54 - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّمَادُحِ 6060 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عنِ أَبِي مُوسَى ، قَالَ : سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ ؛ فَقَالَ : أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَادُحِ ) هُوَ تَفَاعُلٌ مِنَ الْمَدْحِ أَيِ الْمُبَالَغُ ، وَالتَّمَدُّحُ التَّكَلُّفُ وَالْمُمَادَحَةُ أَيْ مَدْحُ كُلٍّ مِنَ الشَّخْصَيْنِ الْآخَرَ ، وَكَأَنَّهُ تَرْجَمَ بِبَعْضِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْخَبَرَ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُرِيدَ حَمْلَ التَّفَاعُلِ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ فِي الشَّهَادَاتِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْإِطْنَابِ فِي الْمَدْحِ . أورد فيه حديثين : الأول : حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ، قَالَ فِيهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ الْبَزَّارُ ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ ، وَتَقَدَّمَ الْكُلُّ فِي الشَّهَادَاتِ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ ؛ فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَخْرِيجِهِ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِي مَتْنِهِ وَلَا إِسْنَادِهِ وَهُوَ قَلِيلٌ فِي كِتَابِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَسَمِعْتُهُ أَنَا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ فَذَكَرَهُ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا شَيْخُهُ هُوَ الْخُلْقَانِيُّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ ، وَبُرَيْدَةُ بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ يُكَنَّى أَبَا بُرْدَةَ مِثْلَ كُنْيَةِ جَدِّهِ وَهُوَ شَيْخُهُ فِيهِ ، وَقَوْلُهُ عَنْ بُرَيْدٍ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ . قَوْلُهُ : ( سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِمَا صَرِيحًا ، وَلَكِنْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ الْأَسْلَمِيِّ ، قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدَيَّ ؛ فَذَكَرَ حَدِيثًا قَالَ فِيهِ : فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي ، فَقَالَ لِي : مَنْ هَذَا ؟ فَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ خَيْرًا ، فَقَالَ : اسْكُتْ لَا تُسْمِعْهُ فَتُهْلِكْهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فُلَانٌ وَهَذَا وَهَذَا ، وَفِي أُخْرَى لَهُ : هَذَا فُلَانٌ وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ صَلَاةً ، أَوْ مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْحَدِيثَ . وَالَّذِي أَثْنَى عَلَيْهِ مِحْجَنُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ذُو النِّجَادَيْنِ الْمُزَنِيُّ ، فَقَدْ ذَكَرْتُ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الصَّحَابَةِ مَا يُقَرِّبُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَيُطْرِيهِ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْإِطْرَاءِ وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَدْحِ ، وَسَأَذْكُرُ مَا وَرَدَ فِي بَيَانِ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( فِي الْمِدْحَةِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَفِي نُسْخَةٍ مَضَتْ فِي الشَّهَادَاتِ فِي الْمَدْحِ بِفَتْحِ الْمِيمِ بِلَا هَاءٍ ، وَفِي أُخْرَى فِي مَدْحِهِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَزِيَادَةِ الضَّمِيرِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ . قَوْلُهُ : ( لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ - أَوْ قَطَعْتُمْ - ظَهْرَ الرَّجُلِ ) كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي بَعْدَهُ بِلَفْظِ : قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ . وَهُمَا بِمَعْنًى ، وَالْمُرَادُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْهَلَاكُ لِأَنَّ مَنْ يُقْطَعُ عُنُقُهُ يُقْتَلُ وَمَنْ يُقْطَعُ ظَهْرُهُ يَهْلِكُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّمَادُحِ · ص 491 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يكره من التمادح · ص 132 باب ما يكره من التمادح . أي : هذا باب في بيان ما يكره من التمادح بين الناس الذي فيه الإطراء ومجاوزة الحد ، وهو المراد من الترجمة ؛ لأن الحديث يدل على هذا قال بعضهم : هو مدح كل من الشخصين الآخر ، قلت : ليس كذلك هذا الذي قاله : باب المفاعلة ، وهذا من باب التفاعل ؛ لمشاركة القوم ، ومن له أدنى مسكة من الصرف يعرف هذا . 88 - حدثنا محمد بن صباح ، حدثنا إسماعيل بن زكرياء ، حدثنا بريد بن عبد الله بن أبي بردة ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة فقال : أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل . مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث ، وهو أن يفرط في مدح الرجل بما ليس فيه ، فيدخله من ذلك الإعجاب ، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة ، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قطعتم ظهر الرجل حين وصفتموه بما ليس فيه ، فربما حمله ذلك على العجب والكبر ، وعلى تضييع العمل ، وترك الازدياد والفضل ، ومن ذلك تأول العلماء في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : احثوا التراب في وجوه المداحين أن المراد بهم المداحون الناس في وجوههم بالباطل ، وبما ليس فيهم ، ولم يرد بهم من مدح رجلا بما فيه فقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأشعار والخطب والمخاطبة ، ولم يحث في وجوه المداحين التراب ولا أمر بذلك ، وقد قال أبو طالب فيه : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل ومدحه حسان في كثير من شعره ، وكعب بن زهير وغير ذلك . ومحمد بن صباح بتشديد الباء الموحدة ، ويقال فيه : الصباح بالألف واللام البغدادي ، فالأول رواية أبي ذر ، والثاني لغيره ، وإسماعيل بن زكرياء مقصور أو ممدود الأسدي ، وبريدة بضم الباء الموحدة ، وفتح الراء ابن عبد الله بن أبي بردة بضم الموحدة ، وأبو بردة اسمه عامر ، وقيل : الحارث يروي عن أبيه أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ، وبريد بن عبد الله يروي عن جده أبي بردة ، عن أبي موسى . والحديث قد مر في الشهادات باب ما يكره من الإطناب في المدح . قوله : ويطريه من الإطراء وهو مجاوزة الحد ، قوله : أو قطعتم شك من الراوي ، وقطع الظهر مجاز عن الإهلاك ، يعني أوقعتموه في الإعجاب بنفسه الموجب لهلاك دينه .