6011 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا ، عَنْ عَامِرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْو تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ قَوْلُهُ : ( زَكَرِيَّا ) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ . قَوْلُهُ : ( تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ ) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : الْمُرَادُ مَنْ يَكُونَ إِيمَانُهُ كَامِلًا . قَوْلُهُ : ( وَتَوَادُّهُمْ ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ ، وَالْأَصْلُ التَّوَادُدُ فَأُدْغِمَ ، وَالتَّوَادُدُ تَفَاعُلٌ مِنَ الْمَوَدَّةِ ، وَالْوُدُّ وَالْوِدَادُ بِمَعْنًى ، وَهُوَ تَقَرُّبُ شَخْصٍ مِنْ آخَرَ بِمَا يُحِبُّ . قَوْلُهُ : ( وَتَعَاطُفُهُمْ ) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّرَاحُمَ وَالتَّوَادُدَ وَالتَّعَاطُفَ ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى لَكِنْ بَيْنَهَا فَرْقٌ لَطِيفٌ ، فَأَمَّا التَّرَاحُمُ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَرْحَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأُخُوَّةِ الْإِيمَانِ لَا بِسَبَبِ شَيْءٍ آخَرَ ، وَأَمَّا التَّوَادُدُ فَالْمُرَادُ بِهِ التَّوَاصُلُ الْجَالِبُ للْمَحَبَّةَ كَالتَّزَاوُرِ وَالتَّهَادِي ، وَأَمَّا التَّعَاطُفُ فَالْمُرَادُ بِهِ إِعَانَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَمَا يَعْطِفُ الثَّوْبَ عَلَيْهِ لِيُقَوِّيَهُ اهـ مُلَخَّصًا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَخَيْثَمَةَ فَرْقَهُمَا عَنِ النُّعْمَانِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِذَا اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ . وَفِي رِوَايَةِ خَيْثَمَةَ : اشْتَكَى ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ كُلُّهُ . قَوْلُهُ : ( كَمَثَلِ الْجَسَدِ ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ ، وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ فِيهِ التَّوَافُقِ فِي التَّعَبِ وَالرَّاحَةِ . قَوْلُهُ : ( تَدَاعَى ) أَيْ دَعَا بَعْضُهُ بَعْضًا إِلَى الْمُشَارَكَةِ فِي الْأَلَمِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ تَدَاعَتِ الْحِيطَانُ أَيْ تَسَاقَطَتْ أَوْ كَادَتْ . قَوْلُهُ : ( بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) أَمَّا السَّهَرُ فَلِأَنَّ الْأَلَمَ يَمْنَعُ النَّوْمَ ، وَأَمَّا الْحُمَّى فَلِأَنَّ فَقْدَ النَّوْمِ يُثِيرُهَا . وَقَدْ عَرَّفَ أَهْلَ الْحِذْقِ الْحُمَّى بِأَنَّهَا حَرَارَةٌ غَرِيزِيَّةٌ تَشْتَعِلُ فِي الْقَلْبِ فَتَشِبُّ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ فَتَشْتَعِلُ اشْتِعَالًا يَضُرُّ بِالْأَفْعَالِ الطَّبِيعِيَّةِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : فَتَشْبِيهُهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَسَدِ الْوَاحِدِ تَمْثِيلٌ صَحِيحٌ ، وَفِيهِ تَقْرِيبٌ لِلْفَهْمِ وَإِظْهَارٌ لِلْمَعَانِي فِي الصُّوَرِ الْمَرْئِيَّةِ ، وَفِيهِ تَعْظِيمُ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَالْحَضُّ عَلَى تَعَاوُنِهِمْ وَمُلَاطَفَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : شَبَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِيمَانَ بِالْجَسَدِ وَأَهْلَهُ بِالْأَعْضَاءِ ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ أَصْلٌ وَفُرُوعَهُ التَّكَالِيفُ ، فَإِذَا أَخَلَّ الْمَرْءُ بِشَيْءٍ مِنَ التَّكَالِيفِ شَأْنَ ذَلِكَ الْإِخْلَالِ الْأَصْلَ ، وَكَذَلِكَ الْجَسَدُ أَصْلٌ كَالشَّجَرَةِ وَأَعْضَاؤُهُ كَالْأَغْصَانِ ، فَإِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ مِنَ الْأَعْضَاءِ اشْتَكَتِ الْأَعْضَاءُ كُلُّهَا كَالشَّجَرَةِ إِذَا ضُرِبَ غُصْنٌ مِنْ أَغْصَانِهَا اهْتَزَّتِ كُلُّهَا بِالتَّحَرُّكِ وَالِاضْطِرَابِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب رَحْمَةِ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ · ص 453 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب رحمة الناس بالبهائم · ص 106 41 - حدثنا أبو نعيم ، حدثنا زكرياء ، عن عامر قال : سمعته يقول : سمعت النعمان بن بشير يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى . مطابقته للترجمة ظاهرة . وأبو نعيم الفضل بن دكين ، وزكرياء هو ابن أبي زائدة ، وعامر هو الشعبي ، والنعمان بن بشير بن سعد الأنصاري ، والحديث أخرجه مسلم أيضا في الأدب عن محمد بن عبد الله بن نمير وغيره ، قوله : في تراحمهم من باب التفاعل الذي يستدعي اشتراك الجماعة في أصل الفعل ، قوله : وتوادهم أصله تواددهم ، فأدغمت الدال في الدال من المودة وهي المحبة ، قوله : وتعاطفهم كذلك من باب التفاعل أيضا ، قيل : هذه الألفاظ الثلاثة متقاربة في المعنى ؛ لكن بينها فرق لطيف ، أما التراحم فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضا بأخوة الإيمان لا بسبب شيء آخر ، وأما التوادد فالمراد به التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي ، وأما التعاطف فالمراد به إعانة بعضهم بعضا كما يعطف طرف الثوب عليه ليقويه ، قوله : كمثل الجسد أي بالنسبة إلى جميع أعضائه ، ووجه التشبيه التوافق في التعب والراحة ، قوله : تداعى أي دعا بعضه بعضا إلى المشاركة في الألم ، ومنه قولهم : تداعت الحيطان ، أي تساقطت أو كادت أن تتساقط ، قوله : بالسهر والحمى أما السهر فلأن الألم يمنع النوم ، وأما الحمى فلأن فقد النوم يثيرها ، وقال الكرماني : الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب وتنبث منه في جميع البدن فيشتعل اشتعالا مضرا بالأفعال الطبيعية ، وفيه تعظيم حقوق المسلمين والحض على معاونتهم وملاطفة بعضهم بعضا .