مهاجر أبو الحسن مولى لبني تيم الله ، قال : سمعت زيد بن وهب ، عن أبي ذر الغفاري ، قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ج٥ / ص٢٥في سفر ، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر ، فقال : النبي - صلى الله عليه وسلم - : أبرد ، ثم أراد أن يؤذن ، فقال له : أبرد حتى رأينا فيء التلول ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن شدة الحر من فيح جهنم ، فإذا اشتد الحر ، فأبردوا بالصلاة . هذا الحديث مضى في الباب الذي قبله غير أن هناك أخرجه عن محمد بن بشار ، عن غندر ، عن شعبة ، وهاهنا ، عن آدم بن أبي إياس ، وهو من أفراد البخاري ، عن شعبة بن الحجاج ، وفي هذا من الزيادة ما ليست هناك فاعتبرها ، وهذا مقيد بالسفر ، وذلك مطلق ، وأشار بذلك إلى أن المطلق محمول على المقيد ؛ لأن المراد من الإبراد التسهيل ودفع المشقة ، فلا تفاوت بين السفر والحضر ، قوله : ( فأراد المؤذن ) ، وهو بلال ، وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة ، عن شبابة ومسدد ، عن أمية بن خالد والترمذي من طريق أبي داود الطيالسي وأبو عوانة من طريق حفص بن عمر ووهب بن جرير والطحاوي والجوزقي من طريق وهب أيضا ، كلهم عن شعبة التصريح بأنه بلال ، قوله : ( ثم أراد أن يؤذن فقال له أبرد ) وفي رواية أبي داود ، عن أبي الوليد ، عن شعبة : مرتين أو ثلاثا ، وفي رواية البخاري عن مسلم بن إبراهيم في باب الأذان للمسافرين في هذا الحديث : فأراد المؤذن أن يؤذن ، فقال له : أبرد ، ثم أراد أن يؤذن ، فقال له : أبرد ، ثم أراد أن يؤذن ، فقال له : أبرد حتى ساوى الظل التلول .
وقال الكرماني : فإن قلت : الإبراد إنما هو في الصلاة لا في الأذان ، ( قلت ) : كانت عادتهم أنهم لا يتخلفون عند سماع الأذان عن الحضور إلى الجماعة ، فالإبراد بالأذان ، إنما هو لغرض الإبراد بالصلاة ، أو المراد بالتأذين الإقامة ، ( قلت ) : يشهد للجواب الثاني
رواية الترمذي ، حيث قال : حدثنا محمود بن غيلان ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : أنبأنا شعبة ، عن مهاجر أبي الحسن ، عن زيد بن وهب ، عن أبي ذر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر ومعه بلال ، فأراد أن يقيم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أبرد ، ثم أراد أن يقيم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أبرد في الظهر ، قال : حتى رأينا فيء التلول ، ثم أقام فصلى ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن شدة الحر من فيح جهنم ، فأبردوا عن الصلاة ، قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، فإن قلت : في ( صحيح أبي عوانة ) من طريق حفص بن عمر ، عن شعبة ، فأراد بلال أن يؤذن بالظهر ، وفيه بعد قوله : ( فيء التلول ) ، ثم أمره ، فأذن وأقام ، ( قلت ) : التوفيق بينهما بأن إقامته ما كانت تتخلف عن الأذان ، فرواية الترمذي : فأراد أن يقيم ، يعني : بعد الأذان ، ورواية أبي عوانة ، فأراد بلال أن يؤذن ، يعني : أن يؤذن ، ثم يقيم . وقال الترمذي في ( جامعه ) : وقد اختار قوم من أهل العلم تأخير صلاة الظهر في شدة الحر ، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق . وقال الشافعي : إنما الإبراد بصلاة الظهر ، إذا كان مسجدا ينتاب أهله من البعد ، فأما المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه ، فالذي أحب له أن لا يؤخر الصلاة في شدة الحر ، قال أبو عيسى : ومعن من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر ، فهو أولى وأشبه بالاتباع ، وأما ما ذهب إليه الشافعي أن الرخصة لمن ينتاب من البعد وللمشقة على الناس ، فإن في حديث أبي ذر ما يدل على خلاف ما قاله الشافعي ، قال أبو ذر : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فأذن بلال بصلاة الظهر ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا بلال أبرد ، ثم أبرد فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى لاجتماعهم في السفر ، فكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد .
وقال الكرماني : أقول لا نسلم اجتماعهم ؛ لأن العادة في القوافل سيما في العساكر الكثيرة تفرقهم في أطراف المنزل لمصالح مع التخفيف على الأصحاب وطلب المرعى وغيره خصوصا إذا كان فيه سلطان جليل القدر ، فإنهم يتباعدون عنه احتراما وتعظيما له ، ( قلت ) : هذا ليس برد موجه لكلام الترمذي ، فإن كلامه على الغالب ، والغالب في المسافرين اجتماعهم في موضع واحد ؛ لأن السفر مظنة الخوف سيما إذا كان عسكر خرجوا لأجل الحرب مع الأعداء . وقال بعضهم عقيب كلام الكرماني : وأيضا فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم بل كانوا يتفرقون في ظلال الشجر ، وليس هناك كن يمشون فيه ، فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي ، وغايته أنه استنبط من النص العام معنى يخصه ، انتهى ، ( قلت ) : هذا أكثر بعدا من كلام الكرماني ؛ لأن فيه إسقاط العمل بعموم النصوص الواردة في الإبراد بالظهر بأشياء ملفقة من الخارج ، وقوله : فليس في سياق الحديث إلى آخره غير صحيح ؛ لأن الخلاف لظاهر الحديث صريح لا يخفى ؛ لأن ظاهره عام والتقييد بالمسجد الذي ينتاب أهله ج٥ / ص٢٦من البعد خلاف ظاهر الحديث ، والاستنباط من النص العام معنى يخصصه لا يجوز عند الأكثرين ، ولئن سلمنا فلا بد من دليل للتخصيص ، ولا دليل لذلك هاهنا . ( وقال ابن عباس رضي الله عنهما : تتفيأ : تتميل ) .
أي قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى : يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ أن معناه يتميل ، كأنه أراد أن الفيء سمي به ؛ لأنه ظل مال إلى جهة غير الجهة الأولى . وقال الجوهري : تفيأت الظلال ، أي : تقلبت ويتفيؤ بالياء آخر الحروف ، أي : وفاعله محذوف تقديره يتفيأ الظل ، ويروى تتفيأ بالتاء المثناة من فوق ، أي : الظلال . ومناسبة ذكر هذا عن ابن عباس لأجل ما في حديث الباب حتى رأينا فيء التلول ، وهذا تعليق وقع في رواية المستملي وكريمة ، وقد وصله ابن أبي حاتم في تفسيره .