حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب فضل صلاة العصر

باب فضل صلاة العصر فيه حديثان : أحدهما : قال : 554 - حدثنا الحميدي : ثنا مروان بن معاوية : ثنا إسماعيل ، عن قيس ، عن جرير بن عبد الله ، قال : كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فنظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، وقبل غروبها فافعلوا . ثم قرأ : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ قال إسماعيل : افعلوا لا تفوتنكم . هذا الحديث نص في ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ، كما دل على ذلك قوله تعالى : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ٢٢ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ومفهوم قوله في حق الكفار : ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ قال الشافعي وغيره : لما حجب أعداءه في السخط دل على أن أولياءه يرونه في الرضا .

والأحاديث في ذلك كثيرة جدا ، وقد ذكر البخاري بعضها في أواخر الصحيح في كتاب التوحيد ، وقد أجمع على ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة وأتباعهم . وإنما خالف فيه طوائف أهل البدع من الجهمية والمعتزلة ونحوهم ممن يرد النصوص الصحيحة لخيالات فاسدة وشبهات باطلة ، يخيلها لهم الشيطان ، فيسرعون إلى قبولها منه ، ويوهمهم أن هذه النصوص الصحيحة تستلزم باطلا ، ويسميه تشبيها أو تجسيما ، فينفرون منه ، كما خيل إلى المشركين قبلهم أن عبادة الأوثان ونحوها تعظيم لجناب الرب ، وأنه لا يتوصل إليه من غير وسائط تعبد فتقرب إليه زلفى ، وأن ذلك أبلغ في التعظيم والاحترام ، وقاسه لهم على ملوك بني آدم ، فاستجابوا لذلك ، وقبلوه منه . وإنما بعث الله الرسل وأنزل الكتب لإبطال ذلك كله ، فمن اتبع ما جاءوا به فقد اهتدى ، ومن أعرض عنه أو عن شيء منه واعترض فقد ضل .

وقوله : كما ترون هذا القمر شبه الرؤية بالرؤية ، لا المرئي بالمرئي سبحانه وتعالى . وإنما شبه الرؤية برؤية البدر ؛ لمعنيين : أحدهما : أن رؤية القمر ليلة البدر لا يشك فيه ولا يمترى . والثاني : يستوي فيه جميع الناس من غير مشقة .

وقد ظن المريسي ونحوه ممن ضل وافترى على الله ، أن هذا الحديث يرد ؛ لما يتضمن من التشبيه ، فضل وأضل . واتفق السلف الصالح على تلقي هذا الحديث بالقبول والتصديق . قال يزيد بن هارون : من كذب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله .

وقال وكيع : من رد هذا الحديث فاحسبوه من الجهمية . وكان حسين الجعفي إذا حدث بهذا الحديث قال : زعم المريسي . وقوله : لا تضامون في رؤيته .

قال الخطابي : لا تضامون ، روي على وجهين : مفتوحة التاء ، مشددة الميم . وأصله تتضامون ، أي : لا يضام بعضكم بعضا ، أي : لا يزاحم ، من الضم ، كما يفعل الناس في طلب الشيء الخفي ، يريد أنكم ترون ربكم وكل واحد منكم وادع في مكانه ، لا ينازعه فيه أحد . والآخر : مخفف : تضامون - بضم التاء - من الضيم ، أي : لا يضيم بعضكم بعضا فيه .

انتهى . وذكر ابن السمعاني فيه رواية ثالثة : تضامون - بضم التاء ، وتشديد الميم - ، قال : ومعناها : لا تزاحمون ، قال : ورواية فتح التاء مع تشديد الميم معناها : لا تزاحمون . وقوله : كما ترون القمر ليلة البدر يقوي المعنى الأول .

وجاء التصريح به في رواية أبي رزين العقيلي ، أنه قال : يا رسول الله ، أكلنا يرى ربه يوم القيامة ؟ وما آية ذلك في خلقه ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أليس كلكم ينظر إلى القمر مخليا به ؟ قال : بلى ، قال : فالله أعظم . خرجه الإمام أحمد . وخرجه ابنه عبد الله في المسند بسياق مطول جدا ، وفيه ذكر البعث والنشور ، وفيه : فتخرجون من الأصواء - أو من مصارعكم - ، فتنظرون إليه وينظر إليكم .

قال : قلت : يا رسول الله ، وكيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ، ينظر إلينا وننظر إليه ؟ قال : أنبئك بمثل ذلك ، الشمس والقمر ، آية منه صغيرة ، ترونهما ويريانكم ساعة واحدة ، لا تضارون في رؤيتهما ، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم ، لا تضارون في رؤيتهما - وذكر بقية الحديث . وخرجه الحاكم وقال : صحيح الإسناد . وقد ذكر أبو عبد الله بن منده إجماع أهل العلم على قبول هذا الحديث ونقل عباس الدوري ، عن ابن معين أنه استحسنه .

وقوله : فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا . أمر بالمحافظة على هاتين الصلاتين ، وهما صلاة الفجر وصلاة العصر ، وفيه إشارة إلى عظم قدر هاتين الصلاتين ، وأنهما أشرف الصلوات الخمس ، ولهذا قيل في كل منهما : إنها الصلاة الوسطى ، والقول بأن الوسطى غيرهما لا تعويل عليه . وقد قيل في مناسبة الأمر بالمحافظة على هاتين الصلاتين عقيب ذكر الرؤية : أن أعلى ما في الجنة رؤية الله عز وجل ، وأشرف ما في الدنيا من الأعمال - هاتان الصلاتان ، فالمحافظة عليهما يرجى بها دخول الجنة ورؤية الله عز وجل فيها .

كما في الحديث الآخر : من صلى البردين دخل الجنة ، وسيأتي - إن شاء الله - في موضعه . وقيل : هو إشارة إلى أن دخول الجنة إنما يحصل بالصلاة مع الإيمان ، فمن لا يصلي فليس بمسلم ، ولا يدخل الجنة بل هو من أهل النار ، ولهذا قال أهل النار لما قيل لهم : ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ٤٢ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ويظهر وجه آخر في ذلك ، وهو : أن أعلى أهل الجنة منزلة من ينظر في وجه الله عز وجل مرتين بكرة وعشيا ، وعموم أهل الجنة يرونه في كل جمعة في يوم المزيد ، والمحافظة على هاتين الصلاتين على ميقاتهما ووضوئهما وخشوعهما وآدابهما يرجى به أن يوجب النظر إلى الله عز وجل في الجنة في هذين الوقتين . ويدل على هذا ما روى ثوير بن أبي فاختة ، قال : سمعت ابن عمر يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة ، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشيا ، ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ٢٢ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ خرجه الإمام أحمد والترمذي ، وهذا لفظه .

وخرجه - أيضا - موقوفا على ابن عمر . وثوير فيه ضعف . وقد روي هذا المعنى من حديث أبي برزة الأسلمي مرفوعا - أيضا - ، وفي إسناده ضعف .

وقاله غير واحد من السلف ، منهم : عبد الله بن بريدة وغيره . فالمحافظة على هاتين الصلاتين تكون سببا لرؤية الله في الجنة في مثل هذين الوقتين ، كما أن المحافظة على الجمعة سبب لرؤية الله في يوم المزيد في الجنة ، كما قال ابن مسعود : سارعوا إلى الجمعات ؛ فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل جمعة على كثيب من كافور أبيض ، فيكونون منه في الدنو على قدر تبكيرهم إلى الجمعات . وروي عنه مرفوعا .

خرجه ابن ماجه . وروي عن ابن عباس ، قال : من دخل الجنة من أهل القرى لم ينظر إلى وجه الله ؛ لأنهم لا يشهدون الجمعة . خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي بإسناد ضعيف .

وقد روي من حديث أنس - مرفوعا - : إن النساء يرين ربهن في الجنة في يومي العيدين . والمعنى في ذلك : أنهن كن يشاركن الرجال في شهود العيدين دون الجمع . وقوله : ثم قرأ : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ الظاهر أن القارئ لذلك هو النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقد روي من رواية زيد بن أبي أنيسة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن جرير البجلي في هذا الحديث : ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ الآية . خرجه أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب الفاروق . وقد قيل : إن هذه الكلمة مدرجة ، وإنما القارئ هو جرير بن عبد الله البجلي .

وقد خرجه مسلم في صحيحه عن أبي خيثمة ، عن مروان بن معاوية - فذكر الحديث ، وقال في آخره : ثم قرأ جرير : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وكذا رواه عمرو بن زرارة وغيره ، عن مروان بن معاوية ، وأدرجه عنه آخرون .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث