حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إثم من فاتته العصر

ج٥ / ص٣٨( باب إثم من فاتته العصر )

29 - ( حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله ) . رجال هذا الحديث ولطائف إسناده قد مررت غير مرة .

وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضا من طريق مالك ، وأخرجه الكشي من حديث حماد بن سلمة ، عن نافع ، وزاد في آخره : وهو قاعد ، وكذا رواه النسائي ، عن نوفل بن معاوية ، كرواية ابن عمر ، وفي ( الأوسط ) للطبراني : إن نوفلا رواه عن أبيه معاوية بلفظ : لأن يوتر أحدكم أهله وماله ، خير له من أن تفوته صلاة العصر . وقال الذهبي : نوفل بن معاوية الديلي شهد الفتح ، وتوفي بالمدينة سنة يزيد ، روى عنه جماعة . وقال في باب الميم : معاوية بن نوفل الديلي صحابي ، روى عنه ابنه ، قوله : ( صلاة العصر ) في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : يفوته العصر ، قوله : ( كأنما ) كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : فكأنما ، بالفاء والمبتدأ إذا تضمن معنى الشرط جاز في خبره الفاء وتركها ، قوله : ( وتر أهله وماله ) بنصب اللامين في رواية الأكثرين ؛ لأنه مفعول ثان ، لقوله وتر ، وهو على صيغة المجهول ، والضمير فيه يرجع إلى قوله : ( الذي تفوته صلاة العصر ) ، وهو المفعول الأول ، فإن قلت : الفعل الذي يقتضي المفعولين يكون من أفعال القلوب ، ووتر ليس منها ، ( قلت ) : إذا كان أحد المفعولين غير صريح يأتي أيضا من غير أفعال القلوب ، وهاهنا كذلك ووتر هاهنا متعد إلى مفعولين بهذا الوجه وذلك كما في قوله تعالى : وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ أي : لن ينقصكم أعمالكم ، فعلى هذا المعنى في وتر نقص ، من وترته : إذا نقصته ، فكأنك جعلته وترا بعد أن كان كثيرا ، وقيل : معناه هاهنا سلب أهله وماله فبقي وترا ليس له أهل ولا مال .

وقال النووي : روي برفع اللامين ، ( قلت ) : هي رواية المستملي ، وجهها أنه لا يضمر شيء في وتر ، بل يقوم الأهل مقام ما لم يسم فاعله ، وماله عطف عليه . وقال ابن الأثير : من رد النقص إلى الرجل نصبهما ، ومن رده إلى الأهل والمال رفعهما ، وقيل : معناه وتر في أهله ، فلما حذف الخافض انتصب ، وقيل : إنه بدل اشتمال أو بدل بعض ، ومعناه : انتزع منه أهله وماله . وقال الجوهري : الموتر الذي قتل له قتيل ، فلم يدرك بدمه تقول منه : وتره يتره وترا ووترا وترة ، ( قلت ) : أصل ترة : وتر ، فحذفت منها الواو تبعا لفعله المضارع ، وهو يتر ؛ لأن أصله يوتر ، فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ، فلما حذفت الواو في المصدر عوض عنها التاء ، كما في عدة .

وتكلموا في معنى هذا الحديث ، فقال الخطابي : نقص هو أهله وماله ، وسلبهم فبقي بلا أهل ولا مال ، فليحذر من يفوتها كحذره من ذهاب أهله وماله . وقال أبو عمر : معناه كالذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وترا ، وهي الجناية التي تطلب ثأرها ، فيجتمع عليه غمان : غم المصيبة وغم مقاساة طلب الثأر . وقال الداودي : يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على من فقد أهله وماله ، فيتوجه عليه الندم والأسف لتفويته الصلاة ، وقيل : معناه : فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف ، كما يلحق من ذهب أهله وماله ، ثم اختلفوا في المراد بفوات العصر في هذا الحديث ، فقال ابن وهب وغيره : هو فيمن لم يصلها في وقتها المختار .

وقال الأصيلي : وسحنون هو أن تفوته بغروب الشمس ، وقيل : أن يفوتها إلى أن تصفر الشمس ، وقد ورد مفسرا في رواية الأوزاعي في هذا الحديث قال : وفواتها أن تدخل الشمس صفرة ، وروى سالم عن أبيه أنه قال : هذا فيمن فاتته ناسيا . وقال الداودي : هذا في العامد ، وكأنه أظهر لما في البخاري من ترك صلاة العصر حبط عمله ، وهذا ظاهر في العمد . وقال المهلب : هو فواتها في الجماعة لما يفوته من شهود الملائكة الليلية والنهارية ، ولو كان فواتها بغيبوبة أو اصفرار لبطل الاختصاص ؛ لأن ذهاب الوقت كله موجود في كل صلاة .

وقال أبو عمر : يحتمل أن يكون تخصيص العصر لكونه جوابا لسائل سأل عن صلاة العصر ، وعلى هذا يكون حكم من فاته الصبح بطلوع الشمس والعشاء بطلوع الفجر كذلك ، وخصت العصر لفضلها ولكونها مشهودة ، وقيل : خصت بذلك تأكيدا وحضا على المثابرة عليها ؛ لأنها تأتي في وقت اشتغال الناس ، وقيل : يحتمل أنها خصت بذلك ؛ لأنها ج٥ / ص٣٩على الصحيح أنها الصلاة الوسطى ، وبها تختم الصلوات ، واعترض النووي لابن عبد البر في قوله : ( فعلى هذا يكون حكم من فاته الصبح إلى آخره ) ، فإن غير المنصوص ، إنما يلحق بالمنصوص إذا عرفت العلة ، واشتركا فيها ، قال : والعلة في هذا الحكم لم تتحقق فلا يلحق غير العصر بها ، انتهى . قلت : لقائل أن يحتج لابن عبد البر بما

رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق أبي قلابة ، عن أبي الدرداء مرفوعا : من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته ، الحديث . ورد بأن في إسناده انقطاعا ؛ لأن أبا قلابة لم يسمع من أبي الدرداء
، وقد روى أحمد حديث أبي الدرداء بلفظ : من ترك العصر ، فرجع حديث أبي الدرداء إلى تعيين العصر ، ( قلت ) : روى ابن حبان وغيره عن نوفل بن معاوية مرفوعا : من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله ، وقد ذكرناه عن قريب وهذا يشمل جميع الصلوات المكتوبات ، ولكن روى الطبراني هذا الحديث ، أعني : حديث الباب من وجه آخر ، وزاد فيه عن الزهري ، قلت لأبي بكر : يعني ابن عبد الرحمن ، وهو الذي حدثه به : ما هذه الصلاة ؟ قال : العصر ، ورواه ابن أبي خيثمة من وجه آخر فصرح بكونها العصر في نفس الخبر ، ورواه الطحاوي والبيهقي من وجه آخر فصرحا بكونها العصر في نفس الخبر ، ورواه الطحاوي من وجه آخر ، وفيه إن التفسير من قول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، واعترض ابن المنير على قول المهلب المذكور عن قريب بأن الفجر أيضا فيها شهود الملائكة الليلية والنهارية فلا يختص العصر بذلك ، قال : والحق أن الله تعالى يخص ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة ، وبوب الترمذي على حديث الباب ما جاء في السهو عن وقت العصر ، فحمله على الساهي ، ( قلت ) : لا تطابق بين ترجمته وبين الحديث ، فإن لفظ الحديث الذي تفوته أعم من أن يكون ساهيا أو عامدا ، وتخصيصه بالساهي لا وجه له بل القرينة دالة على أن المراد بهذا الوعيد في العامد دون الساهي .

( قال أبو عبد الله : يتركم أعمالكم ، وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا أو أخذت له مالا ) .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث