حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب من ترك العصر

باب من ترك العصر 553 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا هشام : أبنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة ، عن أبي المليح ، قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم ، فقال : بكروا بصلاة العصر ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله . قد سبق القول مبسوطا في حبوط العمل بترك بعض الفرائض وارتكاب بعض المحارم في كتاب الإيمان ، وبينا أن أكثر السلف والأمة على القول بذلك ، وإمرار الأحاديث الواردة فيه على ما جاءت من غير تعسف في تأويلاتها ، وبينا أن العمل إذا أطلق لم يدخل فيه الإيمان وإنما يراد به أعمال الجوارح ، وبهذا فارق قول السلف قول الخوارج ؛ فإنهم أحبطوا بالكبيرة الإيمان [والعمل] ، وخلدوا بها في النار ، وهذا قول باطل . وأما المتأخرون فلم يوافقوا السلف على ما قالوه ، فاضطربوا في تأويل هذا الحديث وما أشبهه ، وأتوا بأنواع من التكلف والتعسف .

فمنهم من قال : ترك صلاة العصر يحبط عمل ذلك اليوم . ومنهم من قال : إنما يحبط العمل الذي هو تلك الصلاة التي تركها فيفوته أجرها ، وهذا هو الذي ذكره ابن عبد البر . وهو من أضعف الأقوال ، وليس في الإخبار به فائدة : ومنهم من حمل هذا الحديث على أن من ترك صلاة واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فإنه يصير بذلك كافرا مرتدا ، كما يقول ذلك من يقوله ممن يرى أن ترك الصلاة كفر .

وهذا يسقط فائدة تخصيص العصر بالذكر ، فإن سائر الصلوات عنده كذلك . وقد روي تقييد تركها بالتعمد : فروى عباد بن راشد ، عن الحسن وأبي قلابة ؛ أنهما كانا جالسين ، فقال أبو قلابة : قال أبو الدرداء : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من ترك صلاة العصر متعمدا حتى تفوته فقد حبط عمله . خرجه الإمام أحمد .

وأبو قلابة لم يسمع من أبي الدرداء . ورواه أبان بن أبي عياش - وهو متروك - ، عن أبي قلابة ، عن أم الدرداء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وروى راشد أبو محمد ، عن شهر بن حوشب ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم : لا تترك صلاة مكتوبة متعمدا ، فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة .

خرجه ابن ماجه . وخرجه البزار ، ولفظه : فقد كفر . وهذا مما استدل به على كفر تارك الصلاة المكتوبة متعمدا ؛ فإنه لم يفرق بين صلاة وصلاة .

وروى إسماعيل بن عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن معاذ بن جبل ، قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم فذكره بنحوه ، وقال : فقد برئت منه ذمة الله عز وجل . خرجه الإمام أحمد . ورواه - أيضا - عمرو بن واقد - وهو ضعيف - ، عن يونس بن ميسرة ، عن أبي إدريس ، عن معاذ .

خرجه الطبراني ومحمد بن نصر المروزي . وخرجه المروزي - أيضا - من طريق سيار بن عبد الرحمن ، عن يزيد بن قوذر ، عن سلمة بن شريح ، عن عبادة بن الصامت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه ، وقال : فمن تركها متعمدا فقد خرج من الملة . وقال البخاري في تاريخه : لا يعرف إسناده .

وروى مكحول عن أم أيمن ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تتركي الصلاة متعمدا ؛ فإنه من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله . خرجه الإمام أحمد . وهو منقطع ؛ مكحول لم يلق أم أيمن .

ورواه غير واحد ؛ عن مكحول ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا . ورواه عبد الرزاق ، عن محمد بن راشد ، عن مكحول ، عن رجل ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال عبد الرزاق : وأبنا شيخ من أهل الشام ، عن مكحول ، قال : ومن برئت منه ذمة الله فقد كفر .

ورواه أبو فروة الرهاوي - وفيه ضعف - ، عن أبي يحيى الكلاعي ، عن جبير بن نفير ، عن أميمة مولاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه . خرجه محمد بن نصر المروزي . وذكر عن محمد بن يحيى الذهلي ، أنه قال : هذه هي أم أيمن ، فقال أبو فروة : أميمة - يعني : أنه أخطأ في تسميتها .

فأسانيد هذا الحديث كلها غير قوية . وأما حديث بريدة فصحيح ، وقد رواه عن يحيى بن أبي كثير : هشام الدستوائي والأوزاعي ، فأما هشام فرواه كما خرجه البخاري من طريقه ، وأما الأوزاعي فخالفه في إسناده ومتنه . أما إسناده : فقيل فيه : عن الأوزاعي : حدثني يحيى ، وثني أبو قلابة : حدثني أبو المهاجر ، عن بريدة .

وخرجه من هذا الوجه الإمام أحمد وابن ماجه . وقال الإمام أحمد في رواية مهنا : هو خطأ من الأوزاعي ، والصحيح حديث هشام الدستوائي . وذكر - أيضا - أن أبا المهاجر لا أصل له ، إنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة ، كان الأوزاعي يسميه أبا المهاجر خطأ ، وذكره في هذا الإسناد من أصله خطأ ، فإنه ليس من روايته ، إنما هو من رواية أبي المليح ، وكذا قاله الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله .

وقيل : عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي قلابة ، عن أبي المليح ، كما رواه هشام ، عن يحيى . وخرجه من هذا الوجه الإسماعيلي في صحيحه . وقيل : عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن ابن بريدة .

وقيل : عن الثوري ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي قلابة ، عن بريدة ، بغير واسطة بينهما . وهذا كله مما يدل على اضطراب الأوزاعي فيه ، وعدم ضبطه . وأما متنه ، فقال الأوزاعي فيه : إن بريدة قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ، فقال : بكروا بالصلاة في اليوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله .

كذلك خرجه الإمام أحمد وابن ماجه والإسماعيلي وغيرهم . فخالف هشاما في ذلك ؛ فإن هشاما قال في روايته : إن أبا المليح قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم غيم ، فقال : بكروا بصلاة العصر ؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله . فلم يرفع منه غير هذا القدر ، وجعل الذين كانوا معه في الغزوة في يوم الغيم ، والذي أمر بالتكبير بصلاة العصر هو بريدة ، وهو الصحيح .

واللفظ الذي رواه الأوزاعي لو كان محفوظا لكان دليلا على تأخير العصر في غير يوم الغيم ، ولكنه وهم . وقد خرج البخاري حديث بريدة فيما بعد وبوب عليه : باب : التبكير بالصلاة في يوم غيم ، ثم خرج فيه حديث بريدة ، عن معاذ بن فضالة ، عن هشام ، فذكره كما خرجه هاهنا ، غير أنه لم يذكر : في غزوة ، وقال فيه : عن بريدة : بكروا بالصلاة ، ولم يقل : صلاة العصر . قال الإسماعيلي : جعل الترجمة لقول بريدة ، لا لما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان حق هذه الترجمة أن يكون الحديث المقرون بها ما فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر بتعجيل العصر في اليوم الغيم .

ثم ذكر حديث الأوزاعي بإسناده ولفظه ، ثم قال : فإن كان هذا الإسناد لا يصح عنده كان ترك هذه الترجمة أولى . وإنما أراد البخاري قول بريدة في يوم غيم : بكروا بالصلاة ، ولهذا ساق الرواية التي فيها ذكر الصلاة ، ولم يسقه كما ساقه في هذا الباب بتخصيص صلاة العصر ، يشير إلى أنه يستحب في الغيم التبكير بالصلوات والقول بالتبكير لجميع الصلوات في يوم الغيم مما لا يعرف به قائل من العلماء ، ولم يرد بريدة ذلك إنما أراد صلاة العصر خاصة ، ولا يقتضي القياس ذلك ، فإن التبكير بالصلوات في الغيم مطلقا يخشى منه وقوع الصلاة قبل الوقت ، وهو محذور ، والأفضل أن لا يصلي الصلاة حتى يتيقن دخول وقتها . فإن غلب على ظنه ، فهل يجوز له الصلاة حينئذ ، أم لا ؟ فيه قولان : أحدهما : أنه جائز ، وهو قول الثوري والشافعي وأكثر أصحابنا .

والثاني : لا يجوز حتى يتيقن ، وهو وجه لأصحابنا وأصحاب الشافعي . واستدل الأولون : بأن جماعة من الصحابة صلوا ثم تبين لهم أنهم صلوا قبل الوقت ، فأعادوا ، منهم : ابن عمر وأبو موسى ، وهذا يدل على أنهم صلوا عن اجتهاد ، وغلب على ظنهم دخول الوقت من غير يقين . وقال الحسن : شكوا في طلوع الفجر في عهد ابن عباس ، فأمر مؤذنه فأقام الصلاة .

خرجه ابن أبي شيبة . وقال أبو داود : باب : المسافر يصلي ويشك في الوقت ، ثم خرج من حديث المسحاج بن موسى ، أن أنسا حدثه ، قال : كنا إذا كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر ، فقلنا : زالت الشمس ، أو لم تزل ، صلى الظهر ثم ارتحل . والمنصوص عن أحمد : أنه لا يصلي الظهر حتى يتيقن الزوال في حضر ولا سفر ، وكذا قال إسحاق في الظهر والمغرب والصبح ؛ لأن هذه الصلوات لا تجمع إلى ما قبلها .

ولكن وقع في كلام مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة تسمية الظن الغالب يقينا ، ولعل هذا منه . والله اعلم . وقد اختلف العلماء في الصلاة في يوم الغيم : فقال الشافعي : ويحتاط ويتوخى أن يصلي بعد الوقت أو يحتاط بتأخيرها ما بينه وبين أن يخاف خروج الوقت .

وقال إسحاق نحوه . ولا يستحب عند الشافعي التأخير في الغيم مع تحقق دخول الوقت ، إلا في حال يستحب التأخير في الصحو كشدة الحر ونحوه . وحكى بعض أصحابنا مثل ذلك عن الخرقي ، وحكاه - أيضا - رواية عن أحمد .

وعن أبي حنيفة رواية باستحباب تأخير الصلوات كلها مع الغيم . وقالت طائفة : يؤخر الظهر ويعجل العصر ، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء مع الغيم ، وهو قول أبي حنيفة والثوري وأحمد ، وحكي - أيضا - عن الحسن والأوزاعي ، ونقله ابن منصور عن إسحاق . وقال النخعي : كانوا يؤخرون الظهر ويعجلون العصر ، ويؤخر المغرب في يوم الغيم .

قال ابن المنذر : روينا عن عمر ، أنه قال : إذا كان يوم الغيم فعجلوا العصر وأخروا الظهر . قال أصحابنا : يستحب ذلك مع تحقق دخول الوقت . واختلفوا في تعليل ذلك : فمنهم من علل بالاحتياط لدخول الوقت ، ولو كان الأمر كذلك لاستوت الصلوات كلها في التأخير .

ومنهم من علل بأن يوم الغيم يخشى فيه وقوع المطر ، ويكون فيه ريح وبرد غالبا ، فيشق الخروج إلى الصلاتين المجموعتين في وقتين ، فإذا أخر الأولى وقدم الثانية خرج لهما خروجا واحدا ، فكان ذلك أرفق به ، وهذا قول القاضي أبي يعلى وأصحابه . واختلفوا : هل يختص ذلك بمن يصلي جماعة ، أو تعم الرخصة من يصلي وحده ؟ وفيه وجهان : ومن المتأخرين من قال : المعنى في تأخير الأولى من المجموعتين في يوم الغيم وتعجيل الثانية : أن تعجيل الأولى منهما عن الوقت غير جائز ، وتعجيل الثانية جائز في حال الجمع ، والجمع يجوز عند أحمد للأعذار ، والاشتباه في الوقت نوع عذر ؛ فلهذا استحب تأخير الأولى حتى يتيقن دخول الوقت دون الثانية ، فهذا احتياط للوقت لكن مع وقوع الصلاة في الوقت المشترك فكان أولى . وقد نص أحمد على أن المسافر حال اشتباه الوقت عليه في الصحو - أيضا - يؤخر الظهر ويعجل العصر ؛ لهذا المعنى ، وهو يدل على أن التفريق بين المجموعتين في وقت الأولى لا يضر وأن نية الجمع لا تشترط ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في أول أبواب المواقيت .

ويدل - أيضا - على أنه يجوز تعجيل الثانية من المجموعتين ، وإن لم يتيقن دخول وقتها ، ويستحب تأخير الأولى منهما حتى يتيقن دخول وقتها في السفر والغيم ، وهذا أشبه بكلام الإمام أحمد . ومن أصحابنا من استحب تأخير الظهر وتعجيل العصر في الغيم دون المغرب لما في تأخيرها من الكراهة ؛ فإن وقتها مضيق عند كثير من العلماء ، والمنصوص عن أحمد خلافه . وروي عن ابن مسعود ، قال : إذا كان يوم الغيم فعجلوا الظهر والعصر ، وأخروا المغرب والإفطار .

وعن عبد العزيز بن رفيع ، قال : عجلوا صلاة العصر ؛ فإنه بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : عجلوا الصلاة - يعني : صلاة في اليوم الغيم . وفي رواية ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : عجلوا الصلاة في يوم غيم ، وأخروا المغرب . وكان الربيع بن خثيم إذا كان يوم غيم قال لمؤذنه : أغسق ، أغسق - يعني : أخر حتى يظلم الوقت .

وروي استحباب التبكير بالصلاة في اليوم الغيم من وجوه : فخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة بإسناد فيه ضعف عن أبي سعيد الخدري - مرفوعا - ، قال : أربع من كن فيه بلغ حقيقة الإيمان - فذكر منها - : ابتدار الصلاة في اليوم الدجن . وخرج ابن وهب في مسنده بإسناد ضعيف - أيضا - ، عن أبي الدرداء - مرفوعا - ، قال : تعجيل الصلاة في اليوم الدجن من حقيقة الإيمان . وروى ابن سعد في طبقاته بإسناده ، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وصى ابنه عند موته بخصال الإيمان ، وعد منها : تعجيل الصلاة في يوم الغيم .

وقال الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير : ست من كن فيه فقد استكمل الإيمان ، فذكر منها : التبكير بالصلاة في اليوم الغيم .

ورد في أحاديث4 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث