52 - بَاب مَا قِيلَ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ 6058 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَجِدُ مِنْ شَرار النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا قِيلَ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِيهِ تَفْسِيرِهِ ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ النَّمَّامِ . قَوْلُهُ : ( تَجِدُ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ شِرَارٌ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ : إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْمَنَاقِبِ من طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : تَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ بِلَفْظِ : تَجِدُونَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْهُ بِلَفْظِ : مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ : إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْهُ بِلَفْظِ : إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا . وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُتَقَارِبَةٌ ، وَالرِّوَايَاتُ الَّتِي فِيهَا شَرُّ النَّاسِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا مِنْ شَرِّ النَّاسِ ، وَوَصْفُهُ بِكَوْنِهِ شَرَّ النَّاسِ أَوْ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مُبَالَغَةٌ فِي ذَلِكَ ، وَرِوَايَةُ أَشَرِّ النَّاسِ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ لُغَةٌ فِي شَرٍّ يُقَالُ : خَيْرٌ وَأَخْيَرُ وَشَرٌّ وَأَشَرُّ بِمَعْنًى ، وَلَكِنِ الَّذِي بِالْأَلِفِ أَقَلُّ اسْتِعْمَالًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ مَنْ ذُكِرَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُتَضَادَّتَيْنِ خَاصَّةً ، فَإِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْهُمَا مُجَانِبَةٌ لِلْأُخْرَى ظَاهِرًا فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِهَا إِلَّا بِمَا ذُكِرَ مِنْ خِدَاعِهِ الْفَرِيقَيْنِ لِيَطَّلِعَ عَلَى أَسْرَارِهِمْ فَهُوَ شَرُّهُمْ كُلُّهُمْ . وَالْأَوْلَى حَمْلُ النَّاسِ عَلَى عُمُومِهِ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الذَّمِّ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي شِهَابٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ : مِنْ شَرِّ خَلْقِ اللَّهِ ذُو الْوَجْهَيْنِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّمَا كَانَ ذُو الْوَجْهَيْنِ شَرَّ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ حَالَهُ حَالُ الْمُنَافِقِ ، إِذْ هُوَ مُتَمَلِّقٌ بِالْبَاطِلِ وَبِالْكَذِبِ ، مُدْخِلٌ لِلْفَسَادِ بَيْنَ النَّاسِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ الَّذِي يَأْتِي كُلَّ طَائِفَةٍ بِمَا يُرْضِيهَا ، فَيُظْهِرُ لَهَا أَنَّهُ مِنْهَا وَمُخَالِفٌ لِضِدِّهَا ، وَصَنِيعُة نِفَاقٌ وَمَحْضُ كَذِبٍ وَخِدَاعٌ وَتَحَيُّلٌ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِ الطَّائِفَتَيْنِ ، وَهِيَ مُدَاهَنَةٌ مُحَرَّمَةٌ . قَالَ : فَأَمَّا مَنْ يَقْصِدُ بِذَلِكَ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فَهُوَ مَحْمُودٌ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَذْمُومَ مَنْ يُزَيِّنُ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عَمَلَهَا وَيُقَبِّحُهُ عِنْدَ الْأُخْرَى وَيَذُمُّ كُلَّ طَائِفَةٍ عِنْدَ الْأُخْرَى ، وَالْمَحْمُودُ أَنْ يَأْتِيَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ بِكَلَامٍ فِيهِ صَلَاحُ الْأُخْرَى وَيَعْتَذِرُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَنِ الْأُخْرَى ، وَيَنْقُلُ إِلَيْهِ مَا أَمْكَنَهُ مِنَ الْجَمِيلِ وَيَسْتُرُ الْقَبِيحَ . وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ : الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ جَمَاعَةٌ وَهُوَ أَوْلَى ، وَتَأَوَّلَهُ قَوْمٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ يُرَائِي بِعَمَلِهِ ؛ فَيُرِي النَّاسَ خُشُوعًا وَاسْتِكَانَةً وَيُوهِمُهُمْ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ حَتَّى يُكْرِمُوهُ ، وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، قَالَ : وَهَذَا مُحْتَمَلٌ لَوِ اقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى صَدْرِهِ ؛ فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِي مُطْلَقِ ذِي الْوَجْهَيْنِ ، لَكِنْ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ تَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ ؛ وَهِيَ قَوْلُهُ : يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ ، قُلْتُ : وَقَدِ اقْتَصَرَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى صَدْرِ الْحَدِيثِ ، لَكِنْ دَلَّتْ بَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ اخْتَصَرَهُ ، فَإِنَّهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ ، وَقَدْ ثَبَتَ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ بِتَمَامِهِ ، وَرِوَايَةُ ابْنِ نُمَيْرٍ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا هِيَ الَّتِي تَرُدُّ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ صَرِيحًا ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : لَا يَنْبَغِي لِذِي الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ بِخِلَافِ حَدِيثِ الْبَابِ ؛ فَإِنَّهُ فَسَّرَ مَنْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ النَّاسِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا قِيلَ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ · ص 489 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما قيل في ذي الوجهين · ص 131 باب ما قيل في ذي الوجهين . أي : هذا باب في بيان ما قيل في حق ذي الوجهين ، وذو الوجهين هو الذي يأتي هؤلاء بوجه ، وهؤلاء بوجه ، كما يجيء عن قريب في حديث أبي هريرة ، وهذه هي المداهنة المحرمة ، وسمي ذو الوجهين مداهنا ؛ لأنه يظهر لأهل المنكر أنه عنهم راض فيلقاهم بوجه سمح بالترحيب والبشر ، وكذلك يظهر لأهل الحق ما أظهره لأهل المنكر ، فيخلطه لكلتا الطائفتين ، وإظهاره الرضى بفعلهم استحق اسم المداهنة ، واستحق الوعيد الشديد أيضا ، روي عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها ، وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه ، أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من كان ذا لسانين في الدنيا جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة . 86 - حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا أبو صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : تجد من شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعمر بن حفص يروي عن أبيه حفص بن غياث ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي صالح ذكوان السمان الزيات . قوله : تجد من شر الناس ، وفي رواية الكشميهني : من شرار الناس بصيغة الجمع ، وفي رواية الترمذي : إن من شر الناس ، وفي رواية مسلم : تجدون شر الناس ، وفي رواية أخرى له : تجدون من شر الناس ذا الوجهين ، وفي رواية أبي داود ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة بلفظ : من شر الناس ذو الوجهين وفي رواية الإسماعيلي من طريق ابن شهاب ، عن الأعمش بلفظ : من شر خلق الله ذو الوجهين ، وهذه الألفاظ متقاربة ، والروايات التي فيها شر الناس محمولة على الروايات التي فيها من شر الناس مبالغة في ذلك ، وقال الكرماني : وفي بعض الروايات أشر الناس بلفظ أفعل وهو لغة فصيحة ، وإنما كان أشر ؛ لأنه يشبه النفاق ، فإن قلت : ما المراد بالناس ؟ قلت : يحتمل أن يكون المراد من ذكر من الطائفتين خاصة فهو شرهم كلهم ، والأولى أن يحمل على عمومه فهو أبلغ بالذم . قوله : ذا الوجهين منصوب لأنه مفعول قوله : تجد قوله يأتي هؤلاء ، أي يأتي كل طائفة ، ويظهر عندهم أنه منهم ومخالف للآخرين مبغض لهم إذ لو أتى كل طائفة بالإصلاح ونحوه لكان محمودا .