14 - بَاب إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ 552 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ . قَوْلُهُ ( بَابُ إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ ) أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِذِكْرِ الْإِثْمِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَوَاتِ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الْجَوَازِ بِغَيْرِ عُذْرٍ ؛ لِأَنَّ الْإِثْمَ إِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ ( الَّذِي تَفُوتُهُ ) قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ : فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ . قُلْتُ : وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ . قَوْلُهُ : ( صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَسَقَطَ لِلْأَكْثَرِ لَفْظُ صَلَاةٍ وَالْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ فَكَأَنَّمَا . قَوْلُهُ : ( وُتِرَ أَهْلَهُ ) هُوَ بِالنَّصْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِوُتِرَ ، وَأُضْمِرَ فِي وُتِرَ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الَّذِي فَاتَتْهُ ، فَالْمَعْنَى أُصِيبَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ . وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ . وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَتِرَكُمْ . انْتَهَى . وَقِيلَ وُتِرَ هُنَا بِمَعْنَى نُقِصَ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ نَصْبُهُ وَرَفْعُهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ رَدَّ النَّقْصَ إِلَى الرَّجُلِ نَصَبَ وَأَضْمَرَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْفَاعِلِ ، وَمَنْ رَدَّهُ إِلَى الْأَهْلِ رَفَعَ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُرْوَى بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ وُتِرَ بِمَعْنَى سُلِبَ ، وَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ وُتِرَ بِمَعْنَى أُخِذَ فَيَكُونُ أَهْلُهُ هُوَ الْمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي أَيْضًا : وَتَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْتُ لَهُ قَتِيلًا أَوْ أَخَذْتُ مَالَهُ ، وَحَقِيقَةُ الْوَتْرِ كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ هُوَ الظُّلْمُ فِي الدَّمِ ، فَعَلَى هَذَا فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَالِ مَجَازٌ ، لَكِنْ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمَوْتُورُ هُوَ الَّذِي قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَلَمْ يُدْرَكْ بِدَمِهِ ، تَقُولُ مِنْهُ وُتِرَ وَتَقُولُ أَيْضًا وَتَرَهُ حَقَّهُ أَيْ نَقَصَهُ . وَقِيلَ الْمَوْتُورُ مَنْ أُخِذَ أَهْلُهُ أَوْ مَالُهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَشَدُّ لِغَمِّهِ ، فَوَقَعَ التَّشْبِيهُ بِذَلِكَ لِمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ غَمَّانِ : غَمُّ الْإِثْمِ وَغَمُّ فَقْدِ الثَّوَابِ . كَمَا يَجْتَمِعُ عَلَى الْمَوْتُورِ غَمَّانِ : غَمُّ السَّلْبِ ، وَغَمُّ الطَّلَبِ بِالثَّأْرِ . وَقِيلَ : مَعْنَى وُتِرَ أُخِذَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ فَصَارَ وَتْرًا أَيْ فَرْدًا ، وَيُؤَيِّدُ الَّذِي قَبْلَهُ رِوَايَةُ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّغْلِيظُ عَلَى مَنْ تَفُوتُهُ الْعَصْرُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهَا . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ خَرَجَ جَوَابًا لِسَائِلٍ سَأَلَ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ فَأُجِيبَ ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إِلْحَاقَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ بِهَا . وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُلْحَقُ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ إِذَا عُرِفَتِ الْعِلَّةُ وَاشْتَرَكَا فِيهَا . قَالَ : وَالْعِلَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ لَمْ تَتَحَقَّقْ فَلَا يَلْتَحِقُ غَيْرُ الْعَصْرِ بِهَا . انْتَهَى . وَهَذَا لَا يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَ . وَقَدِ احْتَجَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا : مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً حَتَّى تَفُوتَهُ الْحَدِيثَ . قُلْتُ : وَفِي إِسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ ؛ لِأَنَّ أَبَا قِلَابَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ . وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِلَفْظِ : مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ فَرَجَعَ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِلَى تَعْيِينِ الْعَصْرِ . وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ . وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَوْفَلٍ بِلَفْظِ : لَأَنْ يُوتَرَ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ وَمَالَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَفُوتَهُ وَقْتُ صَلَاةٍ وَهَذَا أَيْضًا ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ . وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَيْضًا تَرْجِيحُ تَوْجِيهِ رِوَايَةِ النَّصْبِ الْمُصَدَّرِ بِهَا ، لَكِنَّ الْمَحْفُوظَ مِنْ حَدِيثِ نَوْفَلٍ بِلَفْظِ مِنَ الصَّلَوَاتِ صَلَاةً مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَزَادَ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ : قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ - مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ ؟ قَالَ : الْعَصْرُ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَصَرَّحَ بِكَوْنِهَا الْعَصْرَ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ كَوْنَهَا الْعَصْرَ مِنْ تَفْسِيرِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَفِيهِ أَنَّ التَّفْسِيرَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، فَالظَّاهِرُ اخْتِصَاصُ الْعَصْرِ بِذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِتَفْوِيتِهَا إِخْرَاجُهَا عَنْ وَقْتِهَا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ نَافِعٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ : قُلْتُ لِنَافِعٍ : حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَتَفْسِيرُ الرَّاوِي إِذَا كَانَ فَقِيهًا أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ ، لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَفَوَاتُهَا أَنْ تَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي خُرُوجِ وَقْتِ الْعَصْرِ . وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْمُرَادَ إِخْرَاجُهَا عَنِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الشُّرَّاحِ : إِنَّمَا أَرَادَ فَوَاتَهَا فِي الْجَمَاعَةِ لَا فَوَاتَهَا بِاصْفِرَارِ الشَّمْسِ أَوْ بِمَغِيبِهَا . قَالَ : وَلَوْ كَانَ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا كُلِّهِ لَبَطَلَ اخْتِصَاصُ الْعَصْرِ ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْوَقْتِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَنُوقِضَ بِعَيْنِ مَا ادَّعَاهُ ؛ لِأَنَّ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ صَلَاةٍ لَكِنْ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ أَنَّ الْعَصْرَ اخْتَصَّتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ الْمُتَعَاقِبِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِيهَا ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْفَجْرَ أَيْضًا فِيهَا اجْتِمَاعُ الْمُتَعَاقِبِينَ فَلَا يَخْتَصُّ الْعَصْرُ بِذَلِكَ ، قَالَ : وَالْحَقُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْتَصُّ مَا شَاءَ مِنَ الصَّلَوَاتِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْفَضِيلَةِ . انْتَهَى . وَبَوَّبَ التِّرْمِذِيُّ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ مَا جَاءَ فِي السَّهْوِ عَنْ وَقْتِ الْعَصْرِ فَحَمَلَهُ عَلَى السَّاهِي ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ يَلْحَقُهُ مِنَ الْأَسَفِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الثَّوَابِ لِمَنْ صَلَّى مَا يَلْحَقُ مَنْ ذَهَبَ مِنْهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ ، وَقَدْ رُوِيَ بِمَعْنَى ذَلِكَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ أَسَفَ الْعَامِدِ أَشَدُّ ، لِاجْتِمَاعِ فَقْدِ الثَّوَابِ وَحُصُولِ الْإِثْمِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى تَحْقِيرِ الدُّنْيَا ، وَأَنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهَا . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَا يُوجَدُ حَدِيثٌ يَقُومُ مَقَامَ هَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَقَالَ : وَلَا يُوجَدُ حَدِيثٌ فِيهِ تَكْيِيفُ الْمُحَافَظَةِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِثْمُ مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ · ص 37 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إثم من فاتته العصر · ص 112 14 - باب إثم من فاتته العصر 552 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) . قال أبو عبد الله : يَتِرَكُمْ وترت الرجل ، إذا قتلت له قتيلا ، وأخذت ماله . فوات صلاة العصر : أريد به : فواتها في وقتها كله ، كذا فسره ابن عبد البر وغيره . وقد فسره الأوزاعي : بفوات وقت الاختيار ، بعد أن روى هذا الحديث عن نافع ، قال الأوزاعي : وذلك أن ترى ما على الأرض من الشمس مصفرا . خرجه أبو داود في سننه ومحمد بن يحيى الهمداني في صحيحه . وقد أدرج بعضهم هذا في الحديث : قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه الوليد ، عن الأوزاعي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من فاتته صلاة العصر - وفواتها : أن تدخل الشمس صفرة - فكأنما وتر أهله وماله ) ؟ فقال أبي : التفسير من قول نافع . انتهى . وقد تبين أنه من قول الأوزاعي كما سبق . وقد رويت هذه اللفظة من حديث حجاج والأوزاعي ، عن الزهري ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وروى هذا الحديث الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . خرجه من طريقه مسلم . ورواه حفص بن غيلان ، عن سالم ، وزاد فيه : في جماعة . وهذه - أيضا - مدرجة ، وكأنها في تفسير بعض الرواة ، فسر فواتها المراد في الحديث بفوات الجماعة لها ، وإن صلاها في وقتها ، وفي هذا نظر . وعلى تفسير الأوزاعي يكون المراد : تأخيرها إلى وقت الكراهة ، وإن صلاها في وقتها المكروه . وعلى مثل ذلك يحمل ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد ، أنه قال : إن الرجل ليصلي الصلاة وما فاتته ، ولما فاته من وقتها أعظم - أو أفضل - من أهله وماله . وقد رواه الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد ، عن يعلى بن مسلم ، عن طلق بن حبيب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا . ورواه جعفر بن عون ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن المنكدر ، عن يعلى ، عن طلق ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ورواه حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن المنكدر ، عن طلق بن حبيب ، قال : كان يقال ، فذكره ، ولم يذكر : النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه محمد بن نصر المروزي من هذه الوجوه كلها . وقد روي موصولا من وجوه أخر : فروى وكيع في كتابه عن شعبة عن سعد بن إبراهيم ، عن الزهري ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الرجل ليدرك الصلاة ، وما فاته من وقتها خير له من أهله وماله . ورواه نعيم بن حماد ، عن ابن المبارك ، عن شعبة ، به . والزهري لم يسمع من ابن عمر عند جماعة ، وقيل : سمع منه حديثا أو حديثين . ورواه هشيم ، عن يعلى بن عطاء ، عن الوليد بن عبد الرحمن القرشي ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه . خرجه محمد بن نصر المروزي . والوليد هذا ، لا أعرفه ، إلا أن يكون الجرشي الحمصي ، فإنه ثقة معروف . وروى إبراهيم بن الفضل المدني ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إن أحدكم ليصلي الصلاة لوقتها ، وقد ترك من الوقت الأول ما هو خير له من أهله وماله ) . خرجه الدارقطني . وإبراهيم هذا ، ضعيف جدا . ورواه - أيضا - يعقوب بن الوليد المدني ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه . ويعقوب هذا ، منسوب إلى الكذب . قال ابن عبد البر في الاستذكار : وقد روي هذا الحديث من وجوه ضعيفة . وزعم في التمهيد أن حديث أبي هريرة هذا حسن ، وليس كما قال . قال ابن عبد البر : كان مالك - فيما حكى عنه ابن القاسم - لا يعجبه قول يحيى بن سعيد هذا - يعني : الذي حكاه عنه في الموطأ . وذكر ابن عبد البر أن سبب كراهة مالك لذلك - والله أعلم - أن وقت الصلاة كله يجوز الصلاة فيه ، كما قال : ما بين هذين وقت ، ولم يقل : أوله أفضل . والذي يصح عندي في ذلك : أن مالكا إنما أنكر قول يحيى بن سعيد ؛ لأنه إنما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ذلك فيمن فاتته العصر بالكلية حتى غربت الشمس ، فكأن مالكا لم ير أن بين أول الوقت ووسطه وآخره من الفضل ما يبلغ ذهاب الأهل والمال ؛ لأن ذلك إنما هو في ذهاب الوقت كله . وفي هذا الحديث : أن ذهاب بعض الوقت كذهاب الوقت كله ، وهذا لا يقوله أحد من العلماء ، لا من فضل أول الوقت على آخره ، ولا من سوى بينهما ؛ لأن فوت بعض الوقت مباح ، وفوت الوقت كله لا يجوز ، وفاعله عاص لله إذا تعمد ذلك ، وليس كذلك من صلى في وسط الوقت وآخره ، وإن كان من صلى في [أول] وقته أفضل منه . انتهى . وقد تقدم أن الأوزاعي حمله على من فوت وقت الاختيار ، وصلى في وقت الضرورة ، وهو يدل على أنه يرى أن التأخير إليه محرم ، كما هو أحد الوجهين لأصحابنا ، وهو قول ابن وهب وغيره . ومنهم من حمله على من فوتها حتى غربت الشمس بالكلية . وظاهر تبويب البخاري يدل على أن الحديث محمول على من فوت العصر عمدا لتبويبه عليه : باب : إثم من فاتته العصر . فأما من نام عنها أو نسيها فإن كفارته أن يصليها إذا ذكرها ، وإذا كان ذلك كفارة له فكأنه قد أدرك بذلك فضلها في وقتها . وفي هذا نظر ، ولا يلزم من الإتيان بالكفارة إدراك فضل ما فاته من العمل ، وفي الحديث : من ترك الجمعة فليتصدق بدينار ، أو بنصف دينار ، ولا يلزم من ذلك أن يلحق فضل من شهد الجمعة . ولهذا المعنى يقول مالك والأوزاعي وغيرهما فيمن صلى في الوقت صلاة فيها بعض نقص : إنها تعاد في الوقت ، ولا تعاد بعده ؛ لأن نقص فوات الوقت أشد من ذلك النقص المستدرك بالإعادة بعده ، فلا يقوم الإتيان به خارج الوقت مقام الإتيان به في الوقت ، بل الإتيان في الوقت بالصلاة على وجه فيه نقص أكمل من الإتيان بالصلاة كاملة في غير الوقت . ويدل على ما قاله البخاري : ما خرجه الإمام أحمد من رواية حجاج بن أرطاة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : الذي تفوته صلاة العصر متعمدا حتى تغرب الشمس فكأنما وتر أهله وماله . ويدل عليه - أيضا - حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فلم تفته . خرجه الإمام أحمد من رواية يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ورواه أبو غسان وهشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه . وقد روي ما يدل على أن الناسي لا تكون الصلاة فائتة له كالنائم : فروى الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة الأنصاري - فذكر قصة نومهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس - ، وفيه : قال : فقلت : يا رسول الله ، هلكنا ، فاتتنا الصلاة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لم تهلكوا ولم تفتكم الصلاة ، وإنما تفوت اليقظان ولا تفوت النائم ) - وذكر الحديث . وقد حمل بعض السلف هذا الحديث على من فاتته العصر بكل حال ، وإن كان ناسيا . فروى زهير بن معاوية : نا أسيد بن شبرمة الحارثي ، قال : سمعت سالما يحدث عن عبد الله بن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) قال : فقلت : وإن نسي ؟ قال : وإن نسي ، فصلاة ينساها أشد عليه من ذهاب أهله وماله . خرجه الدارقطني في أول كتابه المختلف والمؤتلف . وذكر أن أسيد بن شبرمة ، يقال : فيه أسيد - أيضا - بالضم ، قال : ولا أعرف له غير هذا الحديث ، وحديث آخر رواه عن الزهري . وقوله : وتر أهله وماله . قيل : معناه : حرب أهله وماله وسلبهما ، من وترت فلانا إذا قتلت حميمه ، والوتر : الحقد ، بكسر الواو ، ولا يجوز فتحها ، وذلك أبلغ من ذهاب الأهل والمال على غير هذا الوجه ، لأن الموتور يهم بذهاب ما ذهب منه ويطلب ثأره حتى يأخذ به . وقيل : معناه : أفرد عن أهله وماله ، من الوتر - بكسر الواو وفتحها - ، وهو الفرد - أي : صار هو فردا عن أهله وماله . وعلى هذا والذي قبله ، فالمعنى : ذهاب جميع أهله وماله . وقيل : معناه : قلل ونقص ، ومنه : قوله تعالى : وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ و ( أهله وماله ) : روايتهما بنصب اللام ، على أنه مفعول ثان لـ وتر ؛ لأن ( وتر ) و ( نقص ) يتعديان إلى مفعولين ، ولو روي بضم اللام على المفعول الأول لم يكن لحنا ، غير أن المحفوظ في الرواية الأول : قاله الحافظ أبو موسى المديني . وقال أبو الفرج ابن الجوزي في كشف المشكل : في إعراب الأهل والمال ، قولان : أحدهما : نصبهما ، وهو الذي سمعناه وضبطناه على أشياخنا في كتاب أبي عبيد وغيره ، ويكون المعنى : فكأنما وتر في أهله وماله ، فلما حذف الخافض انتصب . والثاني : رفعهما على من لم يسم فاعله ، والمعنى : نقصا . وكأنه يشير إلى أن النصب والرفع يبنى على الاختلاف في معنى وتر : هل هو بمعنى : سلب ، أو بمعنى : نقص ؟ والله أعلم . وفي الحديث : دليل على تعظيم قدر صلاة العصر عند الله عز وجل وموقعها من الدين ، وأن الذي تفوته قد فجع بدينه وبما ذهب منه ، كما يفجع من ذهب أهله وماله . وهذا مما يستدل به على أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى المأمور بالمحافظة عليها خصوصا بعد الأمر بالمحافظة على الصلوات عموما . وقد زعم بعض العلماء : أن هذا لا يختص بفوات العصر ، وأن سائر الصلوات فواتها كفوات العصر في ذلك ، وأن تخصيص العصر بالذكر إنما كان بسؤال سائل سأل عنه فأجيب ، ورجحه ابن عبد البر ، وفيه نظر . وقد يستدل له بما خرجه الإمام أحمد وغيره من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : من ترك الصلاة سكرا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها ، فسلبها . واستدل من قال : إن جميع الصلوات كصلاة العصر في ذلك بما روى ابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن نوفل بن معاوية الديلي ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله . قال : وهذا يعم جميع الصلوات ، فإن الاسم المعرف بالألف واللام كما في قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وهذا ليس بمتعين ؛ لجواز أن يكون الألف واللام هنا للعهد ، كما في قوله تعالى تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ على تأويل من فسرها بصلاة العصر . وحديث نوفل بن معاوية قد اختلف في إسناده ومتنه ، وقد خرجه البخاري ومسلم في الصحيحين في ضمن حديث آخر تبعا لغيره مخرجا من حديث صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن ابن المسيب وأبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ... الحديث . وعن الزهري : حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود ، عن نوفل بن معاوية ، مثل حديث أبي هريرة ، إلا أن أبا بكر يزيد : من الصلاة صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله . كذا خرجه البخاري في علامات النبوة من صحيحه ، وخرجه مسلم في كتاب الفتن . وكذا رواه عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري بهذا الإسناد لحديث نوفل . ورواه ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، فأسقط من إسناده : عبد الرحمن بن مطيع . وكذلك روي عن معن ، عن مالك ، عن الزهري . قال النسائي : أخاف أن لا يكون محفوظا ، عن مالك ، ولعله : معن ، عن ابن أبي ذئب . وقد روي ، عن ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن نوفل ، وهو وهم على ابن أبي ذئب . وأما الاختلاف في متن الحديث ، فقد روي عن [ابن] أبي ذئب أنه قال في الحديث : من فاتته الصلاة كما تقدم ، وروي عنه أنه قال في حديثه : من فاتته صلاة وروي عنه في حديثه : من فاتته صلاة العصر . وفي رواية له : من فاتته الصلاة وفي آخر الحديث - قلت لأبي بكر : ما هذه الصلاة ؟ قال : هي العصر ؛ سمعت ابن عمر يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من فاتته صلاة العصر - الحديث . وفي رواية : قال أبو بكر : لا أدري . وقد خرجه الإمام أحمد بالوجهين ، وهذه الرواية إن كانت محفوظة فإنها تدل على أن الزهري سمعه من أبي بكر بن عبد الرحمن ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما سمعه من سالم ، عن أبيه . وقد أشار الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله إلى أن الصحيح حديث الزهري ، عن سالم ، عن أبيه كما سبق . ويدل على صحة ما ذكره : أن البيهقي خرج حديث ابن أبي ذئب ، ولفظه : من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله ، وزاد : قال ابن شهاب : فقلت : يا أبا بكر ، أتدري أنت [أية] صلاة هي ؟ قال ابن شهاب : بلغني أن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله . قال : ورواه أبو داود الطيالسي ، عن ابن أبي ذئب ، وقال في آخره : قال الزهري : فذكرت ذلك لسالم ، فقال : حدثني أبي ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك صلاة العصر . وأما رواية صالح بن كيسان ، عن الزهري المخرجة في الصحيحين ، فقد سبق لفظها ، وهو : إن في الصلاة صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله . ولحديث نوفل طريق آخر : من رواية جعفر بن ربيعة ، عن عراك بن مالك ، عن نوفل بن معاوية ، أنه حدثه ، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من فاتته صلاة فكأنما وتر أهله وماله . قال عراك : فأخبرني عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله . خرجه النسائي . وخرجه - أيضا - من طريق الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عراك ، أنه بلغه أن نوفل بن معاوية قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من الصلاة ، صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله ؛ قال ابن عمر : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : هي صلاة العصر . وخرجه - أيضا - من طريق ابن إسحاق : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن عراك ، قال : سمعت نوفل بن معاوية يقول : صلاة ، من فاتته فكأنما وتر أهله وماله ؛ قال ابن عمر : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هي صلاة العصر . ففي رواية ابن إسحاق وجعفر بن ربيعة : أن عراكا سمعه من نوفل ، وفي حديث الليث : أن عراكا بلغه عن نوفل . قال أبو بكر الخطيب : الحكم يوجب القضاء في هذا الحديث لجعفر بن ربيعة بثبوت اتصاله للحديث ؛ لثقته وحفظه . قال : ورواية الليث ليست تكذيبا ؛ لأنه يجوز أن يكون عراك بلغه الحديث عن نوفل ثم سمعه منه ، فرواه على الوجهين جميعا . انتهى . وخرج الطحاوي حديث ابن إسحاق بزيادة حسنة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عراك بن مالك ، قال : سمعت نوفل بن معاوية وهو جالس مع عبد الله بن عمر بسوق المدينة يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وماله فقال ابن عمر : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هي العصر . وهذه الرواية إن كانت محفوظة دلت على سماع عراك للحديث من نوفل وابن عمر . وقال البيهقي : الحديث محفوظ عنهما جميعا ؛ رواه عراك عنهما ، إما بلاغا أو سماعا . وهذا يدل على توقفه في سماع عراك له منهما .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إثم من فاتته العصر · ص 37 ( باب إثم من فاتته العصر ) أي هذا باب في بيان إثم من فاتته صلاة العصر ، والمراد بفواتها : تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر ؛ لأن ترتب الإثم على ذلك . 29 - ( حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله ) . رجال هذا الحديث ولطائف إسناده قد مررت غير مرة . وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضا من طريق مالك ، وأخرجه الكشي من حديث حماد بن سلمة ، عن نافع ، وزاد في آخره : وهو قاعد ، وكذا رواه النسائي ، عن نوفل بن معاوية ، كرواية ابن عمر ، وفي ( الأوسط ) للطبراني : إن نوفلا رواه عن أبيه معاوية بلفظ : لأن يوتر أحدكم أهله وماله ، خير له من أن تفوته صلاة العصر . وقال الذهبي : نوفل بن معاوية الديلي شهد الفتح ، وتوفي بالمدينة سنة يزيد ، روى عنه جماعة . وقال في باب الميم : معاوية بن نوفل الديلي صحابي ، روى عنه ابنه ، قوله : ( صلاة العصر ) في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : يفوته العصر ، قوله : ( كأنما ) كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : فكأنما ، بالفاء والمبتدأ إذا تضمن معنى الشرط جاز في خبره الفاء وتركها ، قوله : ( وتر أهله وماله ) بنصب اللامين في رواية الأكثرين ؛ لأنه مفعول ثان ، لقوله وتر ، وهو على صيغة المجهول ، والضمير فيه يرجع إلى قوله : ( الذي تفوته صلاة العصر ) ، وهو المفعول الأول ، فإن قلت : الفعل الذي يقتضي المفعولين يكون من أفعال القلوب ، ووتر ليس منها ، ( قلت ) : إذا كان أحد المفعولين غير صريح يأتي أيضا من غير أفعال القلوب ، وهاهنا كذلك ووتر هاهنا متعد إلى مفعولين بهذا الوجه وذلك كما في قوله تعالى : وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ أي : لن ينقصكم أعمالكم ، فعلى هذا المعنى في وتر نقص ، من وترته : إذا نقصته ، فكأنك جعلته وترا بعد أن كان كثيرا ، وقيل : معناه هاهنا سلب أهله وماله فبقي وترا ليس له أهل ولا مال . وقال النووي : روي برفع اللامين ، ( قلت ) : هي رواية المستملي ، وجهها أنه لا يضمر شيء في وتر ، بل يقوم الأهل مقام ما لم يسم فاعله ، وماله عطف عليه . وقال ابن الأثير : من رد النقص إلى الرجل نصبهما ، ومن رده إلى الأهل والمال رفعهما ، وقيل : معناه وتر في أهله ، فلما حذف الخافض انتصب ، وقيل : إنه بدل اشتمال أو بدل بعض ، ومعناه : انتزع منه أهله وماله . وقال الجوهري : الموتر الذي قتل له قتيل ، فلم يدرك بدمه تقول منه : وتره يتره وترا ووترا وترة ، ( قلت ) : أصل ترة : وتر ، فحذفت منها الواو تبعا لفعله المضارع ، وهو يتر ؛ لأن أصله يوتر ، فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ، فلما حذفت الواو في المصدر عوض عنها التاء ، كما في عدة . وتكلموا في معنى هذا الحديث ، فقال الخطابي : نقص هو أهله وماله ، وسلبهم فبقي بلا أهل ولا مال ، فليحذر من يفوتها كحذره من ذهاب أهله وماله . وقال أبو عمر : معناه كالذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وترا ، وهي الجناية التي تطلب ثأرها ، فيجتمع عليه غمان : غم المصيبة وغم مقاساة طلب الثأر . وقال الداودي : يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على من فقد أهله وماله ، فيتوجه عليه الندم والأسف لتفويته الصلاة ، وقيل : معناه : فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف ، كما يلحق من ذهب أهله وماله ، ثم اختلفوا في المراد بفوات العصر في هذا الحديث ، فقال ابن وهب وغيره : هو فيمن لم يصلها في وقتها المختار . وقال الأصيلي : وسحنون هو أن تفوته بغروب الشمس ، وقيل : أن يفوتها إلى أن تصفر الشمس ، وقد ورد مفسرا في رواية الأوزاعي في هذا الحديث قال : وفواتها أن تدخل الشمس صفرة ، وروى سالم عن أبيه أنه قال : هذا فيمن فاتته ناسيا . وقال الداودي : هذا في العامد ، وكأنه أظهر لما في البخاري من ترك صلاة العصر حبط عمله ، وهذا ظاهر في العمد . وقال المهلب : هو فواتها في الجماعة لما يفوته من شهود الملائكة الليلية والنهارية ، ولو كان فواتها بغيبوبة أو اصفرار لبطل الاختصاص ؛ لأن ذهاب الوقت كله موجود في كل صلاة . وقال أبو عمر : يحتمل أن يكون تخصيص العصر لكونه جوابا لسائل سأل عن صلاة العصر ، وعلى هذا يكون حكم من فاته الصبح بطلوع الشمس والعشاء بطلوع الفجر كذلك ، وخصت العصر لفضلها ولكونها مشهودة ، وقيل : خصت بذلك تأكيدا وحضا على المثابرة عليها ؛ لأنها تأتي في وقت اشتغال الناس ، وقيل : يحتمل أنها خصت بذلك ؛ لأنها على الصحيح أنها الصلاة الوسطى ، وبها تختم الصلوات ، واعترض النووي لابن عبد البر في قوله : ( فعلى هذا يكون حكم من فاته الصبح إلى آخره ) ، فإن غير المنصوص ، إنما يلحق بالمنصوص إذا عرفت العلة ، واشتركا فيها ، قال : والعلة في هذا الحكم لم تتحقق فلا يلحق غير العصر بها ، انتهى . قلت : لقائل أن يحتج لابن عبد البر بما رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق أبي قلابة ، عن أبي الدرداء مرفوعا : من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته ، الحديث . ورد بأن في إسناده انقطاعا ؛ لأن أبا قلابة لم يسمع من أبي الدرداء ، وقد روى أحمد حديث أبي الدرداء بلفظ : من ترك العصر ، فرجع حديث أبي الدرداء إلى تعيين العصر ، ( قلت ) : روى ابن حبان وغيره عن نوفل بن معاوية مرفوعا : من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله ، وقد ذكرناه عن قريب وهذا يشمل جميع الصلوات المكتوبات ، ولكن روى الطبراني هذا الحديث ، أعني : حديث الباب من وجه آخر ، وزاد فيه عن الزهري ، قلت لأبي بكر : يعني ابن عبد الرحمن ، وهو الذي حدثه به : ما هذه الصلاة ؟ قال : العصر ، ورواه ابن أبي خيثمة من وجه آخر فصرح بكونها العصر في نفس الخبر ، ورواه الطحاوي والبيهقي من وجه آخر فصرحا بكونها العصر في نفس الخبر ، ورواه الطحاوي من وجه آخر ، وفيه إن التفسير من قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، واعترض ابن المنير على قول المهلب المذكور عن قريب بأن الفجر أيضا فيها شهود الملائكة الليلية والنهارية فلا يختص العصر بذلك ، قال : والحق أن الله تعالى يخص ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة ، وبوب الترمذي على حديث الباب ما جاء في السهو عن وقت العصر ، فحمله على الساهي ، ( قلت ) : لا تطابق بين ترجمته وبين الحديث ، فإن لفظ الحديث الذي تفوته أعم من أن يكون ساهيا أو عامدا ، وتخصيصه بالساهي لا وجه له بل القرينة دالة على أن المراد بهذا الوعيد في العامد دون الساهي . ( قال أبو عبد الله : يتركم أعمالكم ، وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا أو أخذت له مالا ) . أبو عبد الله هو البخاري ، وأشار بذلك إلى أن لفظة يتركم في قوله تعالى : وَلَنْ يَتِرَكُمْ حيث نصب يتر مفعولين أحدهما كاف الخطاب ، والثاني لفظ أعمالكم ، وأنه متعد إلى مفعولين ، وهذا يؤيد نصب اللامين في الحديث ، وأشار بقوله : ( وترت الرجل ) إلى أنه يتعدى إلى مفعول واحد ، وهو يؤيد رواية المستملي .