5988 - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ الرَّحِمَ شَجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ اللَّهُ : مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ . الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ) لِسُلَيْمَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا : هَذَا ، وَالْآخَرُ : الْحَدِيثُ الَّذِي قَبْلَهُ - وَقَدْ سَبَقَ مِنْ طَرِيقِهِ فِي تَفْسِيرِ الْقِتَالِ وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ - والثالث حديثه عن معاوية بن أبي مزرد أيضا عن يزيد بن رومان وهو ثالث أحاديث الباب . قَوْلُهُ : ( الرَّحِمُ شِجْنَةٌ ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ ، وَجَاءَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِهِ رِوَايَةً وَلُغَةً . وَأَصْلُ الشِّجْنَةِ عُرُوقُ الشَّجَرِ الْمُشْتَبِكَةُ ، وَالشَّجَنُ بِالتَّحْرِيكِ وَاحِدُ الشُّجُونِ وَهِيَ طُرُقُ الْأَوْدِيَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : الْحَدِيثُ ذُو شُجُونٍ أَيْ يَدْخُلُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ . وَقَوْلُهُ : مِنَ الرَّحْمَنِ أَيْ أُخِذَ اسْمُهَا مِنْ هَذَا الِاسْمِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي السُّنَنِ مَرْفُوعًا أَنَا الرَّحْمَنُ ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي وَالْمَعْنَى أَنَّهَا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الرَّحْمَةِ مُشْتَبِكَةٌ بِهَا ; فَالْقَاطِعُ لَهَا مُنْقَطِعٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ . وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّحِمَ اشْتُقَّ اسْمُهَا مِنَ اسْمِ الرَّحْمَنِ فَلَهَا بِهِ عَلَقَةٌ ، وَلَيْسَ مضاه أَنَّهَا مِنْ ذَاتِ اللَّهِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّ الرَّحِمَ الَّتِي تُوصَلُ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ ، فَالْعَامَّةُ رَحِمُ الدِّينِ وَتَجِبُ مُوَاصَلَتُهَا بِالتَّوَادُدِ وَالتَّنَاصُحِ وَالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالْقِيَامِ بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ . وَأَمَّا الرَّحِمُ الْخَاصَّةُ فَتَزِيدُ النَّفَقَةَ عَلَى الْقَرِيبِ وَتَفَقُّدِ أَحْوَالِهِمْ وَالتَّغَافُلِ عَنْ زَلَّاتِهِمْ . وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُ اسْتِحْقَاقِهِمْ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الْأَدَبِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : تَكُونُ صِلَةُ الرَّحِمِ بِالْمَالِ ، وَبِالْعَوْنِ عَلَى الْحَاجَةِ ، وَبِدَفْعِ الضَّرَرِ ، وَبِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ ، وَبِالدُّعَاءِ . وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ إِيصَالُ مَا أَمْكَنَ مِنَ الْخَيْرِ ، وَدَفْعُ مَا أَمْكَنَ مِنَ الشَّرِّ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ ، وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَمِرُّ إِذَا كَانَ أَهْلُ الرَّحِمِ أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ ، فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ فُجَّارًا فَمُقَاطَعَتُهُمْ فِي اللَّهِ هِيَ صِلَتُهُمْ ، بِشَرْطِ بَذْلِ الْجَهْدِ فِي وَعْظِهِمْ ، ثُمَّ إِعْلَامِهِمْ إِذَا أَصَرُّوا أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الْحَقِّ ، وَلَا يَسْقُطُ مَعَ ذَلِكَ صِلَتُهُمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ بِظَهْرِ الْغَيْبِ أَنْ يَعُودُوا إِلَى الطَّرِيقِ الْمُثْلَى . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ اللَّهُ ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ لَهَا وَهَذِهِ الْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ ، وَأَحْسَنُ مَا يُقَدَّرُ لَهُ مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ فَقَالَتْ : هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ ، فَقَالَ اللَّهُ إِلَخْ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ وَصَلَ وَصَلَهُ اللَّهُ · ص 432 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من وصل وصله الله · ص 93 17 - حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا سليمان ، حدثنا عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الرحم شجنة من الرحمن ، فقال الله : من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته . مطابقته للترجمة ظاهرة . وخالد بن مخلد بفتح الميم واللام ، وسليمان هو ابن بلال أبو أيوب ، ويقال أبو محمد القرشي التيمي ، مولى عبد الله بن أبي عتيق ، واسمه محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، وأبو صالح ذكوان السمان والحديث من أفراده . قوله : شجنة بكسر الشين المعجمة وسكون الجيم بعدها نون ، وجاء بضم أوله وبفتحه رواية ولغة ، وأصل الشجنة عروق الشجر المشتبكة ، قوله : من الرحمن أي أخذ اسمها من هذا الاسم كما في حديث عبد الرحمن بن عوف ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله : أنا الله وأنا الرحمن ، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي ، من وصلها وصلته ومن قطعها بتته رواه أبو داود والترمذي ، وروى الطبراني من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى : الرحم شجنة مني ، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته والمعنى أنها أثر من آثار الرحمة مشتبكة بها ، فالقاطع لها منقطع من رحمة الله ، وقال الإسماعيلي : معنى الحديث أن الرحم مشتق اسمها من اسم الرحمن ، فلها به علقة ، وليس معناه أنها من ذات الله تعالى ، تعالى الله عن ذلك .