16 - بَاب فَضْلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ 554 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي الْبَدْرَ - فَقَالَ : إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ، ثُمَّ قَرَأَ : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ : افْعَلُوا ، لَا تَفُوتَنَّكُمْ . 899 قَوْلُهُ ( بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ ) أَيْ عَلَى جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ إِلَّا الصُّبْحَ ، وَإِنَّمَا حَمَلْتُهُ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَيِ الْبَابِ لَا يَظْهَرُ مِنْهُمَا رُجْحَانُ الْعَصْرِ عَلَيْهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ الْعَصْرَ ذَاتُ فَضِيلَةٍ لَا ذَاتُ أَفْضَلِيَّةٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ إِسْمَاعِيلَ مِنْ قَيْسٍ وَسَمَاعِ قَيْسٍ مِنْ جَرِيرٍ . قَوْلُهُ ( فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً ) زَادَ مُسْلِمٌ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَهُوَ خَالٍ مِنَ الْعَنْعَنَةِ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ فَضْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ . قَوْلُهُ : ( لَا تُضَامُونَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مُخَفَّفًا ، أَيْ لَا يَحْصُلُ لَكُمْ ضَيْمٌ حِينَئِذٍ ، وَرُوِيَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالتَّشْدِيدِ مِنَ الضَّمِّ ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ الِازْدِحَامِ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ . قَوْلُهُ ( فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَطْعِ أَسْبَابِ الْغَلَبَةِ الْمُنَافِيَةِ لِلِاسْتِطَاعَةِ كَالنَّوْمِ وَالشُّغْلِ وَمُقَاوَمَةِ ذَلِكَ بِالِاسْتِعْدَادِ لَهُ . وَقَوْلُهُ ( فَافْعَلُوا ) أَيْ عَدَمَ الْغَلَبَةِ ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَمَّا ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ الْمَذْكُورَةِ : فَلَا تَغْفُلُوا عَنْ صَلَاةٍ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ ( قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ) زَادَ مُسْلِمٌ يَعْنِي الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : قَالَ الْمُهَلَّبُ : قَوْلُهُ : فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَنْ صَلَاةٍ أَيْ فِي الْجَمَاعَةِ . قَالَ : وَخَصَّ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لِاجْتِمَاعِ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمَا ، وَرَفْعِهِمْ أَعْمَالَ الْعِبَادِ لِئَلَّا يَفُوتَهُمْ هَذَا الْفَضْلُ الْعَظِيمُ . قُلْتُ : وَعُرِفَ بِهَذَا مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ حَدِيثِ يَتَعَاقَبُونَ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ ، لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ تَقْيِيدِ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ فِي جَمَاعَةٍ ، وَإِنْ كَانَ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ مَعْلُومًا مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ ، بَلْ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَتَنَاوَلُ مَنْ صَلَّاهُمَا وَلَوْ مُنْفَرِدًا ، إِذْ مُقْتَضَاهُ التَّحْرِيضُ عَلَى فِعْلِهِمَا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ جَمَاعَةً أَوْ لَا . قَوْلُهُ ( فَافْعَلُوا ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ قَدْ يُرْجَى نَيْلُهَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ اهـ . وَقَدْ يُسْتَشْهَدُ لِذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ ، قَالَ : إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ . قَوْلُهُ ( ثُمَّ قَرَأَ ) كَذَا فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الْجَامِعِ ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي غَيْرِهِ بِإِبْهَامِ فَاعِلِ قَرَأَ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ صَرِيحًا ، وَحَمَلَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِإِسْنَادِ حَدِيثِ الْبَابِ ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ أَيِ الصَّحَابِيُّ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، فَظَهَرَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ وَمَا وَافَقَهُ إِدْرَاجٌ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَوَجْهُ مُنَاسَبَةِ ذِكْرِ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ عِنْدَ ذِكْرِ الرُّؤْيَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ الطَّاعَاتِ ، وَقَدْ ثَبَتَ لِهَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ مِنَ الْفَضْلِ عَلَى غَيْرِهِمَا مَا ذُكِرَ مِنَ اجْتِمَاعِ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمَا وَرَفْعِ الْأَعْمَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَهُمَا أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ ، فَنَاسَبَ أَنْ يُجَازى الْمُحَافِظَ عَلَيْهِمَا بِأَفْضَلِ الْعَطَايَا وَهُوَ النَّظَرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى . وَقِيلَ لَمَّا حَقَّقَ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى بِرُؤْيَةِ الْقَمَرِ وَالشَّمْسِ - وَهُمَا آيَتَانِ عَظِيمَتَانِ شُرِعَتْ لِخُسُوفِهِمَا الصَّلَاةُ وَالذِّكْرُ - نَاسَبَ مَنْ يُحِبُّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُحَافِظَ عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ غُرُوبِهَا اهـ . وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ وَتَكَلُّفُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلُ صَلَاةِ الْعَصْرِ · ص 40 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب فضل صلاة العصر · ص 133 16 - باب فضل صلاة العصر فيه حديثان : أحدهما : قال : 554 - حدثنا الحميدي : ثنا مروان بن معاوية : ثنا إسماعيل ، عن قيس ، عن جرير بن عبد الله ، قال : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فنظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، وقبل غروبها فافعلوا . ثم قرأ : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ قال إسماعيل : افعلوا لا تفوتنكم . هذا الحديث نص في ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ، كما دل على ذلك قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ومفهوم قوله في حق الكفار : كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ قال الشافعي وغيره : لما حجب أعداءه في السخط دل على أن أولياءه يرونه في الرضا . والأحاديث في ذلك كثيرة جدا ، وقد ذكر البخاري بعضها في أواخر الصحيح في كتاب التوحيد ، وقد أجمع على ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة وأتباعهم . وإنما خالف فيه طوائف أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن يرد النصوص الصحيحة لخيالات فاسدة وشبهات باطلة ، يخيلها لهم الشيطان ، فيسرعون إلى قبولها منه ، ويوهمهم أن هذه النصوص الصحيحة تستلزم باطلا ، ويسميه تشبيها أو تجسيما ، فينفرون منه ، كما خيل إلى المشركين قبلهم أن عبادة الأوثان ونحوها تعظيم لجناب الرب ، وأنه لا يتوصل إليه من غير وسائط تعبد فتقرب إليه زلفى ، وأن ذلك أبلغ في التعظيم والاحترام ، وقاسه لهم على ملوك بني آدم ، فاستجابوا لذلك ، وقبلوه منه . وإنما بعث الله الرسل وأنزل الكتب لإبطال ذلك كله ، فمن اتبع ما جاءوا به فقد اهتدى ، ومن أعرض عنه أو عن شيء منه واعترض فقد ضل . وقوله : كما ترون هذا القمر شبه الرؤية بالرؤية ، لا المرئي بالمرئي سبحانه وتعالى . وإنما شبه الرؤية برؤية البدر ؛ لمعنيين : أحدهما : أن رؤية القمر ليلة البدر لا يشك فيه ولا يمترى . والثاني : يستوي فيه جميع الناس من غير مشقة . وقد ظن المريسي ونحوه ممن ضل وافترى على الله ، أن هذا الحديث يرد ؛ لما يتضمن من التشبيه ، فضل وأضل . واتفق السلف الصالح على تلقي هذا الحديث بالقبول والتصديق . قال يزيد بن هارون : من كذب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله . وقال وكيع : من رد هذا الحديث فاحسبوه من الجهمية . وكان حسين الجعفي إذا حدث بهذا الحديث قال : زعم المريسي . وقوله : لا تضامون في رؤيته . قال الخطابي : لا تضامون ، روي على وجهين : مفتوحة التاء ، مشددة الميم . وأصله تتضامون ، أي : لا يضام بعضكم بعضا ، أي : لا يزاحم ، من الضم ، كما يفعل الناس في طلب الشيء الخفي ، يريد أنكم ترون ربكم وكل واحد منكم وادع في مكانه ، لا ينازعه فيه أحد . والآخر : مخفف : تضامون - بضم التاء - من الضيم ، أي : لا يضيم بعضكم بعضا فيه . انتهى . وذكر ابن السمعاني فيه رواية ثالثة : تضامون - بضم التاء ، وتشديد الميم - ، قال : ومعناها : لا تزاحمون ، قال : ورواية فتح التاء مع تشديد الميم معناها : لا تزاحمون . وقوله : كما ترون القمر ليلة البدر يقوي المعنى الأول . وجاء التصريح به في رواية أبي رزين العقيلي ، أنه قال : يا رسول الله ، أكلنا يرى ربه يوم القيامة ؟ وما آية ذلك في خلقه ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أليس كلكم ينظر إلى القمر مخليا به ؟ قال : بلى ، قال : فالله أعظم . خرجه الإمام أحمد . وخرجه ابنه عبد الله في المسند بسياق مطول جدا ، وفيه ذكر البعث والنشور ، وفيه : فتخرجون من الأصواء - أو من مصارعكم - ، فتنظرون إليه وينظر إليكم . قال : قلت : يا رسول الله ، وكيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ، ينظر إلينا وننظر إليه ؟ قال : أنبئك بمثل ذلك ، الشمس والقمر ، آية منه صغيرة ، ترونهما ويريانكم ساعة واحدة ، لا تضارون في رؤيتهما ، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم ، لا تضارون في رؤيتهما - وذكر بقية الحديث . وخرجه الحاكم وقال : صحيح الإسناد . وقد ذكر أبو عبد الله بن منده إجماع أهل العلم على قبول هذا الحديث ونقل عباس الدوري ، عن ابن معين أنه استحسنه . وقوله : فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا . أمر بالمحافظة على هاتين الصلاتين ، وهما صلاة الفجر وصلاة العصر ، وفيه إشارة إلى عظم قدر هاتين الصلاتين ، وأنهما أشرف الصلوات الخمس ، ولهذا قيل في كل منهما : إنها الصلاة الوسطى ، والقول بأن الوسطى غيرهما لا تعويل عليه . وقد قيل في مناسبة الأمر بالمحافظة على هاتين الصلاتين عقيب ذكر الرؤية : أن أعلى ما في الجنة رؤية الله عز وجل ، وأشرف ما في الدنيا من الأعمال - هاتان الصلاتان ، فالمحافظة عليهما يرجى بها دخول الجنة ورؤية الله عز وجل فيها . كما في الحديث الآخر : من صلى البردين دخل الجنة ، وسيأتي - إن شاء الله - في موضعه . وقيل : هو إشارة إلى أن دخول الجنة إنما يحصل بالصلاة مع الإيمان ، فمن لا يصلي فليس بمسلم ، ولا يدخل الجنة بل هو من أهل النار ، ولهذا قال أهل النار لما قيل لهم : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ويظهر وجه آخر في ذلك ، وهو : أن أعلى أهل الجنة منزلة من ينظر في وجه الله عز وجل مرتين بكرة وعشيا ، وعموم أهل الجنة يرونه في كل جمعة في يوم المزيد ، والمحافظة على هاتين الصلاتين على ميقاتهما ووضوئهما وخشوعهما وآدابهما يرجى به أن يوجب النظر إلى الله عز وجل في الجنة في هذين الوقتين . ويدل على هذا ما روى ثوير بن أبي فاختة ، قال : سمعت ابن عمر يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة ، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيا ، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ خرجه الإمام أحمد والترمذي ، وهذا لفظه . وخرجه - أيضا - موقوفا على ابن عمر . وثوير فيه ضعف . وقد روي هذا المعنى من حديث أبي برزة الأسلمي مرفوعا - أيضا - ، وفي إسناده ضعف . وقاله غير واحد من السلف ، منهم : عبد الله بن بريدة وغيره . فالمحافظة على هاتين الصلاتين تكون سببا لرؤية الله في الجنة في مثل هذين الوقتين ، كما أن المحافظة على الجمعة سبب لرؤية الله في يوم المزيد في الجنة ، كما قال ابن مسعود : سارعوا إلى الجمعات ؛ فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل جمعة على كثيب من كافور أبيض ، فيكونون منه في الدنو على قدر تبكيرهم إلى الجمعات . وروي عنه مرفوعا . خرجه ابن ماجه . وروي عن ابن عباس ، قال : من دخل الجنة من أهل القرى لم ينظر إلى وجه الله ؛ لأنهم لا يشهدون الجمعة . خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي بإسناد ضعيف . وقد روي من حديث أنس - مرفوعا - : إن النساء يرين ربهن في الجنة في يومي العيدين . والمعنى في ذلك : أنهن كن يشاركن الرجال في شهود العيدين دون الجمع . وقوله : ثم قرأ : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ الظاهر أن القارئ لذلك هو النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقد روي من رواية زيد بن أبي أنيسة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن جرير البجلي في هذا الحديث : ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ الآية . خرجه أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب الفاروق . وقد قيل : إن هذه الكلمة مدرجة ، وإنما القارئ هو جرير بن عبد الله البجلي . وقد خرجه مسلم في صحيحه عن أبي خيثمة ، عن مروان بن معاوية - فذكر الحديث ، وقال في آخره : ثم قرأ جرير : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وكذا رواه عمرو بن زرارة وغيره ، عن مروان بن معاوية ، وأدرجه عنه آخرون .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل صلاة العصر · ص 40 ( باب فضل صلاة العصر ) أي هذا باب في بيان فضل العصر ، والمناسبة بين هذه الأبواب ظاهرة . 31 - ( حدثنا الحميدي ، قال : حدثنا مروان بن معاوية ، قال : حدثنا إسماعيل ، عن قيس ، عن جرير ، قال : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى القمر ليلة ، يعني : البدر ، فقال : إنكم سترون ربكم ، كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ، ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ، قال إسماعيل : افعلوا لا تفوتنكم . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ( وقبل غروبها ) ، أي : قبل غروب الشمس والصلاة في هذا الوقت هي صلاة العصر ، ولو قال : باب فضل صلاة الفجر والعصر لكان أولى ؛ لأن المذكور في الحديث والآية - صلاة الفجر والعصر كلتاهما . وقال بعضهم : باب فضل صلاة العصر ، أي : على جميع الصلوات إلا الصبح ، ( قلت ) : هذا التقدير فيه تعسف ، ولأن جميع الصلوات مشتركة في الفضل غاية ما في الباب أن لصلاتي الفجر والعصر مزية على غيرهما ، وإنما خصص العصر بالذكر للاكتفاء ، كما في قوله تعالى : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أي : والبرد أيضا ، وقيل : ، إنما خص العصر ؛ لأن في وقته ترتفع الأعمال وتشهد فيه ملائكة الليل ولهذا ذكر في الحديث ، فإن استطعتم الحديث ، ( قلت ) : ، وفي الفجر أيضا تشهد فيه ملائكة النهار والأوجه في الجواب ما ذكرته الآن . وقال بعضهم : ويحتمل أن يكون المراد أن العصر ذات فضيلة لا ذات أفضلية ، ( قلت ) : كل الصلوات ذوات فضيلة ، والترجمة أيضا تنبئ عن ذلك . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول الحميدي بضم الحاء المهملة واسمه عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبد الله بن حميد ، ونسبته إلى جده حميد القرشي المكي ، مات سنة تسع عشرة وماتين . الثاني مروان بن معاوية بن الحارث الفزاري مات بدمشق سنة ثلاث وتسعين ومائة قبل التروية بيوم فجاة . الثالث إسماعيل بن أبي خالد بالخاء المعجمة . الرابع قيس بن أبي حازم بالحاء المهملة . الخامس جبير بن عبد الله بن جابر البجلي - رضي الله تعالى عنه - . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول ووقع عند أبي مردويه من طريق شعبة ، عن إسماعيل التصريح بسماع إسماعيل من قيس وسماع قيس ، عن جرير ، وفيه ذكر الحميدي بنسبته إلى أحد أجداده وأنه من أفراد البخاري ، وفيه أن رواته ما بين مكي وكوفي ، وفيه رواية التابعي ، عن التابعي وهما إسماعيل وقيس ، وفيه أن أحد الرواة من المخضرمين ، وهو قيس فإنه قدم المدينة بعدما قبض النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مات سنة أربع وثمانين - رضي الله تعالى عنه - . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا ، عن مسدد ، عن يحيى بن سعيد في الصلاة أيضا ، وأخرجه في التفسير ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن جرير ، وفي التوحيد ، عن عمرو بن عون ، عن خالد وهشيم ، وعن يوسف بن موسى ، عن عاصم ، وعن عبدة بن عبد الله ، وأخرجه مسلم في الصلاة ، عن زهير بن حرب ، عن مروان به ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الله بن نمير وأبي اسامة ووكيع ثلاثتهم ، عن اسماعيل به ، وأخرجه أبو داود في السنة ، عن عثمان بن أبي شيبة ، عن جرير ووكيع وأبي أسامة به ، وأخرجه النسائي ، عن يحيى بن كثير ، وعن يعقوب بن إبراهيم ، وأخرجه ابن ماجه في السنة ، عن محمد بن عبد الله بن نمير ، عن أبيه ووكيع ، وعن علي بن محمد ، عن خالد ويعلى بن عبيد ووكيع وأبي معاوية ، أربعتهم عن إسماعيل به . ( ذكر معناه ) قوله : ( ليلة ) قال الكرماني : الظاهر أنه من باب تنازع الفعلين عليه ، ( قلت ) : الظاهر أن ليلة نصب على الظرفية والتقدير نظر إلى القمر في ليلة من الليالي وهذه الليلة كانت ليلة البدر ، وبه صرح في رواية مسلم ، وسنذكر اختلاف الروايات فيه ، قوله : ( لا تضامون ) روي بضم التاء وبتخفيف الميم من الضيم ، وهو التعب ، وبتشديدها من الضم وبفتح التاء وتشديد الميم ، قال الخطابي : يروى على وجهين : أحدهما مفتوحة التاء مشددة الميم ، وأصله : تتضامون ، حذفت إحدى التائين ، أي : لا يضام بعضكم بعضا ، كما تفعله الناس في طلب الشيء الخفي الذي لا يسهل دركه ، فيتزاحمون عنده يريد أن كل واحد منهم ، وادع مكانه لا ينازعه في رؤيته أحد ، والآخر لا تضامون من الضيم ، أي : لا يضيم بعضكم بعضا في رؤيته . وقال التيمي : لا تضامون بتشديد الميم ، مراده : أنكم لا تختلفون إلى بعض فيه حتى تجتمعوا للنظر ، وينضم بعضكم إلى بعض ، فيقول واحد : هو ذاك ، ويقول الآخر : ليس ذاك ، كما تفعله الناس عند النظر إلى الهلال أول الشهر ، وبتخفيفها معناه : لا يضيم بعضكم بعضا ، بأن يدفعه عنه ، أو يستأثر به دونه . وقال ابن الأنباري : أي لا يقع لكم في الرؤية ضيم ، وهو الذل ، وأصله : تضيمون ، فألقيت حركة الياء على الضاد ، فصارت الياء ألفا لانفتاح ما قبلها . وقال ابن الجوزي : لا تضامون بضم التاء المثناة من فوق ، وتخفيف الميم ، وعليه أكثر الرواة ، والمعنى : لا ينالكم ضيم ، والضيم أصله : الظلم ، وهذا الضيم يلحق الرائي من وجهين : أحدهما من مزاحمة الناظرين له ، أي : لا تزدحمون في رؤيته ، فيراه بعضكم دون بعض ، ولا يظلم بعضكم بعضا . والثاني : من تأخره عن مقام الناظر المحقق ، فكأن المتقدمين ضاموه ، ورؤية الله عز وجل يستوي فيها الكل ، فلا ضيم ولا ضرر ولا مشقة ، وفي رواية : لا تضامون ، أو لا تضاهون ، يعني : على الشك ، أي : لا يشتبه عليكم وترتابون ، فيعارض بعضكم بعضا في رؤيته ، وقيل : لا تشبهونه في رؤيته بغيره من المرئيات ، وروي : تضارون ، بالراء المشددة والتاء مفتوحة ومضمومة . وقال الزجاج : معناهما : لا تتضارون ، أي : لا يضار بعضكم بعضا في رؤيته بالمخالفة ، وعن ابن الأنباري : هو تتفاعلون من الضرار ، أي : لا تتنازعون وتختلفون ، وروي إيضا : لا تضارون بضم التاء وتخفيف الراء ، أي : لا يقع للمرء في رؤيته ضير ما بالمخالفة أو المنازعة ، أو الخفأ ، وروي : تمارون براء مخففة ، يعني : تجادلون ، أي : لا يدخلكم شك . قوله : ( فإن استطعتم أن لا تغلبوا ) بلفظ المجهول ، وكلمة أن مصدرية والتقدير : أن لا تغلبوا ، أي : من الغلبة بالنوم ، والاشتغال بشيء من الأشياء المانعة عن الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، قوله : ( فافعلوا ) ، أي : الصلاة في هذين الوقتين ، وزاد مسلم بعد قوله : ( قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) ، يعني : العصر والفجر ، وفي رواية ابن مردويه من وجه آخر ، عن اسماعيل : قبل طلوع الشمس صلاة الصبح ، وقبل غروبها صلاة العصر . وقال الكرماني : فإن قلت : ما المراد بلفظ افعلوا ، إذ لا يصح أن يراد افعلوا الاستطاعة أو افعلوا عدم المغلوبية ؟ قلت : عدم المغلوبية كناية عن الإتيان بالصلاة ؛ لأنه لازم الإتيان ، فكأنه قال : فأتوا بالصلاة فاعلين لها ، انتهى . قلت : لو قدر مفعول افعلوا مثل ما قدرنا لكان استغنى عن هذا السؤال والجواب . قوله : ( ثم قرأ ) لم يبين فاعل قرأ من هو في جميع روايات البخاري . وقال بعضهم : الظاهر أنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ( قلت ) : هذا تخمين وحسبان . وقال الشيخ قطب الدين الحلبي في شرحه : لم يبين أحد في روايته من قرأ ، ثم ساق من طريق أبي نعيم في مستخرجه أن جريرا قرأه ، ( قلت ) : وقع عند مسلم ، عن زهير بن حرب ، عن مروان بن معاوية بإسناد هذا الحديث ، ثم قرأ جرير ، أي : الصحابي ، وكذا أخرجه أبو عوانة في ( صحيحه ) من طريق يعلى بن عبيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، فالعجب من الشيخ قطب الدين كيف ذهل عن عروة إلى مسلم ، قوله : ( فسبح التلاوة ) ، وسبح بالواو لا بالفاء ، المراد بالتسبيح : الصلاة ، قوله : ( افعلوا ) ، أي : افعلوا هذه الصلاة لا تفوتنكم ، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى الصلاة ، وهو بنون التأكيد ، وهو مدرج من كلام إسماعيل وكذلك ، ثم قرأ مدرج . ذكر الروايات في قوله : ( إنكم سترون ربكم ) ، كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ، وفي لفظ للبخاري ، إذ نظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال : أما إنكم سترون ربكم ، كما ترون هذا لا تضامون أو لا تضاهون في رؤيته ، وفي كتاب التوحيد : إنكم سترون ربكم عيانا ، وفي التفسير : فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة ، وعن اللالكائي ، عن البخاري : إنكم ستعرضون على ربكم وترونه ، كما ترون هذا القمر ، وعند الدارقطني وقال زيد بن أبي أنيسة : فتنظرون إليه ، كما تنظرون إلى هذا القمر . وقال وكيع : ستعاينون ، وسيأتي عند البخاري ، عن أبي هريرة وأبي سعيد : هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة ، قالوا : لا ، قال : هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس فيه سحابة ؟ قالوا : لا ، قال : والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤية أحدهما ، وعن أبي موسى عنده بنحوه ، وعن أبي رزين العقيلي ، ( قلت ) : يا رسول الله ، أكلنا يرى ربه منجليا به يوم القيامة ؟ قال : نعم ، قال : وما آية ذلك في خلقه ؟ قال : يا أبا رزين ، أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر منجليا به ، قال : فالله أعظم وأجل ، وذلك آية في خلقه . وعند ابن ماجه ، عن جابر : بينا أهل الجنة في نعيمهم ، إذ سطع لهم نور ، فرفعوا رؤوسهم ، فإذا الرب قد أشرف عليهم ، فينظر إليهم وينظرون إليه . وعن صهيب عند مسلم ، فذكر حديثا فيه : فيكشف الحجاب فينظرون إليه ، فوالله ما أعطاهم الله تعالى شيئا أحب إليهم من النظر إليه . وفي سنن اللالكائي ، عن أنس وأبي بن كعب ، وكعب بن عجرة : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الزيادة في كتاب الله تعالى ، قال : النظر إلى وجهه . ( ذكر ما يستفاد منه ) وهو على وجوه : الأول : استدل بهذه الأحاديث وبالقرآن وإجماع الصحابة ومن بعدهم على إثبات رؤية الله في الآخرة للمؤمنين ، وقد روى أحاديث الرؤية أكثر من عشرين صحابيا . وقال أبو القاسم : روى رؤية المؤمنين لربهم عز وجل في القيامة أبو بكر وعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن مسعود وأبو موسى وابن عباس وابن عمر وحذيفة وأبو أمامة وأبو هريرة وجابر وأنس وعمار بن ياسر وزيد بن ثابت وعبادة بن الصامت وبريدة بن حصيب وجنادة بن أبي أمية وفضالة بن عبيد ورجل له صحبة بالنبي - عليه الصلاة والسلام ، ثم ذكر أحاديثهم بأسانيد غالبها جيد ، وذكر أبو نعيم الحافظ في ( كتاب تثبيت النظر ) أبا سعيد الخدري وعمارة بن رؤيبة وأبا رزين العقيلي وأبا برزة ، وزاد الآجري في كتاب الشريعة وأبو محمد عبد الله بن محمد المعروف بأبي الشيخ في ( كتاب السنة الواضحة ) تأليفهما عدي بن حاتم الطائي بسند جيد والرؤية مختصة بالمؤمنين ممنوعة من الكفار ، وقيل : يراه منافقو هذه الأمة وهذا ضعيف والصحيح أن المنافقين كالكفار باتفاق العلماء ، وعن ابن عمر وحذيفة من أهل الجنة من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية . ومنع من ذلك المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة واحتجوا في ذلك بوجوه : الأول ، قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وقالوا : يلزم من نفي الإدراك بالبصر نفي الرؤية . الثاني : قوله تعالى : لَنْ تَرَانِي ولن للتأبيد بدليل قوله تعالى : قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا وإذا ثبت في حق موسى عليه الصلاة والسلام عدم الرؤية ثبت في حق غيره . الثالث : قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فالآية دلت على أن كل من يتكلم الله معه فإنه لا يراه ، فإذا ثبت عدم الرؤية في وقت الكلام ثبت في غير وقت الكلام ضرورة أنه لا قائل بالفصل . الرابع أن الله تعالى ما ذكر في طلب الرؤية في القرآن إلا وقد استعظمه وذم عليه وذلك في آيات منها ، قوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ الخامس : لو صحت رؤية الله تعالى لرأيناه الآن والتالي باطل والمقدم مثله . ولأهل السنة ما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة ، وقوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وقوله تعالى : كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ فهذا يدل على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين ، والجواب عن قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ أن المراد من الإدراك الإحاطة ، ونحن أيضا نقول به ، وعن قوله : لَنْ تَرَانِي أنا لا نسلم أن لن تدل على التأبيد بدليل قوله تعالى : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا مع أنهم يتمنونه في الآخرة ، وعن ، قوله : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ الآية ، أن الوحي كلام يسمع بالسرعة وليس فيه دلالة على كون المتكلم محجوبا ، عن نظر السامع أو غير محجوب ، عن نظره ، وعن قوله تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى الآية ، أن الاستعظام لم لا يجوز أن يكون لأجل طلبهم الرؤية على سبيل التعنت ، والعناد بدليل الاستعظام في نزول الملائكة في قوله : لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ ولا نزاع في جواز ذلك ، والجواب عن قولهم لو صحت رؤية الله تعالى إلخ أن عدم الوقوع لا يستلزم عدم الجواز ، فإن قالوا الرؤية لا تتحقق إلا بثمانية أشياء سلامة الحاسة وكون الشيء بحيث يكون جائز الرؤية ، وأن يكون المرئي مقابلا للرائي أو في حكم المقابل ، فالأول كالجسم المحاذي للرائي ، والثاني كالأعراض المرئية ، فإنها ليست مقابلة للرائي ، إذ العرض لا يكون مقابلا للجسم ، ولكنها حالة في الجسم المقابل للرائي ، فكان في حكم المقابل وأن لا يكون المرئي في غاية القرب ولا في غاية البعد ، وأن لا يكون في غاية الصغر ولا في غاية اللطافة ، وأن لا يكون بين الرائي والمرئي حجاب ، قلنا : الشرائط الستة الأخيرة لا يمكن اعتبارها إلا في رؤية الأجسام ، والله تعالى ليس بجسم فلا يمكن اعتبار هذه الشرائط في رؤيته ، ولا يعتبر في حصول الرؤية إلا أمران : سلامة الحاسة وكونه بحيث يصح أن يرى ، وهذان الشرطان حاصلان ، فإن قلت : الكاف في كما ترون للتشبيه ، ولا بد أن تكون مناسبة بين الرائي والمرئي ، ( قلت ) : معنى التشبيه فيه أنكم ترونه رؤية محققة لا شك فيها ، ولا مشقة ولا خفاء ، كما ترون القمر كذلك فهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي . الوجه الثاني فيه زيادة شرف الصلاتين ، وذلك لتعاقب الملائكة في وقتيهما ، ولأن وقت صلاة الصبح وقت لذة النوم ، كما قيل : ألذ الكرى عند الصباح يطيب والقيام فيه أشق على النفس من القيام في غيره وصلاة العصر وقت الفراغ ، عن الصناعات وإتمام الوظائف ، والمسلم إذا حافظ عليها مع ما فيه من التثاقل والتشاغل ، فلأن يحافظ على غيرها بالطريق الأولى . الوجه الثالث : ما قاله الخطابي : إن قوله افعلوا يدل على أن الرؤية قد يرجى نيلها بالمحافظة على هاتين الصلاتين .