6065 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . الحديث الثاني : حَدِيثُ أَنَسٍ : قَوْلُهُ : ( لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا ) هَكَذَا اقْتَصَرَ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، وَزَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْهُ فِيهِ : وَلَا تَنَافَسُوا ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ ، وَالْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ ، قَالَ : وَهَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : خَالَفَ سَعِيدٌ جَمِيعَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ عِنْدَهُمْ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، أَيِ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِي هَذَا ، فَأَدْرَجَهَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَكَذَا قَالَ حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهَا عَنْ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ غَيْرَ سَعِيدٍ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ التَّهَاجُرِ ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى زِيَادَةٍ وَقَعَتْ فِي آخِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُنْهَى عَنْ التَّحَاسُدِ وَالتَّدَابُرِ · ص 499 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما ينهى من التحاسد والتدابر وقوله تعالى وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ · ص 136 93 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام . مطابقته للترجمة في قوله : ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، وبشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ابن محمد أبو محمد السختياني المروزي ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، ومعمر بفتح الميمين هو ابن راشد ، وهمام بتشديد الميم الأولى ابن منبه على وزن اسم الفاعل من التنبيه . والحديث من هذا الوجه من أفراده . قوله : إياكم والظن ، أي اجتنبوا الظن ، قال القرطبي : المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها ، كمن يتهم رجلا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها ، ولذلك عطف عليه : ولا تحسسوا ، وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة ، فيريد أن يتحقق ، فيتحسس ، وليبحث ويتسمع ، فنهي عن ذلك . وقال الخطابي وغيره : ليس المراد ترك العمل بالظن الذي تناط به الأحكام غالبا ، بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر بالمظنون به ، وكذا ما يقع في القلب بغير دليل ، وذلك أن أوائل الظنون إنما هو خواطر لا يمكن دفعها ، وما لا يقدر عليه لا يكلف به ، قوله : فإن الظن أكذب الحديث ، أي أكثر كذبا من الكلام ، فإن قيل : الكذب من صفات الأقوال ، يجاب بأن المراد به هنا عدم مطابقة الواقع سواء كان قولا أو فعلا . قوله : ولا تحسسوا بالحاء المهملة ، ولا تجسسوا بالجيم قال الكرماني : كلاهما بمعنى ، وكذا نقل عن إبراهيم الحربي ، وقال ابن الأنباري : ذكر الثاني تأكيدا ، كقولهم : بعدا وسحقا ، قلت : بينهما فرق ؛ لأن كلام الشارع كله معنى بعد معنى ، فقيل : الذي بالجيم البحث عن العورات ، والذي بالحاء الاستماع لحديث القوم ، كذا رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أحد صغار التابعين ، وقيل : بالجيم البحث عن بواطن الأمور ، وأكثر ما يقال في الشر ، وبالحاء البحث عما يدرك بحاسة العين أو الأذن ، ورجح القرطبي هذا . وقيل : بالجيم تتبع الشخص لأجل غيره ، وبالحاء تتبعه لنفسه ، وهذا اختيار ثعلب ، ويستثنى من النهي عن التجسس ما لو تعين طريقا إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلا ، كأن يخبر ثقة بأن فلانا خلا بشخص ليقتله ظلما ، أو بامرأة ليزني بها ، فيشرع في هذه الصورة التجسس والبحث عن ذلك ؛ حذار من فوات استدراكه . قوله : ولا تباغضوا ، أي لا تتعاطوا أسباب البغض ؛ لأن البغض لا يكتسب ابتداء ، وقيل : المراد بالنهي عن الأهواء المضلة المقتضية للتباغض ، والمذموم منه ما كان لغير الله تعالى ، فإنه فيه واجب ، ويثاب فاعله لتعظيم حق الله عز وجل ، قوله : وكونوا عباد الله ، يعني يا عباد الله ، كونوا إخوانا ، يعني اكتسبوا ما تصيرون به إخوانا . وقال القرطبي : المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة . قوله : ولا يحل لمسلم إلى آخره فيه التصريح بحرمة الهجران فوق ثلاثة أيام ، وهذا فيمن لم يجن على الدين جناية ، فأما من جنى عليه وعصى ربه فجاءت الرخصة في عقوبته بالهجران ، كالثلاثة المتخلفين عن غزوة تبوك ، فأمر الشارع بهجرانهم فبقوا خمسين ليلة حتى نزلت توبتهم ، وقد آل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من نسائه شهرا ، وصعد مشربته ، ولم ينزل إليهن حتى انقضى الشهر ، واختلفوا هل يخرج بالسلام وحده من الهجران ، فقالت البغاددة : نعم ، وكذا قول جمهور العلماء : إن الهجرة تزول بمجرد السلام ورده ، وبه قال مالك في رواية ، وقال أحمد : لا يبرأ من الهجرة إلا بعوده إلى الحال التي كان عليها أولا ، وقال أيضا : إن كان ترك الكلام يؤذيه لم تنقطع الهجرة بالسلام ، وكذا قال ابن القاسم .