بَاب نَقْضِ الصُّوَرِ
حَدَّثَنَا مُوسَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ : دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ ، فَرَأَى في أَعْلَاهَا مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي ، فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً ، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً . ثُمَّ دَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى بَلَغَ إِبْطَهُ . فَقُلْتُ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مُنْتَهَى الْحِلْيَةِ .
الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( عَبْدُ الْوَاحِدِ ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ ، وَعُمَارَةُ هُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ) هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ . قَوْلُهُ : ( دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ) جَاءَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الْمَذْكُورِ حَدِيثٌ آخَرُ بِسَنَدٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ بِنُونٍ وَجِيمٍ مُصَغَّرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ .
قَوْلُهُ : ( دَارًا بِالْمَدِينَةِ ) هِيَ لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنْ عُمَارَةَ دَارًا تُبْنَى لِسَعِيدٍ أَوْ لِمَرْوَانَ بِالشَّكِّ ، وَسَعِيدٌ هُوَ ابْنُ الْعَاصِ بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ، وَكَانَ هُوَ وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ يَتَعَاقَبَانِ إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ لِمُعَاوِيَةَ ، وَالرِّوَايَةُ الْجَازِمَةُ أَوْلَى . قَوْلُهُ : ( مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَقَوْلُهُ : يُصَوِّرُ بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ لِلْجَمِيعِ ، وَضَبَطَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالْآخَرُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ثُمَّ رَاءٍ مُنَوَّنَةٍ ، وَهُوَ بَعِيدٌ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي ) هَكَذَا فِي الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ وَقَعَ نَحْوَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي بَابِ مَا يُذْكَرُ فِي الْمِسْكِ وَفِيهِ حَذْفٌ بَيَّنَهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ الْمَذْكُورَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : وَمَنْ أَظْلَمُ إِلَخْ ، وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ ، وَقَوْلُهُ : ذَهَبَ أَيْ قَصَدَ وَقَوْلُهُ : كَخَلْقِي التَّشْبِيهُ فِي فِعْلِ الصُّورَةِ وَحْدَهَا لَا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فَهِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ التَّصْوِيرَ يَتَنَاوَلُ مَا لَهُ ظِلٌّ وَمَا لَيْسَ لَهُ ظِلٌّ ، فَلِهَذَا أَنْكَرَ مَا يُنْقَشُ فِي الْحِيطَانِ .
قُلْتُ : هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْصَرَ عَلَى مَا لَهُ ظِلٌّ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ : كَخَلْقِي فَإِنَّ خَلْقَهُ الَّذِي اخْتَرَعَهُ لَيْسَ صُورَةً فِي حَائِطٍ بَلْ هُوَ خَلْقٌ تَامٌّ ، لَكِنْ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ الزَّجْرِ عَنْ تَصْوِيرِ كُلِّ شَيْءٍ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً وَهِيَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ إِيجَادُ حَبَّةٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا تَصْوِيرُهَا . وَوَقَعَ لِابْنِ فُضَيْلٍ مِنَ الزِّيَادَةِ وَلْيَخْلُقُوا شَعْرَةً ، وَالْمُرَادُ بِالْحَبَّةِ حَبَّةُ الْقَمْحِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الشَّعِيرِ ، أَوِ الْحَبَّةُ أَعَمُّ ، وَالْمُرَادُ بِالذَّرَّةِ النَّمْلَةُ ، وَالْغَرَضُ تَعْجِيزُهُمْ تَارَةً بِتَكْلِيفِهِمْ خَلْقَ حَيَوَانٍ وَهُوَ أَشَدُّ وَأُخْرَى بِتَكْلِيفِهِمْ خَلْقَ جَمَادٍ وَهُوَ أَهْوَنُ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ دَعَا بِتَوْرٍ ) أَيْ طَلَبَ تَوْرًا ، وَهُوَ بِمُثَنَّاةٍ إِنَاءٌ كَالطَّسْتِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ .
قَوْلُهُ : ( مِنْ مَاءٍ ) أَيْ فِيهِ مَاءٌ . قَوْلُهُ : ( فَغَسَلَ يَدَيْهِ حَتَّى بَلَغَ إِبْطَهُ ) فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اخْتِصَارٌ وَبَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ بِلَفْظِ فَتَوَضَّأَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَغَسَلَ يَدَهُ حَتَّى إِبْطِهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ رُكْبَتَيْهِ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَقَدَّمَ قِصَّةَ الْوُضُوءِ عَلَى قِصَّةِ الْمُصَوِّرِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ قِصَّةَ الْوُضُوءِ هُنَا . قَوْلُهُ : ( مُنْتَهَى الْحِلْيَةِ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ إِنَّهُ مُنْتَهَى الْحِلْيَةِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الطَّهَارَةِ فِي فَضلِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيث الْآخَرُ تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ ، وَالْبَحْثُ فِي ذَلِكَ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ .
وَلَيْسَ بَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ التَّصْوِيرِ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ مِنْ وُضُوءِ أَبِي هُرَيْرَةَ مُنَاسَبَةٌ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَبُو زُرْعَةَ بِمَا شَاهَدَ وَسَمِعَ مِنْ ذَلِكَ .