56 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَقَوْلِهِ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وقوله ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ وَتَرْكِ إِثَارَةِ الشَّرِّ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ 6063 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : مَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا وَكَذَا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِي ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ : يَا عَائِشَةُ ، إِنَّ اللَّهَ تعالى أَفْتَانِي فِي أَمْرٍ اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ ، أَتَانِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ وَالْآخَرُ عِنْدَ رَأْسِي ؛ فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي : مَا بَالُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ : مَطْبُوبٌ ، يَعْنِي مَسْحُورًا ، قَالَ : وَمَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ : لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ . قَالَ : وَفِيمَ ؟ قَالَ : فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطةٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ ؛ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَقَالَ : هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ . فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُخْرِجَ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَهَلَّا . . . تَعْنِي تَنَشَّرْتَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي ، وَأَمَّا أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا ، قَالَتْ : وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ الْآيَةَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَالنَّسَفِيِّ ، وَسَاقَ الْبَاقُونَ إِلَى تَذَكَّرُونَ ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الضُّحَى ، قَالَ : قَالَ شُتَيْرُ بْنُ شَكَلٍ ، لِمَسْرُوقٍ : حَدِّثْ يَا أَبَا عَائِشَةَ وَأُصَدِّقُكَ . قَالَ : هَلْ سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَجْمَعَ لِحَلَالٍ وَحَرَامٍ وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ؛ أَيْ إِنَّ إِثْمَ الْبَغْيِ وَعُقُوبَةَ الْبَغْيِ عَلَى الْبَاغِي إِمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ كَذَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ عَلَى وَفْقِ التِّلَاوَةِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَلِلْبَاقِينَ : وَمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ إِمَّا مِنَ الْمُصَنِّفِ وَإِمَّا مِمَّنْ بَعْدَهُ ، كَمَا أَنَّ الْمُطَابِقَ لِلتِّلَاوَةِ إِمَّا مِنَ الْمُصَنِّفِ وَإِمَّا مِنْ إِصْلَاحِ مَنْ بَعْدَهُ ، وَإِذَا لَمْ تَتَّفِقِ الرِّوَايَاتُ عَلَى شَيْءٍ فَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّ الْوَهْمَ مِنَ الْمُصَنِّفِ فَقَدْ تَحَامَلَ عَلَيْهِ . قَالَ الرَّاغِبُ : الْبَغْيُ مُجَاوَزَةُ الْقَصْدِ فِي الشَّيْءِ . فَمِنْهُ مَا يُحْمَدُ وَمِنْهُ مَا يُذَمُّ ، فَالْمَحْمُودُ مُجَاوَزَةُ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ فِيهِ وَلَا نُقْصَانٍ مِنْهُ إِلَى الْإِحْسَانِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْفَرْضِ بِالتَّطَوُّعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ ، وَالْمَذْمُومُ مُجَاوَزَةُ الْعَدْلِ إِلَى الْجَوْرِ وَالْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ وَالْمُبَاحِ إِلَى الشُّبْهَةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ الْبَغْيُ عَلَى الْمَذْمُومِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالَ - تَعَالَى - : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَقَالَ - تَعَالَى - : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ وَإِذَا أُطْلِقَ الْبَغْيُ وَأُرِيدَ بِهِ الْمَحْمُودُ يُزَادُ فِيهِ غَالِبًا التَّاءُ ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - : فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَقَالَ - تَعَالَى - : وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا وَقَالَ غَيْرُهُ : الْبَغْيُ الِاسْتِعْلَاءُ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَمِنْهُ بَغَى الْجُرْحُ إِذَا فَسَدَ . قَوْلُهُ : ( وَتَرْكُ إِثَارَةِ الشَّرِّ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ ) ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَتَرْجَمَةِ الْبَابِ مَعَ الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا نَهَى عَنِ الْبَغْيِ ، وَأَعْلَمَ أَنَّ ضَرَرَ الْبَغْيِ إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْبَاغِيِ ، وَضَمِنَ النَّصْرَ لِمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ كَانَ حَقُّ مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ بِأَنْ يَعْفُوَ عَمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ ، وَقَدِ امْتَثَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُعَاقِبِ الَّذِي كَادَهُ بِالسِّحْرِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ . انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ لِلْآيَاتِ وَالْحَدِيثِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ اسْتِخْرَاجَ السِّحْرِ خَشْيَةَ أَنْ يَثُورَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرٌّ ؛ فَسَلَكَ مَسْلَكَ الْعَدْلِ فِي أَنْ لَا يَحْصُلَ لِمَنْ لَمْ يَتَعَاطَ السِّحْرَ مَنْ أَثَرِ الضَّرَرِ النَّاشِئِ عَنِ السِّحْرِ شَرٌّ ، وَسَلَكَ مَسْلَكَ الْإِحْسَانِ فِي تَرْكِ عُقُوبَةِ الْجَانِي كَمَا سَبَقَ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : يُسْتَفَادُ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى أَنَّ دَلَالَةَ الِاقْتِرَانِ ضَعِيفَةٌ ، لِجَمْعِهِ - تَعَالَى - بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ ، وَالْعَدْلُ وَاجِبُ وَالْإِحْسَانُ مَنْدُوبٌ . قُلْتُ : وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِهِمَا فِي الْآيَةِ ؛ فَقِيلَ : الْعَدْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَالْإِحْسَانُ الْفَرَائِضُ . وَقِيلَ : الْعَدْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَالْإِحْسَانُ الْإِخْلَاصُ . وَقِيلَ : الْعَدْلُ خَلْعُ الْأَنْدَادِ ، وَالْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ . وَهُوَ بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ . وَقِيلَ : الْعَدْلُ الْفَرَائِضُ ، وَالْإِحْسَانُ النَّافِلَةُ وَقِيلَ : الْعَدْلُ الْعِبَادَةُ ، وَالْإِحْسَانُ الْخُشُوعُ فِيهَا . وَقِيلَ الْعَدْلُ الْإِنْصَافُ ، وَالْإِحْسَانُ التَّفَضُّلُ . وَقِيلَ : الْعَدْلُ امْتِثَالُ الْمَأْمُورَاتِ ، وَالْإِحْسَانُ اجْتِنَابُ الْمَنْهِيَّاتِ . وَقِيلَ : الْعَدْلُ بَذْلُ الْحَقِّ ، وَالْإِحْسَانُ تَرْكُ الظُّلْمِ . وَقِيلَ : الْعَدْلُ اسْتِوَاءُ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ، وَالْإِحْسَانُ فَضْلُ الْعَلَانِيَةِ . وَقِيلَ : الْعَدْلُ الْبَذْلُ ، وَالْإِحْسَانُ الْعَفْوُ . وَقِيلَ : الْعَدْلُ فِي الْأَفْعَالِ ، وَالْإِحْسَانُ فِي الْأَقْوَالِ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . وَأَقَرَّبِهَا لِكَلَامِهِ الْخَامِسَ وَالسَّادِسَ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : الْعَدْلُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ مَنَاهِيهِ ، وَبَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ نَفْسِهِ بِمَزِيدِ الطَّاعَاتِ وَتَوَقِّي الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ ، وَبَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِالْإِنْصَافِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَقَالَ الرَّاغِبُ : الْعَدْلُ ضَرْبَانِ مُطْلَقٌ يَقْتَضِي الْعَقْلُ حُسْنَهُ وَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَزْمِنَةِ مَنْسُوخًا وَلَا يُوصَفُ بِالِاعْتِدَاءِ بِوَجْهٍ ، نَحْوَ أَنْ تُحْسِنَ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ وَتَكُفَّ الْأَذَى عَمَّنْ كَفَّ أَذَاهُ عَنْكَ . وَعَدْلٌ يُعْرَفُ بِالشَّرْعِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَهُ النَّسْخُ وَيُوصَفُ بِالِاعْتِدَاءِ مُقَابَلَةً كَالْقِصَاصِ وَأَرْشِ الْجِنَايَاتِ وَأَخْذِ مَالِ الْمُرْتَدِّ ، وَلِذَا قَالَ - تَعَالَى - : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ الْآيَةَ ، وَهَذَا النَّحْوُ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ؛ فَإِنَّ الْعَدْلَ هُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمُكَافَأَةِ فِي خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، وَالْإِحْسَانَ مُقَابَلَةُ الْخَيْرِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ وَالشَّرِّ بِالتَّرْكِ أَوْ بِأَقَلِّ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ . قَوْلُهُ : ( مَطْبُوبٌ ، يَعْنِي مَسْحُورًا ) هَذَا التَّفْسِيرُ مُدْرَجٌ فِي الْخَبَرِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ عِنْدَ شَرْحِ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الطِّبِّ ، وَكَذَا قَوْلُهُ فَهَلَّا تَعْنِي تَنَشَّرْتَ . وَمَنْ قَالَ : هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّشْرَةِ أَوْ مِنْ نَشْرِ الشَّيْءِ بِمَعْنَى إِظْهَارِهِ . وَكَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهَا فَأُخْرِجَ وَبَيْنَ قَوْلِهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى هَلَّا اسْتَخْرَجْتَهُ ، وَأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ الْإِخْرَاجَ الْوَاقِعَ كَانَ لِأَصْلِ السِّحْرِ وَالِاسْتِخْرَاجَ الْمَنْفِيَّ كَانَ لِأَجْزَاءِ السِّحْرِ ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ حَلِيفٌ لِيَهُودَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا لِلْيَهُودِ بِزِيَادَةِ لَامٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى · ص 494 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى · ص 134 باب قول الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وقوله : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ثم بغي عليه لينصرنه الله . أشار البخاري بإيراد هذه الآيات إلى وجوب ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر يدل عليه ، قوله : وَالإِحْسَانِ أي إلى المسيء وترك معاقبته على إساءته ، وفي رواية أبي ذر والنسفي : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ الآية ، وفي رواية الباقين سيقت إلى تذكرون . ثم في تفسير هذه الآية أقوال : الأول : أن المراد بالعدل شهادة أن لا إله إلا الله ، والإحسان أداء الفرائض قاله ابن عباس . الثاني : العدل الفرائض ، والإحسان النافلة . الثالث : العدل استواء السريرة والعلانية ، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية قاله ابن عيينة . الرابع : العدل خلع الأنداد ، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه . الخامس : العدل العبادة ، والإحسان الخشوع فيها . السادس : العدل الإنصاف ، والإحسان التفضل . السابع : العدل امتثال المأمورات ، والإحسان اجتناب المنهيات . الثامن : العدل في الأفعال ، والإحسان في الأقوال . التاسع : العدل بذل الحق ، والإحسان ترك الظلم . العاشر : العدل البذل ، والإحسان العفو ، قوله : وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى أي صلة الرحم ، قوله : وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ يعني عن كل فعل وقول قبيح ، وقال ابن عباس : هو الزنا والبغي ، قيل : هو الكبر والظلم ، وقيل : التعدي ومجاوزة الحد . قوله : تَذَكَّرُونَ أصله تتذكرون فحذفت إحدى التاءين . قوله : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ قال ابن عيينة : المراد بها أن البغي تعجل عقوبته في الدنيا لصاحبه ، يقال للبغي مصرعة ، قوله : ثم بغي عليه لينصرنه الله كذا في رواية كريمة والأصيلي على وفق التلاوة ، وكذا في رواية أبي ذر والنسفي ، ووقع للباقين ، ومن بغي عليه ، وهو خلاف ما وقع عليه القرآن ، وقال بعضهم : وهو سبق قلم إما من المصنف ، وإما ممن بعده قلت : الظاهر أنه من الناسخ ، واستمر عليه في رواية غير هؤلاء المذكورين ، ثم إن الله عز وجل ضمن نصرة من بغي عليه ، والأولى لمن بغي عليه أن يشكر الله على ما ضمن من نصره ، ويقابل ذلك بالعفو عمن بغي عليه ، وقد كان له الانتقام فيه لقوله تعالى : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ لكن الصفح عنه أولى عملا بقوله : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ وقد أخبرت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان لا ينتقم لنفسه ، ويعفو عمن ظلمه . وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر . وترك مجرور عطفا على قوله قول الله تعالى ، أي وفي بيان وجوب ترك إثارة الشر أي تهييجه على مسلم أو كافر ، وحال المسلم يقتضي إطفاء الشر عن الناس أجمعين . 91 - حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : مكث النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا يخيل إليه أنه يأتي أهله ، ولا يأتي قالت عائشة : فقال لي ذات يوم : يا عائشة ، إن الله أفتاني في أمر استفتيته فيه ، أتاني رجلان فجلس أحدهما عند رجلي ، والآخر عند رأسي ، فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي : ما بال الرجل ؟ قال : مطبوب ، يعني مسحورا ، قال : ومن طبه ؟ قال : لبيد بن أعصم ، قال : وفيم ؟ قال : في جف طلعة ذكر في مشط ومشاقة تحت رعوفة في بئر ذروان ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هذه البئر التي أريتها كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين ، وكأن ماءها نقاعة الحناء ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فأخرج ، قالت عائشة فقلت : يا رسول الله ، فهلا تعني تنشرت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما الله فقد شفاني ، وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا ، قالت : ولبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف ليهود . وجه المطابقة بين هذا الحديث ، وبين الآيات المذكورة أن الله لما نهى عن البغي ، وأعلم أن ضرر البغي يرجع إلى الباغي ، وضمن النصرة لمن بغي عليه كان حق من بغي عليه أن يشكر الله على إحسانه إليه ، بأن يعفو عمن بغى عليه ، ألا يرى أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كيف ابتلي بالسحر ، ولم يعاقب ساحره مع قدرته على ذلك . وأما وجه المطابقة بينه وبين الترجمة الأخرى وهي قوله : وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر هو من قوله : وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا . والحميدي هو عبد الله بن الزبير بن عيسى منسوب إلى أحد أجداده حميد ، وسفيان هو ابن عيينة ، وهشام بن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير ، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها . والحديث قد مضى في كتاب الطب في باب السحر ، ومضى الكلام فيه مستقصى ، ونذكر بعض شيء قوله كذا وكذا أي أياما . قوله : يخيل إليه أنه يأتي أهله ، أي يخيل إليه أنه يباشر أهله ، ولم يكن ثمة مباشرة ، قوله : ذات يوم ، أي يوما وهو من باب إضافة المسمى إلى اسمه ، قوله : في أمر ، أي في أمر التخيل ، قوله : رجلان هما الملكان بصورة الرجلين ، قوله : رجلي مفرد أو مثنى ، قوله : مطبوب فسره بقوله ، أي مسحور ، وهذا التفسير مدرج في الخبر ، قوله : ومن طبَّه ؟ ، أي سحره ، قوله : وفيم ؟ أي في أي شيء ، قوله : في جف بضم الجيم وتشديد الفاء ، وهو وعاء طلع النخل ، ويطلق على الذكر والأنثى ، قوله : ومشاقة بضم الميم وتخفيف الشين المعجمة وبالقاف ، وهي ما يغزل من الكتان ، قوله : راعوفة بفتح الراء وضم العين المهملة وفتح الفاء ، وهي حجر في أسفل البئر . قوله : ذروان بفتح الذال المعجمة وسكون الراء وبالواو والنون ، وهو بستان فيه بئر بالمدينة ، قوله : أريتها بضم الهمزة وكسر الراء وضم التاء المثناة من فوق ، قوله : رؤوس الشياطين مثل في استقباح الصورة ، أي أنها وحشية المنظر ، سمجة الشكل ، قوله : نقاعة بضم النون وتخفيف القاف وتشديدها ماء ينفع فيه الحناء . قوله : فأخرج على صيغة المجهول ، أي أخرج من تحت الرعوفة ، قوله : تنشرت تفسير قوله : فهلا ، وهو أيضا مدرج في الخبر ، وتنشرت على وزن تفعلت . قال الجوهري : التنشر من النشرة بضم النون وسكون الشين المعجمة وفتح الراء ، وهي كالرقية ، فإذا نشر المسموم فكأنما نشط من عقال ، أي يذهب عنه سريعا ، وفي الحديث لعل طبا أصابه : يعني سحرا ، ثم نشره بـ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ أي رقاه ، وكذا قاله القزاز ، وقال الداودي : معناه هلا اغتسلت ورقيت . قال صاحب التوضيح : وظاهر الحديث أن تنشرت أظهرت السحر ، توضحه الرواية الأخرى فهلا استخرجته ، وروي أنه سئل عن النشرة فقال : هي من عمل الشيطان ، وقال الحسن : النشرة من السحر ، وهو ضرب من الرقى والعلاج ، يعالج به من كان يظن أن به شيئا من الجن . وقال عياض : النشرة نوع من التطبب بالاغتسال على هيئة مخصوصة بالتجربة ، لا يحيلها القياس الظني ، وقد اختلف العلماء في جوازها ، وقيل : من قال : إن تنشرت مأخوذ من النشر ، أو من نشر الشيء وهو إظهاره ، كيف يجمع بين قولها فأخرج ، وبين قولها في الرواية الأخرى : فهلا استخرجته ؟ وأجيب بأن الإخراج الواقع كان لأصل السحر ، والاستخراج المنفي كان لأجزاء السحر ، قوله : من بني زريق بضم الزاي وفتح الراء ، قوله : حليف ، أي معاهد ، قوله : ليهود وقع في رواية الكشميهني هنا لليهود بزيادة اللام .