78 - بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الْمِسْكِ 5927 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الْمِسْكِ ) قَدْ تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِهِ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ حَيْثُ تَرْجَمَ لَهُ بَابُ الْمِسْكِ وَأَوْرَدَ هُنَا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ الْحَدِيثَ مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ : أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ ، وَقَوْلُهُ هُنَا : فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ . وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَبِّهِ - عَزَّ وَجَلَّ ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ - عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ : لِكُلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ فَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، قَالَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ : إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعْدٍ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : إِنَّ الصَّوْمَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا بَيَّنْتُ هُنَا ، وَذَكَرْتُ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى إِضَافَتِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - الصِّيَامَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : فَإِنَّهُ لِي ، وَنَقَلْتُ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ الطَّالْقَانِيِّ أَنَّهُ أَجَابَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ كَثِيرَةٍ نَحْوَ الْخَمْسِينَ ، وَأَنَّنِي لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَسَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْوُقُوفَ عَلَى كَلَامِهِ ، وَتَتَبَّعْتُ مَا ذَكَرَهُ مُتَأَمِّلًا فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى الْأَجْوِبَةِ الْعَشَرَةِ الَّتِي حَرَّرْتُهَا هُنَاكَ إِلَّا إِشَارَاتٍ صُوفِيَّةً وَأَشْيَاءَ تَكَرَّرَتْ مَعْنًى وَإِنْ تَغَايَرَتْ لَفْظًا وَغَالِبُهَا يُمْكِنُ رَدُّهَا إِلَى مَا ذَكَرْتُهُ ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ خَالِيَةٌ عَنِ السَّعْيِ ، وَإِنَّمَا هِيَ تَرْكٌ مَحْضٌ . وَقَوْلُهُ : يَقُولُ هُوَ لِي فَلَا يَشْغَلُكَ مَا هُوَ لَكَ عَمَّا هُوَ لِي . وَقَوْلُهُ : مَنْ شَغَلَهُ مَالِي عَنِّي أَعْرَضْتُ عَنْهُ وَإِلَّا كُنْتُ لَهُ عِوَضًا عَنِ الْكُلِّ . وَقَوْلُهُ لَا يَقْطَعُكَ مَالِي عَنِّي . وَقَوْلُهُ : لَا يَشْغَلُكَ الْمِلْكُ عَنِ الْمَالِكِ . وَقَوْلُهُ : فَلَا تَطْلُبْ غَيْرِي . وَقَوْلُهُ : فَلَا يَفْسُدُ مَالِي عَلَيْكَ بِكَ . وَقَوْلُهُ : فَاشْكُرْنِي عَلَى أَنْ جَعَلْتُكَ مَحَلًّا لِلْقِيَامِ بِمَا هُوَ لِي . وَقَوْلُهُ : فَلَا تَجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيهِ حُكْمًا . وَقَوْلُهُ فَمَنْ ضَيَّعَ حُرْمَةَ مَا لِي ضَيَّعْتُ حُرْمَةَ مَا لَهُ لِأَنَّ فِيهِ جَبْرَ الْفَرَائِضِ وَالْحُدُودِ . وَقَوْلُهُ فَمَنْ أَدَّاهُ بِمَا لِي وَهُوَ نَفْسُهُ صَحَّ الْبَيْعُ . وَقَوْلُهُ فَكُنْ حَيْثُ تَصْلُحُ أَنْ تُؤَدِّي مَا لِي . وَقَوْلُهُ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ بِهِ يَتَذَكَّرُ الْعَبْدُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الشِّبَعِ . وَقَوْلُهُ لِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ رِضَا اللَّهِ عَلَى هَوَى النَّفْسِ . وَقَوْلُهُ لِأَنَّ فِيهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الصَّائِمِ الْمُطِيعِ وَبَيْنَ الْآكِلِ الْعَاصِي . وَقَوْلُهُ : لِأَنَّهُ كَانَ مَحَلَّ نُزُولِ الْقُرْآنِ . وَقَوْلُهُ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ عَلَى الْمُشَاهَدَةِ وَانْتِهَاءَهُ عَلَى الْمُشَاهَدَةِ لِحَدِيثِ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ فِيهِ رِيَاضَةَ النَّفْسِ بِتَرْكِ الْمَأْلُوفَاتِ . وَقَوْلُهُ لِأَنَّ فِيهِ حِفْظَ الْجَوَارِحِ عَنِ الْمُخَالَفَاتِ . وَقَوْلُهُ : لِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ الشَّهَوَاتِ . وَقَوْلُهُ لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ النَّفْسِ بِتَرْكِ مَحْبُوبِهَا وَفِي مُخَالَفَةِ النَّفْسِ مُوَافَقَةُ الْحَقِّ . وَقَوْلُهُ : لِأَنَّ فِيهِ فَرْحَةَ اللِّقَاءِ . وَقَوْلُهُ لِأَنَّ فِيهِ مُشَاهَدَةَ الْآمِرِ بِهِ . وَقَوْلُهُ لِأَنَّ فِيهِ مَجْمَعَ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّ مَدَارَهَا عَلَى الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ وَهُمَا حَاصِلَانِ فِيهِ . وَقَوْلُهُ مَعْنَاهُ الصَّائِمُ لِي لِأَنَّ الصَّوْمَ صِفَةُ الصَّائِمِ ، وَقَوْلُهُ مَعْنَى الْإِضَافَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْحِمَايَةِ لِئَلَّا يَطْمَعَ الشَّيْطَانُ فِي إِفْسَادِهِ . وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ اسْتَوَى فِيهَا الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، وَهَذَا عُنْوَانُ مَا ذَكَرَهُ مَعَ إِسْهَابٍ فِي الْعِبَارَةِ ، وَلَمْ أَسْتَوْعِبْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَجِدُ النَّفْسَ مُتَشَوِّقَةً إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ ، وَغَالِبُ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ مِنْ شُيُوخِنَا لَا يَسُوقُهَا وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ عَلَى أَنَّ الطَّالْقَانِيَّ أَجَابَ عَنْهُ بِنَحْوٍ مِنْ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ جَوَابًا وَلَا يَذْكُرُ مِنْهُ شَيْئًا ، فَلَا أَدْرِي أَتَرَكُوهُ إِعْرَاضًا أَوْ مَلَلًا ، أَوِ اكْتَفَى الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ أَوَّلًا بِالْإِشَارَةِ وَلَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ مَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُذْكَرُ فِي الْمِسْكِ · ص 381 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يذكر في المسك · ص 60 ( باب ما يذكر في المسك ) أي هذا باب في بيان ما يذكر في المسك ، ووجه ذكر هذا الباب هنا مثل ما ذكرناه . 138 - حدثني عبد الله بن محمد ، حدثنا هشام ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم ؛ فإنه لي وأنا أجزي به ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك . مطابقته للترجمة في قوله : " ريح المسك " . ومحمد بن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي ، وهو شيخ مسلم أيضا . وهشام بن يوسف الصنعاني يروي عن معمر بن راشد ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه . والحديث مضى في كتاب الصوم من حديث الأعرج ، عن أبي هريرة بأتم منه ، ومن طريق أبي صالح الزيات عنه بأطول منه في أوائل الصوم . قوله : " فإنه لي وأنا أجزي به " ظاهر سياقه أنه من كلام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وليس كذلك ، إنما هو من كلام الله عز وجل ، وهو من رواية النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ربه عز وجل ، كذلك أخرجه البخاري في التوحيد من رواية محمد بن زياد " عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال - يرويه عن ربكم عز وجل - قال : لكل عمل كفارة ، والصوم لي ، وأنا أجزي به " الحديث ، وهو من جملة الأحاديث القدسية ، قيل : كل العبادات لله تعالى ، فما معنى الإضافة له ؟ وأجيب بأنه لم يعبد به غيره عز وجل ؛ إذ لم يعظم الكفار معبودهم في وقت من الأوقات بالصيام له . وقيل : لأنه عمل سري لا يدخل الرياء فيه . وقيل : هو المجازي لكل الأعمال . وأجيب بأن الغرض بيان كثرة الثواب إذ عظمة المعطى دليل على عظمة المعطي . قوله : " ولخلوف " بضم الخاء على المشهور ، وهو تغير رائحة الفم . قوله : " أطيب " قيل : الأطيبية لا تتصور بالنسبة إلى الله تعالى إذ هو منـزه عن أمثاله . وأجيب بأن الطيب مستلزم للقبول ، أي خلوفه أقبل عند الله من قبول ريح المسك عندكم ، أو وهو على سبيل الفرض ، أي لو تصور الطيب عنده لكان الخلوف أطيب ، أو المضاف محذوف ، أي عند ملائكة الله . وله أجوبة أخرى ، مضى منها شيء في كتاب الصيام .