حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إثم من ترك العصر

( باب إثم من ترك العصر )

30 - ( حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا هشام ، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي المليح ، قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم ، فقال : بكروا بصلاة العصر ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك صلاة العصر ، فقد حبط عمله ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن الحديث يتضمن حبط العمل عند الترك ، والترجمة في إثم الترك .

( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي البصري القصاب ، يكنى أبا عمرو . الثاني هشام بن عبد الله الدستوائي . الثالث يحيى بن أبي كثير .

الرابع أبو قلابة بكسر القاف عبد الله بن زيد الحرمي . الخامس أبو المليح بفتح الميم وكسر اللام وبالحاء المهملة ، واسمه عامر بن أسامة الهذلي ، مات سنة ثمان وتسعين . السادس بريدة بضم الباء الموحدة ، وفتح الراء وسكون الياء ، آخر الحروف وبالدال المهملة ابن الحصيب بضم الحاء المهملة ، وفتح الصاد المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره باء موحدة الأسلمي ، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة حديث وأربعة وستون حديثا للبخاري ، منها ثلاثة ، مات غازيا بمرو ، وهو آخر من مات من الصحابة بخراسان سنة اثنتين وستين .

ج٥ / ص٤٠( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع باتفاق الرواة ، عن مسلم بن إبراهيم ، وفيه التحديث بصيغة الجمع ، عن هشام عند أبي ذر وعند غيره ، أخبرنا بصيغة الجمع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع ، عن يحيى عند أبي ذر وعند غيره حدثنا ، وفيه العنعنة ، عن أبي قلابة ، عن أبي المليح وعند ابن خزيمة من طريق أبي داود الطيالسي ، عن هشام ، عن يحيى أن أبا قلابة حدثه ، وعند البخاري في باب التبكير بالصلاة في يوم الغيم ، عن معاذ بن فضالة ، عن هشام ، عن يحيى ، عن أبي قلابة أن أبا المليح حدثه ، وفيه ثلاثة من التابعين على الولاء ، وفيه أن الرواة كلهم بصريون ، وفيه القول في ثلاثة مواضع . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا ، عن معاذ بن فضالة ، وأخرجه النسائي في الصلاة أيضا ، عن عبيد الله بن سعيد ، عن يحيى ، عن هشام به ، ورواه ابن خزيمة ، كما رواه البخاري ، وأخرجه ابن ماجه وابن حبان من حديث الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهاجر عنه ، قال ابن حبان : وهم الأوزاعي في تصحيفه ، عن يحيى ، فقال : عن أبي المهاجر ، وإنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة ، عن عمه عنه على الصواب ، واعترض عليه الضياء المقدسي ، فقال : الصواب أبو المليح ، عن أبي بريدة . ( ذكر معناه ) قوله : ( ذي غيم ) صفة يوم ومحل في غزوة ، وفي يوم نصب على الحال ، وإنما خص يوم الغيم ؛ لأنه مظنة التأخير ؛ لأنه ربما يشتبه عليه ، فيخرج الوقت بغروب الشمس ، قوله : ( بكروا ) ، أي : أسرعوا وعجلوا وبادروا ، وكل من بادر إلى الشيء ، فقد بكر وأبكر إليه ، أي وقت كان يقال : بكروا بصلاة المغرب ، أي : صلوها عند سقوط القرص ، قوله : ( من ترك ) كلمة من موصولة تتضمن معنى الشرط في محل الرفع على الابتداء وخبره ، ( فقد حبط عمله ) ودخول الفاء فيه لأجل تضمن المبتدأ معنى الشرط ، وحبط بكسر الباء الموحدة ، أي : بطل ، يقال : حبط يحبط من باب علم يعلم ، يقال : حبط عمله وأحبطه غيره ، وهو من قولهم : حبطت الدابة حبطا بالتحريك : إذا أصابت مرعى طيبا ، فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت ، وزاد معمر في رواية هذا الحديث لفظ : متعمدا ، وكذا أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء ، وفي رواية معمر : أحبط الله عمله ، وسقط من رواية المستملي لفظ : فقد .

( ذكر ما يستفاد منه ) وهو على وجوه : الأول : احتج به أصحابنا على أن المستحب تعجيل العصر يوم الغيم . الثاني : احتج به الخوارج على تكفير أهل المعاصي قالوا : وهو نظير ، قوله تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ورد عليهم أبو عمر بأن مفهوم الآية : إن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله ، فيتعارض مفهوم الآية ، ومنطوق الحديث ، فإذا كان كذلك يتعين تأويل الحديث ؛ لأن الجمع إذا كان ممكنا كان أولى من الترجيح ، ونذكر عن قريب وجه الجمع إن شاء الله تعالى . الثالث : احتج به بعض الحنابلة أن تارك الصلاة يكفر ، ورد بأن ظاهره متروك ، والمراد به : التغليظ والتهديد ، والكفر ضد الإيمان ، وتارك الصلاة لا ينفى عنه الإيمان ، وأيضا لو كان الأمر كما قالوا لما اختصت العصر بذلك ، وأما وجه اختصاص العصر بذلك ، فلأنه وقت ارتفاع الأعمال ووقت اشتغال الناس بالبيع والشراء في هذا الوقت بأكثر من وقت غيره ، ووقت نزول ملائكة الليل ، وأما وجه الجمع فهو أن الجمهور تأولوا الحديث ، فافترقوا على فرق ، فمنهم من أول سبب الترك ، فقالوا : المراد من تركها جاحدا لوجوبها أو معترفا ، لكن مستخفا مستهزئا بمن أقامها ، وفيه نظر ؛ لأن الذي فهمه الراوي الصحابي ، إنما هو التفريط ، ولهذا أمر بالتبكير والمبادرة إليها وفهمه أولى من فهم غيره ، ومنهم من قال : المراد به من تركها متكاسلا ، لكن خرج الوعيد مخرج الزجر الشديد ، وظاهره غير مراد كقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يزني الزاني وهو مؤمن ) ومنهم من أول سبب الحبط فقيل : هو من مجاز التشبيه ، كأن المعنى : فقد أشبه من حبط عمله ، وقيل معناه : كاد أن يحبط ، وقيل : المراد من الحبط : نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى ، وكان المراد بالعمل الصلاة خاصة ، أي : لا يحصل على أجر من صلى العصر ، ولا يرتفع له عملها حينئذ ، وقيل : المراد بالحبط : الإبطال ، أي : بطل انتفاعه بعمله في وقت ينتفع به غيره في ذلك الوقت ، وفي ( شرح الترمذي ) ذكر أن الحبط على قسمين : حبط إسقاط ، وهو إحباط الكفر للإيمان ، وجميع الحسنات .

وحبط موازنة ، وهو إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تحصل النجاة فيرجع إليه جزاء حسناته ، وقيل : المراد بالعمل في الحديث العمل الذي كان سببا لترك الصلاة بمعنى : أنه لا ينتفع به ولا يتمتع ، وأقرب الوجوه في هذا ما قاله ابن بزيزة : إن هذا على وجه التغليظ ، وإن ظاهره غير مراد والله تعالى أعلم ؛ لأن الأعمال لا يحبطها إلا الشرك .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث