باب قول الله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : مكث النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا يخيل إليه أنه يأتي أهله ، ولا يأتي قالت عائشة : فقال لي ذات يوم : يا عائشة ، إن الله أفتاني في أمر استفتيته فيه ، أتاني رجلان فجلس أحدهما عند رجلي ، والآخر عند رأسي ، فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي : ما بال الرجل ؟ قال : مطبوب ، يعني مسحورا ، قال : ومن طبه ؟ قال : لبيد بن أعصم ، قال : وفيم ؟ قال : في جف طلعة ذكر في مشط ومشاقة تحت رعوفة في بئر ذروان ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هذه البئر التي أريتها كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين ، وكأن ماءها نقاعة الحناء ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فأخرج ، قالت عائشة فقلت : يا رسول الله ، فهلا تعني تنشرت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما الله فقد شفاني ، وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا ، قالت : ولبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف ليهود . وجه المطابقة بين هذا الحديث ، وبين الآيات المذكورة أن الله لما نهى عن البغي ، وأعلم أن ضرر البغي يرجع إلى الباغي ، وضمن النصرة لمن بغي عليه كان حق من بغي عليه أن يشكر الله على إحسانه إليه ، بأن يعفو عمن بغى عليه ، ألا يرى أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كيف ابتلي بالسحر ، ولم يعاقب ساحره مع قدرته على ذلك . وأما وجه المطابقة بينه وبين الترجمة الأخرى وهي قوله : وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر هو من قوله : وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا .
والحميدي هو عبد الله بن الزبير بن عيسى منسوب إلى أحد أجداده حميد ، وسفيان هو ابن عيينة ، وهشام بن عروة يروي عن أبيه عروة بن الزبير ، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها . والحديث قد مضى في كتاب الطب في باب السحر ، ومضى الكلام فيه مستقصى ، ونذكر بعض شيء قوله كذا وكذا أي أياما . قوله : يخيل إليه أنه يأتي أهله ، أي يخيل إليه أنه يباشر أهله ، ولم يكن ثمة مباشرة ، قوله : ذات يوم ، أي يوما وهو من باب إضافة المسمى إلى اسمه ، قوله : في أمر ، أي في أمر التخيل ، قوله : رجلان هما الملكان بصورة الرجلين ، قوله : رجلي مفرد أو مثنى ، قوله : مطبوب فسره بقوله ، أي مسحور ، وهذا التفسير مدرج في الخبر ، قوله : ومن طبَّه ؟ ، أي سحره ، قوله : وفيم ؟ أي في أي شيء ، قوله : في جف بضم الجيم وتشديد الفاء ، وهو وعاء طلع النخل ، ويطلق على الذكر والأنثى ، قوله : ومشاقة بضم الميم وتخفيف الشين المعجمة وبالقاف ، وهي ما يغزل من الكتان ، قوله : راعوفة بفتح الراء وضم العين المهملة وفتح الفاء ، وهي حجر في أسفل البئر .
قوله : ذروان بفتح الذال المعجمة وسكون الراء وبالواو والنون ، وهو بستان فيه بئر بالمدينة ، قوله : أريتها بضم الهمزة وكسر الراء وضم التاء المثناة من فوق ، قوله : رؤوس الشياطين مثل في استقباح الصورة ، أي أنها وحشية المنظر ، سمجة الشكل ، قوله : نقاعة بضم النون وتخفيف القاف وتشديدها ماء ينفع فيه الحناء . قوله : فأخرج على صيغة المجهول ، أي أخرج من تحت الرعوفة ، قوله : تنشرت تفسير قوله : فهلا ، وهو أيضا مدرج في الخبر ، وتنشرت على وزن تفعلت . قال الجوهري : التنشر من النشرة بضم النون وسكون الشين المعجمة وفتح الراء ، وهي كالرقية ، فإذا نشر المسموم فكأنما نشط من عقال ، أي يذهب عنه سريعا ، وفي الحديث لعل طبا أصابه : يعني سحرا ، ثم نشره بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾أي رقاه ، وكذا قاله القزاز ، وقال الداودي : معناه هلا اغتسلت ورقيت .
قال صاحب التوضيح : وظاهر الحديث أن تنشرت أظهرت السحر ، توضحه الرواية الأخرى فهلا استخرجته ، وروي أنه سئل عن النشرة فقال : هي من عمل الشيطان ، وقال الحسن : النشرة من السحر ، وهو ضرب من الرقى والعلاج ، يعالج به من كان يظن أن به شيئا من الجن . وقال عياض : النشرة نوع من التطبب بالاغتسال على هيئة مخصوصة بالتجربة ، لا يحيلها القياس الظني ، وقد اختلف العلماء في جوازها ، وقيل : من قال : إن تنشرت مأخوذ من النشر ، أو من نشر الشيء وهو إظهاره ، كيف يجمع بين قولها فأخرج ، وبين قولها في الرواية الأخرى : فهلا استخرجته ؟ وأجيب بأن الإخراج الواقع كان لأصل السحر ، والاستخراج المنفي كان لأجزاء السحر ، قوله : من بني زريق بضم الزاي وفتح الراء ، قوله : حليف ، أي معاهد ، قوله : ليهود وقع في رواية الكشميهني هنا لليهود بزيادة اللام .