5953 - حَدَّثَنَا مُوسَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ ، فَرَأَى في أَعْلَاهَا مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي ، فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً ، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً . ثُمَّ دَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى بَلَغَ إِبْطَهُ . فَقُلْتُ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مُنْتَهَى الْحِلْيَةِ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( عَبْدُ الْوَاحِدِ ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ ، وَعُمَارَةُ هُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ) هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ . قَوْلُهُ : ( دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ) جَاءَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الْمَذْكُورِ حَدِيثٌ آخَرُ بِسَنَدٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ بِنُونٍ وَجِيمٍ مُصَغَّرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ . قَوْلُهُ : ( دَارًا بِالْمَدِينَةِ ) هِيَ لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنْ عُمَارَةَ دَارًا تُبْنَى لِسَعِيدٍ أَوْ لِمَرْوَانَ بِالشَّكِّ ، وَسَعِيدٌ هُوَ ابْنُ الْعَاصِ بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ، وَكَانَ هُوَ وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ يَتَعَاقَبَانِ إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ لِمُعَاوِيَةَ ، وَالرِّوَايَةُ الْجَازِمَةُ أَوْلَى . قَوْلُهُ : ( مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَقَوْلُهُ : يُصَوِّرُ بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ لِلْجَمِيعِ ، وَضَبَطَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالْآخَرُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ثُمَّ رَاءٍ مُنَوَّنَةٍ ، وَهُوَ بَعِيدٌ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي ) هَكَذَا فِي الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ وَقَعَ نَحْوَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ مَا يُذْكَرُ فِي الْمِسْكِ وَفِيهِ حَذْفٌ بَيَّنَهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ الْمَذْكُورَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : وَمَنْ أَظْلَمُ إِلَخْ ، وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ ، وَقَوْلُهُ : ذَهَبَ أَيْ قَصَدَ وَقَوْلُهُ : كَخَلْقِي التَّشْبِيهُ فِي فِعْلِ الصُّورَةِ وَحْدَهَا لَا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فَهِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ التَّصْوِيرَ يَتَنَاوَلُ مَا لَهُ ظِلٌّ وَمَا لَيْسَ لَهُ ظِلٌّ ، فَلِهَذَا أَنْكَرَ مَا يُنْقَشُ فِي الْحِيطَانِ . قُلْتُ : هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْصَرَ عَلَى مَا لَهُ ظِلٌّ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ : كَخَلْقِي فَإِنَّ خَلْقَهُ الَّذِي اخْتَرَعَهُ لَيْسَ صُورَةً فِي حَائِطٍ بَلْ هُوَ خَلْقٌ تَامٌّ ، لَكِنْ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ الزَّجْرِ عَنْ تَصْوِيرِ كُلِّ شَيْءٍ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً وَهِيَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ إِيجَادُ حَبَّةٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا تَصْوِيرُهَا . وَوَقَعَ لِابْنِ فُضَيْلٍ مِنَ الزِّيَادَةِ وَلْيَخْلُقُوا شَعْرَةً ، وَالْمُرَادُ بِالْحَبَّةِ حَبَّةُ الْقَمْحِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الشَّعِيرِ ، أَوِ الْحَبَّةُ أَعَمُّ ، وَالْمُرَادُ بِالذَّرَّةِ النَّمْلَةُ ، وَالْغَرَضُ تَعْجِيزُهُمْ تَارَةً بِتَكْلِيفِهِمْ خَلْقَ حَيَوَانٍ وَهُوَ أَشَدُّ وَأُخْرَى بِتَكْلِيفِهِمْ خَلْقَ جَمَادٍ وَهُوَ أَهْوَنُ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ دَعَا بِتَوْرٍ ) أَيْ طَلَبَ تَوْرًا ، وَهُوَ بِمُثَنَّاةٍ إِنَاءٌ كَالطَّسْتِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ . قَوْلُهُ : ( مِنْ مَاءٍ ) أَيْ فِيهِ مَاءٌ . قَوْلُهُ : ( فَغَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى بَلَغَ إِبْطَهُ ) فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اخْتِصَارٌ وَبَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ بِلَفْظِ فَتَوَضَّأَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَغَسَلَ يَدَهُ حَتَّى إِبْطِهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ رُكْبَتَيْهِ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَقَدَّمَ قِصَّةَ الْوُضُوءِ عَلَى قِصَّةِ الْمُصَوِّرِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ قِصَّةَ الْوُضُوءِ هُنَا . قَوْلُهُ : ( مُنْتَهَى الْحِلْيَةِ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ إِنَّهُ مُنْتَهَى الْحِلْيَةِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الطَّهَارَةِ فِي فَضلِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيث الْآخَرُ تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ ، وَالْبَحْثُ فِي ذَلِكَ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ . وَلَيْسَ بَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ التَّصْوِيرِ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ مِنْ وُضُوءِ أَبِي هُرَيْرَةَ مُنَاسَبَةٌ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَبُو زُرْعَةَ بِمَا شَاهَدَ وَسَمِعَ مِنْ ذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب نَقْضِ الصُّوَرِ · ص 399 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب نقض الصور · ص 71 164 - حدثنا موسى ، حدثنا عبد الواحد ، حدثنا عمارة ، حدثنا أبو زرعة قال : دخلت مع أبي هريرة دارا بالمدينة ، فرأى أعلاها مصورا يصور ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ، فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة ، ثم دعا بتور من ماء فغسل يديه حتى بلغ إبطيه ، فقلت : يا أبا هريرة أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : منتهى الحلية . ليس فيه تعرض إلى النقض ، ولم تبق المطابقة إلا في لفظ الصور فقط ، وموسى هو ابن إسماعيل ، وعبد الواحد هو ابن زياد ، وعمارة بالضم هو ابن القعقاع ، وأبو زرعة هرم بن عمرو بن جرير . قوله : دارا بالمدينة ، هي لمروان بن الحكم ، وقع ذلك في رواية مسلم له دارا تبنى لسعيد أو لمروان بالشك ، وسعيد هو ابن العاص بن سعيد الأموي ، وكان هو ومروان بن الحكم يتعاقبان إمرة المدينة لمعاوية بن أبي سفيان ، والرواية الجازمة أولى ، قوله : مصورا أي شخصا مصورا وهو اسم فاعل من التصوير ، وانتصابه على أنه مفعول رأى ، قوله : أعلاها أي أعلى الدار ، أراد سقفها ، قوله : يصور على صيغة المعلوم من المضارع في محل النصب على الحال معناه يصنع الصور ، وقال الكرماني : مصورا بلفظ المفعول ، وبصور بلفظ الجار والمجرور ، وقال بعضهم : هو بعيد ، قلت : لم يبين وجه بعده فلا بعد أصلا بل هو أقرب على ما لا يخفى ، قوله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق أي ولا أحد أظلم ممن قصد حال كونه يخلق أي يصنع ويقدر كخلقي ، وفيه حذف تقديره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى : ومن أظلم ، إلى آخره ونحوه في رواية ابن فضيل . فإن قلت : كيف التشبيه في قوله : كخلقي قلت : التشبيه لا عموم له ، يعني كخلقي في فعل الصورة لا من كل الوجوه ، قيل الكافر أظلم منه ، وأجيب بأن الذي يصور الصنم للعبادة هو كافر فهو هو أو يزيد عذابه على سائر الكفار لزيادة قبح كفره . قوله : حبة أي حبة فيها طعم يؤكل وينتفع بها كالحنطة والذرة بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء ، النملة الصغيرة ، والغرض تعجيزهم تارة بخلق الجماد وأخرى بخلق الحيوان ، قوله : ثم دعا أي أبو هريرة ، قوله : بتور بفتح التاء المثناة من فوق ، وهو إناء كالطست ، قوله : من ماء قال بعضهم : أي فيه ماء ، قلت : هذا ليس بصحيح ؛ بل الصحيح أن كلمة من هنا بمعنى الباء أي دعا بتور بماء ، وكلمة من تجيء بمعنى الباء كما في قوله تعالى : يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ قوله : فغسل يديه غسل اليد كناية عن الوضوء ؛ لأن الوضوء مستلزم له ، قوله : إبطية ويروى إبطه بالإفراد ، قوله : فقلت يا أبا هريرة القائل أبو زرعة الراوي ، قوله : أشيء سمعته أي تبليغ الماء إلى الإبط شيء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : منتهى الحلية أي التبليغ إلى الإبط منتهى حلية المؤمن في الجنة ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء وقال الطيبي : ضمن يبلغ معنى يتمكن وعدي بمن أي يتمكن من المؤمن الحلية مبلغا بتمكنه الوضوء منه ، وقال أبو عبيد : الحلية هنا التحجيل يوم القيامة من أثر الوضوء ، وقال غيره : هو من قوله تعالى : يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ