13 - بَاب مَنْ وَصَلَ وَصَلَهُ اللَّهُ 5987 - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَمِّي سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَالَتْ الرَّحِمُ : هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ ، قَالَ : نَعَمْ ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ ؟ قَالَتْ : بَلَى يَا رَبِّ . قَالَ : فَهُوَ لَكِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ وَصَلَ وَصَلَهُ اللَّهُ ) أَيْ مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ . قَوْلُهُ : ( عَبْدُ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَمُعَاوِيَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَهَا دال مُهْمَلَةٌ ، تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ وَتَسْمِيَتُهُ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ ، وَلِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ آخَرُ وَهُوَ ثَالِثُ أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ ) تَقَدَّمَ تَأْوِيلُ فَرَغَ فِي تَفْسِيرِ الْقِتَالِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخَلْقِ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُكَلَّفِينَ . وَهَذَا الْقَوْلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِبْرَازِهَا فِي الْوُجُودِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ خَلْقِهَا كَتْبًا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَلَمْ يَبْرُزْ بَعْدُ إِلَّا اللَّوْحُ وَالْقَلَمُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ انْتِهَاءِ خَلْقِ أَرْوَاحِ بَنِي آدَمَ عِنْدَ قَوْلِهِ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ لَمَّا أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِثْلَ الذَّرِّ . قَوْلُهُ : ( قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ ) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِلِسَانِ الْحَالِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِلِسَانِ الْمَقَالِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ، وَالثَّانِي أَرْجَحُ . وَعَلَى الثَّانِي فَهَلْ تَتَكَلَّمُ كَمَا هِيَ أَوْ يَخْلُقُ اللَّهُ لَهَا عِنْدَ كَلَامِهَا حَيَاةً وَعَقْلًا ؟ قَوْلَانِ أَيْضًا مَشْهُورَانِ ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِصَلَاحِيَّةِ الْقُدْرَةِ الْعَامَّةِ لِذَلِكَ ، وَلِمَا فِي الْأَوَّلَيْنِ مِنْ تَخْصِيصِ عُمُومِ لَفْظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ حَصْرِ قُدْرَةِ الْقَادِرِ الَّتِي لَا يَحْصُرُهَا شَيْءٌ . قُلْتُ : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْقِتَالِ حَمْلُ عِيَاضٍ لَهُ عَلَى الْمَجَازِ ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ ضَرْبِ الْمَثَلِ ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ الْقَوْلُ مَلَكًا يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِ الرَّحِمِ ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَا يَتَعَلَّقُ بِزِيَادَةٍ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ وَهِيَ قَوْلُهُ : فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ إِنَّ الرَّحِمَ أَخَذَتْ بِحُجْزَةِ الرَّحْمَنِ وَحَكَى شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُجْزَةِ هُنَا قَائِمَةُ الْعَرْشِ ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ إِنَّ الرَّحِمَ أَخَذَتْ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ : هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ فِي تَفْسِيرِ الْقِتَالِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حِبَّانَ بْنِ مُوسَى ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِلَفْظٍ هَذَا مَكَانُ بَدَلَ مَقَامُ وَهُوَ تَفْسِيرُ الْمُرَادِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( أَصِلُ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعُ مَنْ قَطَعَكِ ) فِي ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : الْوَصْلُ مِنَ اللَّهِ كِنَايَةٌ عَنْ عَظِيمِ إِحْسَانِهِ ، وَإِنَّمَا خَاطَبَ النَّاسَ بِمَا يَفْهَمُونَ ، وَلَمَّا كَانَ أَعْظَمُ مَا يُعْطِيهِ الْمَحْبُوبُ لِمُحِبِّهِ الْوِصَالَ وَهُوَ الْقُرْبُ مِنْهُ وَإِسْعَافُهُ بِمَا يُرِيدُ وَمُسَاعَدَتُهُ عَلَى مَا يُرْضِيهِ ، وَكَانَتْ حَقِيقَةُ ذَلِكَ مُسْتَحِيلَةً فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - ، عُرِفَ أَنَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ عَظِيمِ إِحْسَانِهِ لِعَبْدِهِ . قَالَ : وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْقَطْعِ ، هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ حِرْمَانِ الْإِحْسَانِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَسَوَاءٌ قُلْنَا إِنَّهُ يَعْنِي الْقَوْلَ الْمَنْسُوبَ إِلَى الرَّحِمِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ أَوِ الْحَقِيقَةِ أَوْ إِنَّهُ عَلَى جِهَةِ التَّقْدِيرِ وَالتَّمْثِيلِ كَأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : لَوْ كَانَتِ الرَّحِمُ مِمَّنْ يَعْقِلُ وَيَتَكَلَّمُ لَقَالَتْ كَذَا ، وَمِثْلُهُ لَوْ أَنْـزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا الْآيَةَ ، وَفِي آخِرِهَا وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ فَمَقْصُودُ هَذَا الْكَلَامِ الْإِخْبَارُ بِتَأَكُّدِ أَمْرِ صِلَةِ الرَّحِمِ ، وَأَنَّهُ - تَعَالَى - أَنْزَلَهَا مَنْزِلَةَ مَنِ اسْتَجَارَ بِهِ فَأَجَارَهُ فَأَدْخَلَهُ فِي حِمَايَتِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَجَارُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْذُولٍ ، وَقَدْ قَالَ : مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ ، وَإِنَّ مَنْ يَطْلُبْهُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذِمَّتِهِ يُدْرِكْهُ ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ وَصَلَ وَصَلَهُ اللَّهُ · ص 430 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من وصل وصله الله · ص 92 باب من وصل وصله الله أي هذا باب في بيان من وصل رحمه وصله الله ، يعني يعطف عليه بفضله إما في عاجل دنياه أو آجل آخرته ، والعرب تقول إذا تفضل رجل على رجل آخر بمال أو وهبه هبة : وصل فلان فلانا كذا . 16 - حدثنا بشر بن محمد ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا معاوية بن أبي مزرد قال : سمعت عمي سعيد بن يسار يحدث عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، قال : نعم ، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ، قالت : بلى يا رب ، قال : فهو لك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاقرؤوا إن شئتم فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ مطابقته للترجمة ظاهرة . وبشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ابن محمد أبو محمد السختياني المروزي ، وعبد الله بن المبارك المروزي ومعاوية بن أبي مزرد بضم الميم وفتح الزاي وكسر الراء المشددة وبالدال المهملة المدني ، وله حديث آخر وهو ثالث أحاديث الباب عن عائشة ، وحديث آخر قد مر في الزكاة يروى عن عمه سعيد بن يسار ضد اليمين أبي الحباب مولى شقران مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، مات سنة تسع عشرة ومائة . والحديث مضى في التفسير في سورة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه أخرجه هناك عن خالد بن مخلد ، عن سليمان ، عن معاوية بن أبي مزرد إلى آخره ، ومضى الكلام فيه . قوله : خلق الخلق يحتمل أن يكون المراد خلق جميع المخلوقات ، ويحتمل أن يكون المراد به المكلفين ، قوله : حتى إذا فرغ المراد بالفراغ قضاؤه وإتمامه ونحو ذلك بما يشهد بأنه مجاز القول ، فإن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن أو يطلق عليه الفراغ الذي هو ضد الشغل ، قوله : قالت الرحم يحتمل أن يكون هذا القول بعد خلق السماوات والأرض أو بعد خلقها كتبا في اللوح المحفوظ أو بعد انتهاء خلق أرواح بني آدم عند قوله : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ لما أخرجهم من صلب آدم عليه السلام مثل الذر ثم إسناد القول إلى الرحم يحتمل أن يكون بلسان الحال ويحتمل أن يكون بلسان المقال ، يتكلم كما هي أو يخلق الله لها عند كلامها حياة وعقلا ، وقيل هو في الحقيقة ضرب مثل واستعارة إذ الرحم معنى وهو إيصال القربى بين أهل النسب ، وهي استعارة تمثيلية ، وهي التي الوجه فيها منتزع من أمور متوهمة للمشبه المعقول بما كانت تابعة للمشبه به المحسوس ، وذلك أنه شبهت حالة الرحم وما هي عليه من الافتقار إلى الصلة والذب منها من القطيعة بحال مستجير يأخذ بذيل المستجار به وحقو إزاره ، ثم أدخل صورة حال المشبه في جنس المشبه به ، واستعمل في حال المشبه ما كان مستعملا في المشبه به من الألفاظ بدلائل قرائن الأحوال ، ويجوز أن يكون استعارة مكنية بأن يشبه الرحم بإنسان يستجير بمن يحميه ويذب عنه ما يؤذيه ، ثم انعقد على سبيل الاستعارة التخييلية ما هو لازم المشبه به من القيام ليكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة ، ثم رشحت الاستعارة بأخذ القول ، وقال القاضي عياض : الرحم التي توصل وتقطع إنما هي معنى من المعاني ليست بجسم ، وإنما هي قرابة ونسب يجمعه رحم والدة ويتصل بعضه ببعض فسمي ذلك الاتصال رحما ، والمعاني لا يتأتى منها القيام ولا الكلام فيكون ذكر قيامها هنا وتعلقها بالعرش ضرب مثل وحسن استعارة على عادة العرب في استعمال ذلك وتعظيم شأنها وفضيلة واصلها ، وعظيم إثم قاطعها بعقوقه ، ولهذا سمي العقوق قطعا والعق الشق كأنه قطع ذلك السبب المتصل ، قال : ويجوز أن يكون المراد قيام ملك من الملائكة وتعلق بالعرش وتكلم على لسانها بهذا بأمر الله عز وجل ، قوله : أن أصل من وصلك الوصل من الله تعالى كناية عن عظيم إحسانه ، والقطع منه كناية عن حرمان الإحسان .